الأدب العربي في الأندلس / آذرتاش آذرنوش

عدد زار : 296
تاريخ النشر : ۱۳۹۶/۹/۲۰
إن العرب الفاتحین الذین وطئت أقدامهم أرض الأندلس برمتها في مدة أقل من سنة کانوا قد خرجوا في معظمهم من جزیرة العرب بتراث شعري عریق ترقی جذوره إلی مئات السنین ولم یمض من استقرارهم فیها وقت طویل حتی وجدوا أنفسهم في أحضان بیئة لاتضاهي أوطانهم الأصلیة ویختلف سکانها عنهم في الدیانة والتقالید والسلوک والطبائع تمام الاختلاف ولذلک فقد بقي الوافدون الأوائل علی الأندلس محصورین ضمن نسیج ثقافي مستورد من الشرق الإسلامي ولما کان المشرق موطن تلک الثقافة في طورها الدیني أو الثقافي...

 

إن العرب الفاتحین الذین وطئت أقدامهم أرض الأندلس برمتها في مدة أقل من سنة کانوا قد خرجوا في معظمهم من جزیرة العرب بتراث شعري عریق ترقی جذوره إلی مئات السنین ولم یمض من استقرارهم فیها وقت طویل حتی وجدوا أنفسهم في أحضان بیئة لاتضاهي أوطانهم الأصلیة ویختلف سکانها عنهم في الدیانة والتقالید والسلوک والطبائع تمام الاختلاف ولذلک فقد بقي الوافدون الأوائل علی الأندلس محصورین ضمن نسیج ثقافي مستورد من الشرق الإسلامي ولما کان المشرق موطن تلک الثقافة في طورها الدیني أو الثقافي، فإنهم باتوا یصوّبون أبصارهم صوب دمشق أولاً ثم بغداد ویرصدون علی ساق الجد المستحدثات وما یقع في میادین العلم والأدب في تلک الدیار لکي لایتخلفوا عن الرکب الذي کان یقطع طریقه بسرعة قصوی ولذلک قلماً نجد مصنفاً ظهر في المشرق في تلک الفترة ولم یکن له دوي في الأندلس کما ذکر ابن خیر الإشبیلي في فهرسة عدداً کبیراً من الکتب والمصنفات التي ألفت في الشرق وسرعان ما دخلت أرض الأندلس (ظ: الرکابي، 69-70). حتی وإن اعتبرنا قصة شراء الحَکَم أول نسخة من كتاب الأغاني غیر حقیقیة إلا أنها تبرهن علی مدی تلهف أهل الأندلس واشتیاقهم إلی إنجازات الشرق وإبداعاته (ظ: ن.د، الأغاني).
ولو أردنا أن نلقي ضوءاً علی الحیاة الأدبیة في عصر الولاة وبدایات العصر الأموي فلن نجد إنجازاً کبیراً إلا ما قاله الأمراء الشعراء کالأمیر عبد الرحمن الداخل ومعظمه في باب الحنین إلی الوطن أو ما أنشده الشعراء القلائل التي وفدوا علی الأندلس برفقة الولاة مما لایصلح أن یندرج شعرهم ضمن الشعر الأندلسي ولذلک ومن أجل دراسة الأشعار التي تتمیز بطابعها الأندلسي فلابد لنا أن نترک فترة تاریخیة تناهز 200 سنة علی أقل تقدیر لکي ندخل عصر ظهر فیه عدد من الشعراء الذین ترکت بیئة الأندلس بصماتها علی أشعارهم فنقول إنه وخلال القرن 4ه‍ وما تلاه شهدت الأندلس ظهور طائفة من الرجال الکبار في مجال الشعر والأدب، تمثل حیاتهم الأوضاع والظروف الاجتماعیة خیر تمثیل: ومـن أبرزهم الشاعر المعروف ابن هانـي (تـ 362ه‍/973م) الذي یعود جل شهرته إلی مقارنته بالمتنبي (ظ: مثلاً: ابن خلکان، 4/424) وإن یـری البعض أن هذه المقارنـة لاتبریر لها إذ کـان ابن هاني في معظم أشعاره مقلداً أکثر من أن یکون مبدعاً. ولعل أهم میزة یقسم بها دیوانه هو ذکر الأحداث التاریخیة الـي أوردها الشاعر في طیات بعض أشعاره (ظ: ن.د، ابن هاني).
ومن کبار رجال الأندلس في ذلک العصر، ابن عبد ربه (تـ 328ه‍/ 940م) ومن أهم مصنفاته کتاب العقد الفرید الذي لایتضمن سوی الأدب الشرقي. ولذلک فقد لقي اهتماماً لدی أهل الشرق ولخصه عدة أشخاص منهم ابن منظور (ظ: یاقوت، 4/214، 215).
أما ابن شُهید الأشجعي الذي عاش بعد ابن هاني بما یناهز مائة سنة، فإنه کان ذا شأن وموهبة ولم یکن حظه في الشعر بأقل من کبار الشعراء في الشرق (مونرو، 138-139؛ ظ: ابن بسام، 1(1)/307-326). مع ذلک کان تألقه في النثر أقوی من النظم حیث ألف رسالة التوابع والزوابع وهي من روائع الأدب العربي وبینها وبین رسالة الغفران لأبي العلاء المعري ملامح مشترکه وأوجه شبه (ن.د، ابن شهید الأشجعي).
وفـي  العصـر ذاتـه ظهـر ابن درّاج (تـ 421ه‍/1030) واشتهـر بمدائحه التي یشوبها کثیر من الغموض والتعقید بسبب میله المفرط إلی التصنع والتکلف إلا أنها تنطوي علی ذکر کثیر من الوقائع التاریخیة التي حدثت في عصره. وما یمکن قوله بشأنه إنه کان بارعاً في التقلید من المشارقة (ظ: ن.د، ابن دراج).
إبان عهد الفتنة الذي یتزامن انهیار الدولة الأمویة في الأندلس وظهور الدویلات، ضاق الأمر علی الشعراء والکتاب الذین کانوا عادةً ما یرتزقون من البلاط. فقد هاموا علی وجوههم في مختلف مدن الأندلس أو لجأوا إلی المغرب. إلا أن عصر ملوک الطوائف الذي استمر في بعض المناطق لأکثر من قرن، أصبح عصر ازدهار الأدب، خلافاً للتوقعات (ظ: نیکل، 219). وکانت الحیاة الملیئة بالاضطرابات لأدباء هذا العصر وشعرائه تعکس حقیقة الأوضاع في الأندلس، حیث تناولوا في قصائدهم وأعمالهم المشاعر الفردیة والاجتماعیة أو العادات وتقالید عصرهم کما ترسم أشعار ابن زیدون (تـ 463ه‍/1071م) وعلی وجه خاص ما نظمه في حبه لولّادة بنت المستکفي، لوحة حقیقیة عن أحوال الأندلس. ورغم تکلفه الشدید وتقلیده السافر لشعراء الشرق الکبار، إلا أن التجارب السیاسیة والاجتماعیة وخاصة الغرامیة والتي تقترن دوماً بوصف طبیعة الأندلس، منحت شعره جودة وأصالة.
وأما نثر ابن زیدون، فإنه لایختلف کثیراً عن شعره. فإن رسالته الهزلیة وبما فیها من التصنع والتکلف لقد ألقت المحسنات اللفظیة والصناعات الأدبیة والتلاعب بالألفاظ المطنطنة الشائعة آنذاک في آثار جمیع أدباء الأندلس، بظلالها الثقیلة علیها بحیث إن شرح ابن نباتة لهذه الرسالة لم یستطع تخفیف حدة تکلفه والأمر لایختلف بالنسبة لرسالته الجدیة التی شرحها عدة أشخاص ومنهم الصفدي (ظ: ن.د، ابن زیدون).
لم تکـن أحوال الوزیـر الشاعـر ابـن عمّـار (تـ‍ 477ه‍/1084م) أفضل مما کان علیه ابن زیدون، حیث قُتل وهو في الخامسة والخمسین، إلا أنه کان دون أدنی شک أحد کبار شعراء الأندلس. والکثیر من أشعاره هي ولیدة لحظات حیاته المتأزمة (مثل حبسیاته) ولاجرم، فإنها لاتخلو من الصدق والإخلاص في المشاعر ومع کل ذلک، فإن الصناعات اللفظیة تجثم علی صدر هـذه المشاعر الجیاشة، فتثیر الملل والتعب في النفس (ظ: ن.د، ابن عمار).
وهکذا الحال بالنسبة إلی قصائد الأمیر الشاعر المعتمد بن عباد (تـ 488ه‍/1095م) الذي توفي غریباً فقیراً إلا أن شعره یحمل طابعاً فردیاً وأصیلاً خاصة وکان یتجنب إلی حد ما المحسنات اللفظیة والإغراق في الفخر لأنه لم یکن بحاجة إلی المدیح والارتزاق من وراء ذلک (EI2,VII/766 : سیرته؛ پرس، 58؛ الفاخوري، 838-839).
وبظهور الأعمی (تـ 525ه‍/1131م) شاعر تطیلة الکفیف، وجد الشعر الأندلسي هویته الحقیقیة، ورسخ موطأه، ذلک لأنه تخلی عن القصائد التقلیدیة والتي کان ینظمها علی أسلوب المشارقة، واستدار نحو نمط جدید هو الموشّح (ن.ع). حیث ارتقی الموشح علی یده من مستوی الشعر شبه العامي، إلی مرتبة الکلام الأدبي؛ إلا أنه لم یسلک هذا الطریق بوحده ویرافقه رفیق دربه ابن بقي (تـ 545ه‍/1150م) حیث نظم عدداً کبیراً من الموشحات لم یصلنا إلا 27 مقطوعة (ظ: ن.د، الأعمي التطیلي، ابن بقي). وفي أواسط القـرن 6ه‍ أقبـل ابـن قزمـان (تـ ح 555ه‍/1160م) علی الزجـل واستخدم فیه اللغة العامیة الأندلسیة المزیجة بالألفاظ الرومیة12 (ظ: ن.د، ابن قزمان). منذ القرن 6ه‍/12م حتی نهایة الأندلس ظهر علی الأراضي الأندلسیة العدید من الشعراء المشهورین من أبرزهـم ابن حمدیس (تـ 527) وابـن سهـل (ن.ع) وابن زمـرک (تـ بعد 795ه‍( وجرت العادة بأن یقارن کل واحد منهم بأحد کبار الشعراء في الشرق في حین لم یکن أي منهم نداً لأحد المشارقة في الإبداع الفني والنبوغ الشعري.
ولم تکن حصة الأندلس من العلوم العربیة مثل النحو واللغة بأقل من الشعر والأدب، فقد ظهرت فیها شخصيات بارزة في النحـو العربي. فقد كان ابـن هشام (تـ 577ه‍/1181م) يغلب عليه علم اللغة وسعى في المدخل لأن يجد جذوراً عربية أصيلة للكلمات الأندلسية العامية ثم تناول الأخطاء الشائعة واقترح الكلمات الفصيحـة بدلاً عنهـا (ظ: ن.د، ابـن هشام، أبو عبد الله). وأمـا ابن مضّاء القرطبي (تـ 592ه‍/1196م) فقد كان مبدعاً حقاً. وقد هاجم القواعد الرئيسة للنحو العربي متأثراً بالمذهب الظاهري ورفض بالدرجة الأولى نظرية العامل (ظ: ن.د، ابن مضاء). وقد بلغت آراؤه النحوية من التأثير، بحيث إن أشخاصاً مثل إبراهيم مصطفى وشوقي ضيف اقترحوا في القرن الأخير قواعد جديدة للنحو العربي مستلهمین من آراء ابن مضاء النحوية وقد ألقى اسم ابن مالك الأندلسي (تـ 672ه‍/1273م) بظله على جميع الأوساط النحوية في العالم الإسلامي، فقد كانت ألفيته، الأساس لآلاف الصفحات من الشروح والتلخيصات النحوية (ظ: ن.د، ابن مالك).
وفي الختام، وللمزید من المعرفة نقدم هنا مختارات من أعمال المؤلفين العرب والمستشرقين حول الأدب الأندلسي:
ضيف، أحمد، بلاغة العرب في الأندلس، 1924م؛ الكيلاني، كامل، نظرات في تاريخ الأدب الأندلسي، القاهرة، 1924م؛ الركابي، جودت، في الأدب الأندلسي، دمشق، 1955م؛ الأهواني، عبد العزيز، الزجل في الأندلس، القاهرة، 1957م؛ البستاني، بطرس، أدباء العرب في الأندلس، بيروت، 1958م؛ عباس، إحسان، تاريخ الأدب الأندلسي، بيروت، 1962م؛ عتیق، عبد العزیز، الأدب العربي في الأندلس، بیروت، 1976م؛ شلبي، سعد إسماعيل، الأصول الفنیة للشعر الأندلسي، القاهرة، 1982م؛ بهجت، منجد مصطفى، الاتجاه الإسلامي في الشعر الأندلسي، بیروت، 1986م؛ بيضون، إبراهيم، الأمراء الأمويون الشعراء، بيروت، 1986م؛ الحسيني، قاسم، الشعر الأندلسي، بيروت، 1986م؛ هيكل، أحمد، الأدب الأندلسي، القاهرة، 1986م؛ زباخ، مصطفى، فنون النثر الأدبي بالأندلس، بيروت، 1987م؛ عنان، محمد عبد الله، أندلسيات، الكويت، 1988م؛ العليسي، فوزي ساعد، رسائل ومقامات أندلسية، الإسكندرية، 1989م؛ عیسى، فوزي، رسائل أندلسية، الإسكندرية، 1989م؛ عبد العزيز، أحمد، قضية السجن والحرية في الشعر الأندلسي، القاهرة، 1990م؛ علي بن محمد، النثر الأدبي الأندلسي، بيروت، 1990م؛ الداية، محمد رضوان، المختار في الشعر الأندلسي، بيروت، 1992م؛ ابن دحية، عمر، المطرب من أشعار أهل المغرب، ﺗﻘ : إبراهيم الأبياري وآخرون، القاهرة،1374ﻫ/1955م؛ ابن هاني، محمد، «ديوان»، ضمن تبيين المعاني لزاهد علي، القاهرة، 1352ﻫ ؛ الثعالبي، عبد الملك، يتيمة الدهر، ﺗﻘ : محمد مفيد قميحة، بيروت، 1403ﻫ ؛ عماد الدين الكاتـب، محمد، خريدة القصر (قسم شعـراء المغرب والأندلس)، ﺗﻘ : آذرتاش آذرنوش، تونس، 1972م؛ فتح بن خاقان، مطمح الأنفس، ﺗﻘ : محمد علي شوابكة، بيروت، 1403ﻫ/1983م؛ المقري، أحمد، نفح الطيب، ﺗﻘ : إحسان عباس، بيروت، 1408ﻫ/ 1988م؛ أيضاً:
Dozy, R., Recherche sur l’histoire et la littérature de l’Espagne pendant le moyen âge, Leiden, 1849; Schack, A. F. V., Poesie und Kunst der Araber in Spanien und Sicilien¸ Berlin/Stuttgart, 1865; González Palencia, A., Historia de la literatura arábigo-española, Barcelona/ Madrid, 1928; García Gómez, E., Poemas arábigo-andaluces, Madrid, 1930; Lévi-Provençal, E., La Civilisation arabe en Espagne, Cairo, 1938; id, Poesia arábigo-andaluza, Madrid, 1952; Nykl, A. R., Hispano-Arabic Poetry, Baltimore, 1946; Pérès, H., La Poésie andalouse en arabe classique, Paris, 1953; Terés Sádaba, E., La Literatura arábigo-española…, Madrid, 1954; Monroe, J. T., Hispano-Arabic Poetry, Los Angeles, 1974; Stern, S. M., Hispano-Arabic Strophic Poetry, Oxford, 1974.

المصادر:   ابـن بسام، علـي، الذخيرة، ﺗﻘ : إحسان عبـاس، ليبيا/ تونس، 1981م؛ ابن خلكان، وفيات؛ ابن خير، محمد، فهرسة، ﺗﻘ : قداره وطرغوه، سرقسطة، 1893م؛ الركابي، جودت، في الأدب الأندلسي، القاهرة، 1960م؛ الفاخوري، حنا، تاريخ الأدب العربي، بيروت، 1987م؛ ياقوت، الأدباء؛ وأيضاً:

EI2; Monroe, J. T., »Hispano-Arabic Poetry During the Caliphate of Cordoba«, Arabic Poetry, ed. G. E. von Grunebaum, Wiesbaden, 1973; Nykl, A. R., Hispano-Arabic Poetry, Baltimore, 1946; Pérés, Hl, La Poésie andalouse en arabe classique, Paris, 1953.

 

آخر تعليق
اسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق :
آخر تعليق
MemberComments
Priority
البريد الإلكتروني
Description
Send