دائرة المعارف الإسلامیة الکبری ـ في 35 مجلداً

إن تاریخ الثقافة البشریة مسرح فسیح مترامي الأطراف لم یتم الکشف عن خفایاه حتی الآن کما لن یکون في حیز الإمکان إدراکه کلیاً في مستقبل قریب إلا أن معرفة هذه الثقافة بالضرورة وتقدیمها إلی من یبحث عن الحقایق ولاسیما الجیل الفتي، مهمة إنسانیة کبیرة تتخمض عنها ــ وبالرغم من صعوباتها وتحدیاتها ــ نتائج مثمرة علی شرط تحقیقها. ولذلک رکز الباحثون في مختلف المجتمعات منذ أقدم العصور جلّ اهتمامهم ومساعیهم علی إنجاز هذه المهمة. بید أن مواصلة هذه المساعي في عصرنا الحاضر ولاسیما في المجتمعات الإسلامیة ضرروة تمس إلیها الیوم أکثر من أي وقت مضی. ومما یحظی بالاشتهار الأکثر من بین الثقافات العریقة هو ما أوجده شعوب مصرو الصین وإیران والروم والهند وأما الثقافة الإسلامیة بالرغم من تأخر ظهورها عن سائر الثقافات وتأثرها بها وببعض عناصرها فإنها لم تلبث حتی سیطرت علی جمیع تلک الثقافات وسرعان ما أصبحت سید الموقف تارکة بصماتها علی الحضارة الغربیة. ومما لایرقی إلیه الشک هو أن هذه الثقافة لمع نجمها في ظل جهود حثیثة بذلها النوابغ من العلماء والمکفرین والفنانین من مختلف الشعوب ومن ثم ظهرت روائع ثقافیة فذة مستهلمة من مبدأ الفکر الإسلامي. 
منذ القدیم کانت شعوب إیران ومصر والهند ومابین النهرین ــ إلی جانب مواریثهم الغنیة والعریقة ــ یمتلکون المؤسسات المدنیة القویة فإن مواریثهم الثقافیة تلک، وجدت مجالاً للتوسع والازدهار في ظل الأجواء الملائمة التي وفّرت لها التعالیم الإسلامیة. ویشهد تاریخ العلم والحضارة في الاسلام أن العناصر الثقافیة الأجنبیة التي تسربت في المجتمع الإسلامي حظیت بالترحیب في الأغلب مالم یکن یتعارض مع المعاییر الإسلامیة ویلائم المبادئ الثقافیة الإسلامیة. فإن الرؤیة العالمیة الإسلامیة التي نفخت روح ترویج الثقافة في المجتمع وخاصة في العصور الوسطی وفي حین کان الحکام المسیحیون یظهرون مواقفهم العدائیة ضد الثقافة تسبب في استقطاب الراغبین في العالم والمتعطشین إلی المعارف الإسلامیة دون الأخذ بعین الاعتبار النزعات الدینیة والاعتقادیة ومن ثم احتضنت البیئة الإسلامیة جماعات کبیرة من العلماء الیهود والمسیحین الذین ترعرعوا في رحاب الإسلام أمثال ابن بختیشوع وابن ماسویة وحنین بن إسحاق وإسحاق بن حنین وسهل بن بشر وغیرهم. وفي ظل هذه الأجواء لم تلبث فلسفة الیونان حتی وجدت طریقها إلی العالم الإسلامي وانتشرت علی نطاق واسع حتی بلغ الکمال بعد أن تخلصت من شوائبها حین احتکاکها بآراء وأفکار الفلاسفة المترعرعین في تلک الأجواء الثقافیة المتلائمة وإن هذه التطور هو ماعبرّ عنه الأروبیون بانتصار الثقافة الیونانیة بینما هذا التعبیر بعید عن الحقیقة کل البعد إذ ما حدث في هذه المشوار لم یکن إلا تغلب المسلمین علی الثقافة الیونانیة. 
وبعد ظهور الإسلام وفي ظل هذه الظروف أخذت الثقافة الإسلامیة والمظاهر الحضاریة عند المسلمین تزدهر ازدهاراً لم یسبق طیلة التاریح: فامتزج الطب الیوناني بنظیره الهندي ثم نُقلت إلی العربیة الکتب الطبیة الهندیة وآثار أمثال أرسطو واقلیدس وجالینوس وبطلمیوس. ومما یلفت النظر أن العالم الغربي اطلع فیما بعد علی هذه الآثار من خلال ترجماتها هذه. 
وفي أثناء هذه القرون وإلی جانب الکتب المنقولة إلی العربیة أقدم المسلمون علی تألیف مصنفات تمسک بها الأوروبیون باعتبارها أمهات المصادر التعلیمیة ما حثّهم علی أن یوجهوا اهتمامهم نحو العلوم والمعارف وتعلمها ودراستها منذ القرن 7ه‍/13م وما تلاه لعدة قرون. 
مما لاینتابه الشک أن المجتمع الإسلامي قد أحرز قصب السبق في المجالات الفکریة وظل في فترة زمنیة یفوق نظائره من المجتمعات حیث ظهرت فیها نجوم لامعة ذاع صیتهم في الآفاق أمثال جابر بن حیان والخوارزمي وابن الهیثم والفارابي وابن سینا وخیام وابن رشد والعدید من الشخصیات الفذة وغیرهم ممن لم تزل أسماؤهم تلمع في سماء تاریخ الثقافة العالمیة. 
ولما بلغت العلوم ذروة الازدهار في المجتمع الإسلامي المترامي الأطراف فإن أمثال هولاء العلماء والمفکرین بحکم التبصر والضرورة رکزوا اهتمامهم علی تصنیف سلسلة من الکتب لتضم جوانب من الإنجازات العلمیة في مختلف المجالات؛ ومنها إحصاء العلوم للفارابي ومفاتیح العلوم للخوارزمي و جامع العلوم (الستیني) لفخر الرازي ودرة التاج (أنموذج العلوم) لقطب الدین الشیرازي ونفائس الفنون  لشمس الدین الآملي وقس علی هذه عشرات المجموعات بین صغیرة وکبیرة 
وعلی الرغم من أن التقدم العلمي في العالم الإسلامي أخذ یتراجع منذ القرن 6ه‍/12م بخطوات بطیئة بید أن تألیف هذه المجموعات لم یتوقف إطلاقاً واستمرت حرکة التدوین والتصنیف لعدة قرون، وإن ترک هذا التباطؤ آثاره السلبیة علی النشاطات العلمیة وحال دون بلوغها نحو الکمال المطلوب. 
لقد انطلق عهد ازدهار العلوم وتطویرها في الغرب بعد انتقال العلوم من عالم الإسلام إلی أوروبا وبذلک حقق الأوربیون خلال القرن 16م إنجازات کان ینبغي للمسلمین تحقیقها، وبذلک قطف الأوروبیون منذ هذا القرن ومایلیه تلک الثمار الناضجة التي کان قد غرسها المسلمون قبل ذلک بعده قرون؛ فظهرت إثر ذلک مجموعات تضم جمیع المعارف البشریة تحمل اسم انسیکلوپدي (الموسوعة) ورغم أنها شهدت إقبالاً بطیئاً في بدایة الأمر لکنها لم تلبث حتی ظهرت فوائدها ومن ثم تم توظیفها علی مستوی واسع حتی انتهی الأمر إلی تألیف الموسوعات التخصصیة بعد أن مست الحاجة إلی المعلومات المفصلة في حقول خاصه واستمراراً لهذه الحرکة قرر عدد من المستشرقین منذ بدایات القرن 14ه‍/20م وبمساهمة بعض الباحثین المسلمین تصنیف مجموعة بعنوان «دائرة المعارف الإسلامیة (EI1) في 4 مجلدات وملحق تم تألیفها في غضون ربع قرن باللغات الإنجلیزیة والفرنسیة والألمانیة وبعد إصدارها في 1936م لم تطل مدة حتی ظهرت نقائصها فاقتضت الضرورة إعادة النظر في کثیر من موأرها ومقالاتها وأحیاناً تجدید تألیفها بالاعتماد علی المعلومات والمصادر الجدیدة مما أدی إلی إصدار الطبعة الجدیدة (EI2) التي یجري العمل فیها حالیاً ومن المتوقع أن یبلغ عدد أجزائها إلی 12 مجلداً. 
وبالرغم من الأخطاء التي تسربت فیها والدوافع المغرضة والمقاصد الخفیة من وراء بعض مقالاتها إلا أنها شهدت إقبالاً کبیراً لدی الشعوب المسلمة ووقعت موقع رضی الکثیرین منهم بحیث أقبلوا علی ترجمتها إلی مختلف اللغات في مصر وترکیا وباکستان وأفعانستان وإیران بتوظیفهم طاقات کبیرة وجماعات کثیرة من الکوادر العلمیة. ولایکون من وراء هذا الإقبال الواسع إلا سبب واحد وهو أن الأوروبیون منذ مئات السنین قطعوا أشواطاً کبیرة في طریق الدراسات العلمیة الوعرة وعرضوا نتائجها ومناهجها البدیعة والمبتکرة التي لم یحصلوا علیها إلا من خلال تجاربهم الناجمة عن جهود حثیثة ومستمرة. ومن الطبیعي أن مثل هذه المناهج بغض النظر عن محتواها ذات لمعان یخطف الأبصار وعلی الرغم من کل تلک المناهج السلیمة وتوظیف جمیع الإمکانیات لعرض الدراسات إلا أن النتائج التي تتمخض عن بحوث الأوروبیین لاتقوم أساساً علی صحة تامة وبل تفتقر إلی قیمة علمیة وإن التاین الشاسع والظاهر بین الطبعة الأولی والثانیة من دائرة المعارف الإسلامیة خیر دلیل علی صحة هذا القول. إذ نلمس بوضوح أن الأخطاء التي تسربت في بعض البحوث والمقالات من الطبعة الأولی في کثیر من الأحیان تکررت بعینها أو بشکل آخر في الطبعة الثانیة. 
لاشک أن مطالعة آثار العلماء غیر المسلمین بشأن المعارف الإسلامیة ضرورة ماسّة نتعرف من خلالها إلی آرائهم وأفکارهم وقراءتهم من ثقافتنا إلا أن اتخاذهم کنموذج أعلی واتباعهم عشوائیاً یجعلنا نتورط في خطأ کبیر وإلی جانب ذلک لاننکر أن الأوروبیین وبفضل مناهجهم العلمیة وامتلاکهم التجارب المثمرة في الشؤون البحثیة وما بذلوا من جهود حثیثة في تحقیق المخطوطات والکشف عن بعض أخطاء المؤرخین أثبتوا کفاءاتهم في البحوث العلمیة الإسلامیة وکل ذلک منهم یجدر بالثناء وأما من جانب آخر فإن البعض منهم باتخاذهم مواقف عدایئة ضد المسلمین لم یألوا جهداً في تسلیط الضوء علی الأحداث التاریخیة لکي یجدوا فیها ثغرة تمکنهم من خلالها عرض تفسیر ضد الإسلام 
لقد حالف المسلمین حظ سعید في الأعوام الأخیرة إذ بلغوا من الصحوة والوعي الثقافي إلی مستوی لم یعودوا ینظرون إلی مؤلفات المستشرقین کآثار موثقة في غایة التوثیق وتدل مؤلفات الباحثین المسلمین في الآونة الأخیرة علی أن هذا الوعي لم یزل یتسع نطاقة وبخطوات سریعة ولذلک بدأت المساهمات بشيء من التأخیر في المجتمع الإسلامي لتألیف مجموعة بدیلة لدائرة المعارف الإسلامیة وإن لم تسفر عن نتیجة مرضیة بعد 
وفي ظل هذه الظروف وفي حین یفتقر الطلاب والباحثون في مختلف الحقول العلمیة إلی دراسات الأوروبیین فتقتضي الضرورة القصوی تألیف موسوعة تخلو من تلک النقائص علی حد الإمکان وهذا الأمر بما فیه من الصعوبات یتطلب کثیراً من الإمکانیات والطموحات والإسهامات ومن حسن الحظ وفي ظل الظروف الملائمة التي توفرت بفضل الثورة الإسلامیة في إیران وتمهید الطریق للقیام بالشؤون البحثیة وإحیاء الموروث الثقافي القیم ونشر المعارف الإسلامیة فإن مرکز دائرة المعارف الإسلامیة الکبری حالفه الحظ والتوفیق لیرکز جهوده وبتوظیفه المناهج العلمیة الجدیدة والاستناد إلی أوثق المصادر والمراجع والاعتماد علی أحدث المعلومات علی تألیف موسوعة تسد علمیاً حاجات المجتمع الإسلامي علی قدر الإمکان. 
وبالرغم من أن دائرة المعارف الإسلامیة الکبری موسوعة تخصصیة تتعلق انحصاریاً وثقافیاً بالعالم الإسلامي إلا أنها تشمل مجالات واسعة النطاق وتضم العلوم القرآنیة، أصول العقائد، الکلام، الفقه، أصول الفقه، الحدیث، الدرایة، الرجال، الأخلاق، الأدیان، الملل والنحل، المنطق، الفلسفة، التصوف والعرفان، الأدب، الفن، الأنثروبولوجیا، العمارة، التاریخ، الجغرافیا، الریاضیات، النجوم والطب. وعلی ذلک فینبغي أن نتعرف إلی الثقافة الإسلامیة العظیمة حق معرفتها ونقدمها إلی العالم کما یلیق بها. 

 

Priority
البريد الإلكتروني
Description
Send