الإسلام في آسيا الصغرى و شبه جزيرة البلقان/ علي أكبر ديانت

عدد زار : 296
تاريخ النشر : ۱۳۹۵/۵/۳۱
الإسلام في آسيا الصغرى و شبه جزيرة البلقان: في آسيا الصغرى: يجب دراسة أكبر ولاية في رقعة الإمبراطورية الرومية الشرقية، إلى الجوار من البلدان الإسلامية في إطار تاريخ هذه البلاد بعد الإسلام و كذلك علاقات المسلمين بالدولة البيزنطية. فظهور الإسلام في القرن 7م في شبه الجزيرة العربية الواقعة في الجنوب الشرقي من الإمبراطورية البيزنطية واتساعها و تحولها إلى ...

الإسلام في آسيا الصغرى و شبه جزيرة البلقان:
في آسيا الصغرى: يجب دراسة أكبر ولاية في رقعة الإمبراطورية الرومية الشرقية، إلى الجوار من البلدان الإسلامية في إطار تاريخ هذه البلاد بعد الإسلام و كذلك علاقات المسلمين بالدولة البيزنطية. فظهور الإسلام في القرن 7م في شبه الجزيرة العربية الواقعة في الجنوب الشرقي من الإمبراطورية البيزنطية واتساعها و تحولها إلى قوة سياسية ـ دينية، تركا تأثيراً عميقاً في الإمبراطوريـة الرومية الشرقية. فقد هيأت الصدامات السياسيـة  ـ العسكرية بين العرب المسلمين و البيزنطيين المسيحيين مقدمات النفوذ التدريجي و الدائم للإسلام في الإمبراطورية الرومية وخاصة آسيا الصغرى و استمرت هذه العملية مع بعض التقلبات حتى النصف الثاني من القرن 9ه‍/15م، حيث انتهت بسقوط الدولة البيزنطية و سيطرة المسلمين على آسيا الصغرى.
و لانعلم بالضبط في أي تاريخ دخل الإسلام لأول مرة آسيا الصغرى، و لكن هجمات العرب المسلمين المتفرقة على هذه المنطقـة بدأت منذ القرن الأول الهجـري دون أن تترك آثاراً دينية ـ سياسية (بابينغر،  127).
و مع انتهاء حروب الردة في 12ه‍/633م، أرسل أبوبكر 3 سرايا عسكرية بقيادة عمرو بن العاص و يزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة إلى الشام التي كانت من أهم ولايات الدولة الرومية (الطبري، 3/394). هزم حاكم فلسطين سرجيوس في وادي عربة (حتي، 189) وحددت معركة اليرموك بعد ذلك في 15ه‍ مصير الشام لتسقط تلك الولاية بيد المسلمين (للتفصيل، ظ: الطبري، 3/394 و مابعدها؛ اليعقوبي، 2/23-24؛ البلاذري، 140-143). و منذ ذلك الحين كانت تعتبر القاعدة المهمة للمسلمين في الهجوم على الإمبراطورية البيزنطية و أرمينيا و جورجيا و خاصة آسيا الصغرى (حتي، 197- 198).
استهدف العرب المسلمون البحر المتوسط و مناطقه المهمة بهدف النفوذ في رقعة الدولة البيزنطية، فمعاوية كان يرمي من وراء الهجوم على قبرص في 27 أو 28ه‍ أن يحولها إلى قاعدة للوصول إلى حاضرة الإمبراطورية الرومية الشرقية، أي القسطنطينية (اليعقوبي، 2/ 58؛ البلاذري، 157 و مابعدها؛ فتشافاليري، 79). وفي 32ه‍/653م أرسل عثمان جيشاً بقيادة معاوية إلى بلاد الروم، و بلغ مضيق القسطنطينية بعد التقدم في رقعة الدولة البيزنطية (اليعقوبي، 2/62-63؛ الطبري، 4/304)، وعندما تولى الخلافة، عمل على تأسيس قوة بحرية لمواجهة تلك الدولة (حتي، 251). ورغم أنه تصالح في البدء مع قسطنطين ملك الروم، و تقرر أن يدفع مبلغاً من المال كإتاوة، و لكنه امتنع عن دفعها بعد أن ثبت موقفه، و قام بعمليات عسكرية ضد روما الشرقية و خاصة في آسيا الصغرى (م.ن، 258).
و استناداً إلى ماذكره اليعقوبي، فقد دخل المسلمون الحرب ضد مدن الإمبراطورية الرومية الشرقية عدة مرات في فصول السنة المختلفة خلال 41-59ه‍/661-679م (2/175-176). ففي عهد معاوية شُن هجومان كبيران بهدف الاستيلاء على القسطنطينية. وكان يزيد بن معاوية يقود أول هجوم و ذلك في 49ه‍/669م (قا: م.ن، 2/176). حيث كان قد أمضى الشتاء في خلقيدونة الواقعة على الساحل الآسيوي للقسطنطينية. و يقال إن جند يزيد كانوا أول من رأى من المسلمين العاصمة الرومية (الطبري، 5/232؛ حتي، 261). و قد شارك في هذه الحملة عدد من الصحابة مثل ابن عباس و ابن عمر و ابن الزبير و أبي أيوب الأنصاري (الطبري، ن.ص). و توفي أبو أيوب في هذه المعركة و دفن عند أسوار المدينة (ظ: ن.د، إستانبول). كما فتحت جزيرة رودس في عهد معاوية في 53ه‍/673م، و عمل المسلمون بالزراعة فيها (الطبري، 5/ 288؛ فتشافاليرى، ن.ص).
و خلال 54-60ه‍/674-680م حدثت لعدة مرات معارك صيفية و شتوية في آسيا الصغرى (الطبري، 5/293-321). ففتحوا في البدء، جزيرة أرفاد (كوزيكوس1) قرب القسطنطينية (م.ن، 5/293) و حولوها إلى قاعدة للهجوم على القسطنطينية و محاصرتها. وخلال هذه المحاصرة، منع الروم المسلمين من الاستيلال على المدينة من خلال استخدام «النيران اليونانية» (حتي، 262-263). ورغم أن الأسطول العربي ترك بعد معاوية البسفور و بحر إيجة، و لكن الهجمات الصائفة المتتالية استمرت (م.ن، 623). و نشبت أكبر الهجمات و أهمها في 97ه‍/716م، حيث بعث سليمان بن عبد‌الملك أخاه مسلمة بن عبدالملك لمحاربة الروم و الاستيلاء على القسطنطينية (اليعقوبي، 2/ 258). و حاصر مسلمة هذه المدينة بجيش جرّار و المئات من السفن (المقدسي، 4، 5، 926؛ فتشا‌فاليري، 94). و استمرت هذه المحاصرة 30 شهراً (المقدسي، 927). و قد انشغل المسلمون في الزراعة في أطراف المدينة، و«أكلوا من زراعتهم» (الطبري، 6/530؛ اليعقوبي، ن.ص) و بنى مسلمة مسجداً في تلك الحوالي (حتي، 265). و قد أدى نقض العهد من قبل اليون المرعشي الذي كان دليلاً للجيش (المقدسي، 926-927) ثم أصبح ملك الروم (الطبري، 6/531)، و كذلك الجفاف والجوع و البرد (اليعقوبي، ن.ص) وهجمات البلغار المتتالية، و وفاة الخليفة و الأمر بالإقفال، إلى هزيمة المسلمين (ابن تغري بردي، 1/240-241؛ حتي، 264-265). كان هجوم مسلمة على آسيا الصغرى، آخر محاولة جادة للمسلمين للسيطرة على عاصمة الإمبراطورية الرومية (فتشافاليري، ن.ص). و في هذه الفترة، كان نشاط ثوار جراجمة المسيحيين الذين كانوا من مؤيدي الدولة الرومية و الذين كانوا يدافعون كالسد المنيع عن آسيا الصغرى، من العوامل المهمة للحيلولة دون انتشار نفوذ الإسلام في هذه المنطقة (حتي، 266).
و في عصر العباسيين، كان المهدي أول من استأنف الهجوم على آسيا الصغرى. ففي جمادى الآخرة 165/ كانون الثاني 782 (الطبري، 8/152؛ قا: اليعقوبي، 2/396) أرسل ابنه هارون بجيش جرار إلى الدولة البيزنطية، و بلغ هارون بعد فتح بعض الولايات الرومية، «خليج البحر» (البسفور)، و طلبت أغسطة، أو إيرن (الطبري، ن.ص؛ حتي، 378) زوجة اليون، الصلح، و أذعنت إلى إرسال الخراج، فقبل هارون (الطبري، ن.ص). و لكن نيكفور الأول الإمبراطور التالي امتنع عن دفع الخراج (حتي، 379-380). وقدم هارون من الرقة إلى آسيا الصغرى و استولى على هرقلة (اليعقوبي، 2/441؛ حتي، 380). و توجه من بعده المأمون في 218ه‍/833 م إلى بلاد الروم ليحاصر عمورية، حيث كان يريد أن يرحّل أعراب البادية إلى تلك المدينة، و يقيم هو نفسه في القسطنطينية (اليعقوبي، 2/493) و من المحتمل أن هذا هو السبب الذي دفعه إلى عدم الموافقة على اقتراح الصلح الذي تقدم به الملك الرومي؛ و لكنه توفي في أثناء ذلك، و لم‌يحقق نتيجة (ن.ص).
و في 223ه‍/ 838م قام الروم بهجمات انتقامية، و أعملوا النهب و القتل في زبطرة. و في هذا التاريخ توجه المعتصم العباسي من هذا الجانب إلى بلاد الروم (م.ن، 2/501-502) و أحرق عمورية التي كانت من المدن البيزنطية المنيعة و المهمة (ن.ص؛ لسترنج، 147). و منذ هذا التاريخ، اقتصرت هجمات المسلمين على المناطق الرومية في آسيا الصغرى، على هجمات متفرقة كانت تُشن كل سنة في الفصول المختلفة (حتي، 381).
أثـر الضعف الداخلي فـي الدولـة الإسلامية في القرنيـن 3و4ه‍ و إقامة الدول الصغيرة و الكبيرة في رقعة الخلافة، على العلاقات الخارجية أيضاً. و من الدول التي يمكن ذكرها، الدولة الحمدانية التي حاربت الروم في تلك السنة نفسها. فقد حارب سيف‌الدولة الحمداني الروم لعشرين سنة (م.ن، 590). حتى إنه تقدم في فترة من الفترات إلى مرعش و بنى قلعة على الحدود أصبحت قاعدة هجماته القادمة على آسيا الصغرى. و رغم أن سيف‌الدولة لم‌يحقق نجاحاً كبيراً في هجومه على الروم، و لكنه منعهم لفترة من التطاول على البلاد الإسلامية (ظ: ن.د، الحمدانيون). و بعد القرن 4ه‍/10م، لم‌يكن هناك نزاع جدي بين المسلمين و الروم، و رغم أنهم كانوا يتناوبون على القلاع الحدودية، إلا أن ذلك كان أمراً عابراً و غير دائم (فتشافاليري، 94).
كانت الحدود بين بلاد المسلمين، والروم في آسيا الصغرى حدوداً طبيعية حتى حوالي أوائل القرن 7ه‍/13م. و قد كانت جبال طوروس و أنتي طوروس هي التي تعين هذه الحدود. و قد كانت تقع على هذا الخط الحدودي قلاع عديدة تعرف بالثغور من ملاطية على ساحل الفرات و حتى طرسوس على الساحل المتوسط. و كانت هذه القلاع التي كان المسلمون و الروم يتناوبون في السيطرة عليها، تقسم إلى مجموعتين هي الثغور الجزرية في الشمال الشرقي و التي كانت تحافظ على الجزيرة، والثغور الشامية في الجنوب الغربي. و من أهم المناطق الحدودية على هذا الخط ملاطية و مصيصة و زبطرة و مرعش و هي المنطقة التي سميت فيما بعد بالهارونية، و كنيسة و عين زربى ــ أنازاربة حالياً من توابع أدانا (سامي، 1/ 388)  ــ و عندما سقطت هذه المناطق، أو المدن العامرة و الكثيفة السكان بيد المسلمين أصبحت تحظى بالاهتمام و اكتسبت طابعاً إسلامياً، و كانت المدن تبنى بين الحين و الآخر في تلك المنطقة (مثلاً ظ: حدود العالم، 170-171؛ الإصطخري، 65-66؛ لسترنج، 137-138). و قد بنى المسلمون في جميع هذه المدن المساجد و مخازن المياه والمدارس و الأماكن الدينية و العامة الأخرى؛ و حولوا معابد المسيحيين الكبرى إلى مساجد و شيدوا الجسور و منها «جسر الوليد» على نهر سيحان في أدا (م.ن، 139-140).
كانت طرسوس من أكبر مدن آسيا الصغرى التي سيطر عليها المسلمون و تحولت إلى مركز عسكري لمحاربة الروم. و كان يحيط بهذه المدينة سوران حجريان و كان أهلها معروفين بالشجاعة (الإصطخري، 66؛ ابن حوقل، 168)، حيث قيل إن 100 ألف فارس كان يقيم فيها، و كان المسلمون من البلدان الإسلامية المختلفة يتجمعون في معسكر هذه المدينة لمحاربة الروم، و كان الخلفاء العباسيون مثل المهدي و هارون يولون اهتماماً كبيراً لهذه المدينة (لسترنج، 141-142). و يبدو أن المسلمين كانوا يرابطون في القرن 4ه‍/10م في قسم كبير من هذه الثغور، و كان نهر لاموس الذي كان العرب يسمونه اللامس، يشكل حدود البلادالإسلامية، و كان يتم فيه تبادل الأسرى المسلمين والمسيحيين (ن.ص).
و بسبـب وجـود الحـدود الطبيعيـة بيـن الممـالك الـروميـة و الإسلامية، فقد كان اجتياز هذه الحدود للقيام بالعمليات العسكرية، أو التجارية يتم عن طريق ممرات أهمها: درب الحدث الذي كان يتجه من مرعش نحو الشمال و يصل إلى أبلستين (البستان)، و ممر كيليكية الذي كان يتجه إلى إستانبول عبر طريق رئيس (م.ن، 142-143؛ ابن خرداذبه، 100-102).
و يـبـدو أن الـحـروب المتتــاليـة بيـن الـروم و المسلميـن و الاستيلاء على المدن الحدودية من جهة، و العلاقات التجارية والعلاقات الثقافية على أثرها بينهم من جهة أخرى، جعل نفوذ المسلمين و الدين الإسلامي في آسيا الصغرى ممكناً. إن هذه العلاقات وكذلك الاضطرابات الداخلية في الدولة البيزنطية، وأخيراً ظهور القبائل التركية المسلمة في القرن 5ه‍/11م ودخولها آسيـا الصغرى، كل ذلك فتح عهداً جديداً في تاريخ هذه المنطقة و مسيرة أسلمتها و يرى بابينغر، أن هؤلاء الأتراك، أو السلاجقة بعبارة أخرى و الذين تغلبوا بسهولة على الإمبراطورية البيزنطية حققوا الانتصار الحاسم و الأكيد للإسلام في هذه البلاد الجديدة في نفس الوقت الذي استولوا فيه على تراثها (ص 127).
و في الحقيقة يجب القول إن العالم الإسلامي حينما كان يواجه الأزمات الداخلية و الضغوط الخارجية، فقد ظهر السلاجقة بقوة جديدة، و أقروا مرة أخرى الوحدة السياسية للعالم الإسلامي، ونفخوا روحاً جديدة في الحضارة و الثقافة الإسلاميتين.
كان النفوذ في آسيا الصغرى من أكبر انتصارات السلاجقة، حيث كانت تعتبر موطن الشعوب المختلفة ذات الحضارات المتنوعة، و بمنزلة جسر يربط بين 3 قارات. و قد حدث أول هجوم للتركمان المسلمين على آسيا الصغرى في 409ه‍/ 1018م، حيث كان ذا طابع استطلاعي في الغالب. ثم رحّل السلاطين السلاجقة الكبار عدداً كبيراً من التركمان إلى الإناضول و أوجدوا فيها قوة ضد الدولة البيزنطية و مع كل ذلك، فقد بدأت الهجرة الكبرى للسلاجقة بعد معركة ملازجرد و انتصار ألب‌أرسلان على رومانوس ديوغنس إمبراطور الدولة الرومية الشرقية و ذلك في ذي‌القعدة 463/آب 1071 (الآقسرائي، 16-17؛ توران، «تاريخ...1» 137-144، «الأناضول...»، 231-232)، باعتبارهم المدافعين عن الإسلام و طلائعه إلى آسيا الصغرى (ن.ص). و قد وسعوا نفوذهم في جميع أرجاء الأناضول و حتى سواحل بحر مرمرة و إيجة مستغلين الأوضاع المضطربة للدولة البيزنطية (رانسيمان، 52). وقد تغيرت التركيبة الاجتماعية و السكانية في آسيا الصغرى بشكل تدريجي، و حدثت فيها تغييرات دينية و ثقافية عميقة، بحيث اعتبرت نتيجة لإقبال عامة الناس على الدين الإسلامي (توران، ن.م، 231-233). و قد كان السلاجقة قد استولوا على مدينة «آني» عاصمة أرمينيا الصغرى قبل معركة ملازجرد، لينهوا حكم الأسرة البقراطية (لسترنج، 148-149). و بعد الانتصار في ملازجرد، هزم أرتق بك قائد ألب أرسلان، القائد الرومي إسحاق كومننوس في 464ه‍/1072م و تقدم حتى نهر ساكاريا. و من جهة أخرى طلب الإمبراطور جان دوكاس المساعدة من أرتق بك في مواجهة الثورات الداخلية، و بذلك، بلغت الجيوش الإسلامية خليج إزميت التي كانت أقرب مدينة إلى حاضرة الإمبراطورية (توران، «تاريخ»، 213 ، «الأناضول»، 234). و بعد فترة استولى سليمان‌بن‌ قتلمش بعد وفاة ألب أرسلان على قونية في الأناضول ثم توجه إلى إزنيق و اتخذها عاصمة و أسس سلالة السلاجقة في آسيا الصغرى (الأقسرائي، 19-20؛ توران، «تاريخ»، 214، «الأناضول»، ن.ص؛ بابينغر، ن.ص؛ لسترنج، 149). كانت السيطرة على إزنيق التي تتمتع بأهمية كبيرة في العالم المسيحي، من الأحداث المهمة للغاية في القرن 5ه‍/11م (توران، ن.ص).
زادت السيطرة على مدن أدانا و طرسوس و مانيسا و عين زربى من قبل السلاجقة من قوة المسلمين في آسيا الصغرى، واعترف الخليفة العباسي بحكومة سليمان بإرساله الخلعة والمنشور له (توران، «تاريخ»، 217، «الأناضول»، 236). دفعت سيطرة الدولة السلجوقية على آسيا الصغرى، الدول المسيحية إلى التفكير؛ فقد طلب الإمبراطور ميخائيل السابع، المساعدة من البابا غريغوريوس السابع و أعلن موافقته على التحالف بين الكنيسة الأرثوذوكسيـة ـ الكاثوليكية، و دعا البابا بدوره ملوك أوروبا إلى محاربة المسلمين، و تهيأت منذ هذا الوقت مقدمات الحروب الصليبية (م.ن، «تاريخ» 215، «الأناضول» 235).
و خلال الحروب الصليبية، اضطر السلاجقة و المسلمون إلى أن ينسحبوا من إزنيق و أطرافها بعد أن سيطروا عليها لمدة 25 سنة، و اختاروا قونية عاصمة لهم (م.ن، «تاريخ»، 220). حكم السلاجقة في آسيا الصغرى تلك المنطقة حوالي قرنين باعتبارهم المدافعين عن الإسلام، و كانوا يوسّعون من نطاق نفوذهم يوماً بعد آخر، حتى إن القسم الأكبر من شبه‌جزيرة آسيا الصغرى أصبح حتى القرن 8ه‍/14م جزء من رقعة الدولة الإسلامية (لسترنج، 151). و يمكن تصور سعة رقعة حكم السلاجقة من خلال ترتيب تقسيم البلاد من قبل قليج أرسلان بين أبنائه (الآقسرائي، 30).
و عندما اتسعت دولة سلاجقة الأناضول، كانت هناك 3 مناطق حدودية قد لفتت أنظار الغزاة المسلمين للسكن فيها. و كانت هذه الولايات الواقعة على امتداد الحدود الرومية الشرقية عبارة عن كيليكية (تشوخورافا حالياً) أو إمارات ملك السواحل، في الجنوب و حاضرتها علائية و أنطالية؛ و في جهة الشمال، أي على امتداد سواحل البحر الأسود، إمبراطورية طرابوزان البيزنطية و سيمرة وسامسون و بافْرا على السواحل الشرقية و قسطمونيا وسينوب في غربها؛ و أخيراً الحدود الغربية و مدنها قره حصار دولي (أفيون قره حصار)، كوتاهية و دينيز، حيث كانت تمتد من قسطمونيا حتى خليج مكري (إينالجيك، 263). كانت هذه الولايات تدار في عهد السلاجقة من قبل أمراء كانوا ممثلي السلطان و القادة العسكريين للمنطقة في نفس الوقت (ن.ص) وكانوا يعتبرون أنفسهم غزاة، أي مجاهدين في سبيل الإسلام، ويحاربون الكفار و البيزنطيين (شاو، 1/34-35) و لذلك كانت الولايات المذكورة تسمى ولايات الغزاة (إينالجيك، ن.ص). وكان يعيش في هذه الولايات بالإضافة إلى المسلمين أشخاص من قوميات مختلفة كانوا قدهربوا بسبب اضطرابات المناطق الشرقية و لجؤوا إلى الحدود الإسلامية. و على إثر الامتزاج الثقافي، تحولت مدن هذه الولايات إلى مراكز ثقافية مهمة. و قد حافظ المسيحيون الساكنون في الأناضول على دينهم، و اعتنق البعض منهم الإسلام. و كانت المؤسسات الحكومية مؤسسات إسلامية، ونما التصوف بشكل واسع. و في هذه الفترة كان الإسلام يتمتع بنفوذ و أهمية كبيرين باعتباره الدين و الثقافة الغالبين في المنطقة (شاو، ن.ص). و هكذا يمكن القول إن الفترة التي دامت 200 سنة من حكم السلاجقة في آسيا الصغرى أدت إلى الانتشار السريع للإسلام في هذه البلاد. و الدليل و الواضح على ذلك وجود آثار إسلامية تعود إلى عصر السلاجقة في جميع أرجاء آسيا الصغرى.
و مع هجوم المغول على آسيا الصغرى و هزيمة السلاجقة في 641ه‍/1243م في منطقة كوسه‌داغ (توران، ن.م، 228-230)، سقطت رقعة حكمهم بيد أمراء كانوا تابعين للسلاجقة سابقاً، وكانوا يعتبرون من التركمان الذين قدموا من تركستان إلى الأناضول، و كانوا قد سكنوا في المناطق البيزنطية بعد موافقة القساوسة الأرثوذوكس (م.ن، «الأناضول»، 251)، و شكلوا بعض الإمارات من خلال المشاركة في الحروب التي كانت تدور في الدولة السلجوقية (شاو، 1/31). و قد كانت هذه الإمارات عبارة عن قارامان في أطراف قونية و أرمناك (أوزون چارشيلي، «الإمارات...1». 1-37) و جيرميان في الشمال الشرقي في منطقتي كوتاهية و دينيزلي (ن.م، 25,39-54)، و آيدين في أطراف أزمير والجنوب الغربي من الأناضول (ن.م، 102-119)، و منتشه في المناطق الحدودية و الساحلية الجنوبية الغربية و تضم مدن موغلا و بالات و ميلاس (ن.م، 70-83)، و كذلك صاروخان و أشراف وقراسي و ذو‌القدر في مناطق آسيا الصغرى المختلفة. و كانت كل من هذه الإمارات تحكم بشكل مستقل، و كان لها دور هام في نشر الثقافة الإسلامية و تثبيتها و كذلك تحويل آسيا الصغرى إلى منطقة إسلامية. و توجد الآن آثار كثيرة من مساجد و مدارس ودور الشفاء و دور القرّاء و ما إلى ذلك في جميع أرجاء مدن الأناضول تعود إلى عهد هذه الإمارات (ن.م، 228-234، مخ‍ (.
و قد كان العثمانيون مستقرين في إحدى هذه الإمارات، حيث يمكن القول إنها كانت أصغرها. و قد قيل الكثير حول جذورهم القومية و لكن المسلم به أن جدهم أرطغرل رحل إلى الأناضول، وخدم السلاجقة، فمنحت لهم منطقة سوغوت على حدود الولاية البيزنطية بوصفها إقطاعاً و قام ابنه عثمان مؤسس الدولة العثمانية بتوسيع الأراضي و محاربة الإقطاعيين المسيحيين بمساعدة البيزنطيين (شاو، 1/41-42). و بعد أن اكتسب القوة الكافية هجم على إزنيق و بدأ بنشاطه باعتباره قائد الغزاة مستغلاً نفوذ الشيخ إده بالي، و وسع بلاده من إسكي‌شهر حتى سهول إزنيق و بورسا و أسس إمارة مستقلة و طبقت شهرته الآفاق خلال مدة قصيرة (إينالجيك، 267-268). و بادر من بعده ابنه أورخان إلى ضرب النقود و قراءة الخطبة كحاكم إسلامي، و ساعد الأمراء الآخرين في محاربة الكفار، و ضم مناطق جديدة إلى رقعة الحكم الإسلامي في هذه المنطقة (شاو، 1/439). و يرى بابينغر، أن هذه القبيلة كانت قد أسلمت قبل القدوم إلى آسيا الصغرى، و قد كانوا متأثرين بعمق بحركة الصوفية، و استمروا في تحويل آسيا الصغرى إلى منطقة إسلامية مواصلين بذلك إنجازات السلاجقة، وساعدوا على نشر طرائق مثل المولوية و البكتاشية من خلال إقامة الزوايا و الخانقاهات و التكايا في جميع أرجاء الأناضول (ص 132-133).
تحرك العثمانيون في النصف الأول من القرن 8ه‍/14م في آسيا الصغرى باتجاه بحر مرمرة تدريجياً، و استولوا على القسم الأكبر من شبه جزيرة إزنيق و سواحل خليج إزميت ثم مدينة إزميت (نيقومديا) و إسكوتاري و إمارة قراسي، و سيطروا على السواحل الجنوبية من مرمرة و هيؤوا الأرضية للعبور إلى أوروبا (شاو، 1/44-45؛ أيضاً ظ: ن.د، إزنيق، أيضاً إزميت؛ لكيفية دخول العثمانيين المسلمين جزيرة البلقان و القسم الجنوبي الشرقي من أوروبا، ظ: تتمة المقالة).
و بعد الاستيلاء على إزنيق، ثاني المدن البيزنطية، في 731ه‍/1331م من قبل أورخان ثاني الملوك العثمانيين (ظ: هامرپورغشتال، 1/ 148-149؛ إينالجيك،274؛ ن.د، إزنيق). لم‌يتبق في رقعة حكم الدولة البيزنطية سوى القسطنطينية و المناطق حولها. و في عهدي مراد الأول و بايزيد الأول (يلدرم) اتسعت ممتلكات الدولة العثمانية في أوروبا. و قام بايزيد في أوائل حكمه بمحاصرة القسطنطينية (هامرپورغشتال، 1/266-267) وعمل على تشكيل جيش، و نشر الإسلام من خلال اختيار جنود من المناطق المسيطر عليها في أوروبا من بين الشباب المسيحيين الذين كانوا يسمون «ديوشيرمه2» (شاو، 1/ 68). و قد عرف بلقب حاكم الإسلام بعد الانتصارات التي حققها في البلقان (م.ن، 1/74؛ إينالجيك، 290). و لذلك تدفق الآلاف من المسلمين إلى آسيا الصغرى، و انخرطوا في خدمة بايزيد (شاو، ن.ص). و في هذه الفترة تأسست في القسطنطينية محكمة إسلامية على إثر ضغوط بايزيد على الدولة البيزنطية و عُين قاض لها، و خصصت للمسلمين في تلك المدينة حارة تضم 700 بيت و مسجدين (أوزون چارشيلي، «تاريخ...3»، I/145-146). و اعتبر السلطان محمد الأول اللغتين التركية و الفارسية اللغتين الرسميتين بدلاً من اللغة اليونانية و ذلك لنشر الثقافة الإسلامية، و دعم جمعيات الأخوة التي كانت العامل المهم لنشر الإسلام في ممتلكات العثمانيين (شاو، 1/85-86).

و في عهد مراد الثاني،  تحالف الإمبراطور البيزنطي يوحنا باليولوغ الثامن مع الكنيسة الرومية و القسطنطينية لكسب دعم أوروبا، و دخل هو نفسه في عضوية هذه الكنيسة، و لكن أهالي القسطنطينية أعلنوا معارضتهم  وفضلوا الحكم و المداراة الإسلامية على التعصب الديني للكنيسة الرومية (م.ن، 1/ 99). وأخيراً، تحققت أمنية العثمانيين القديمة في عهد السلطان محمد الثاني (حك‍ 855-886ه‍/1451-1481م) و بدأ عهد جديد في تاريخ آسيا الصغرى بالاستيلاء على القسطنطينية و سقوط الدولة البيزنطية في 25 ربيع الأول 857ه‍/ 5نيسان 1453م (صولاق زاده، 191-192؛ هامر پورغشتال، 2/263، 301؛ أوزون چارشيلي، ن.م، I/157-158؛ نشري، 2/690، 704-707). و قدم المسلمون الذين كانوا يعتبرون هذه المحاصرة جهاداً، إلى إستانبول بشرائحهم المختلفة (ن.ص). و أخيراً، سقطت إستانبول في 20 جمادى الأولى 857ه‍/ 29 أيار 1453م. و بفتح إستانبول، ارتفع الأذان من حاضرة الحكومة البيزنطية (نشري، 2/706؛ هامرپورغشتال، 2/277، 302-303؛ أوزون چارشيلي، ن.م، I/491-492). و أقيمت صلاة الجمعة (نشري، 2/706- 708) و منذ ذلك الحين دخلت آسيا الصغرى بجيمع أرجائها التاريخ باعتبارها منطقة إسلامية، و اعتبرت من حاضرات العالم الإسلامي المهمة حتى انهيار الدولة العثمانية في 1918م و لغو الخلافة في 1924م.
في شبه جزيرة البلقان: بعد تحول الدولة العثمانية من إمارة صغيرة إلى دولة كبيرة و قوية في آسيا الصغرى، بدأ حكام هذه الدولة منذ القرن 8ه‍/14م بالتقدم باتجاه شبه جزيرة البلقان وجنوب شرقي أوروبا و قبل العثمانيين كانت هناك مجموعة من تركمان عشيرة ساري ـ سلتوق قد هربت من خراسان من أمام هجوم المغول، و قدمت إلى البلقان في 7ه‍/13م، و شكلت في مدينة دوبروجا مجتمعاً مسلماً مؤلفاً من 10-12 ألف شخص («دائرة‌المعارف...1»، V/29). و منذ 662- 758ه‍ هاجم المسلمون الأتـراك المناطق البيزنطية في أوروبا 18 مرة (هامرپورغشتـال، 1/ 168-191). و قد ساعد أورخان ثاني ملك عثماني، كانتا كوزنه الملك البيزنطي خلال التنافس على التاج و العرش البيزنطي والذي كان قد ظهر بعد موت أندرونيقوس الثالث في 742ه‍/1341م، و بذلك دعم موقف المسلمين. و منحت قلعة چيمپ إلى جانب مضيق الداردانيل إلى أورخان، و تمت السيطرة على شبه جزيرة غليبولي باعتبارها أول قاعدة عثمانية و منطقة إسلامية في البلقان (شاو، 1/45-46). و اعترف الإمبراطور الرومي رسمياً بفتوح المسلمين في أوروبا (م.ن، 1/47؛ إينالجيك، 274-275). و تزوج أورخان بتيودورا إبنة كانتا كوزنه (هامرپورغشتال، 1/183-184؛ إينالجيك، 274؛ شاو، 1/45).
و بعد أورخان، واصل مراد الأول ثالث حاكم عثماني، سياسة أبيه المتمثلة في التقدم باتجاه البلقان، و استغل قاعدة غليبولي في الاستيلاء على تراقية و مقدونيا و بلغاريا و الصرب (شاو، 1/47). و استولى أولاً على مدينة أدرنة، أي أقوى قاعدة بين القسطنطينية و الدانوب و البحر الأسود (هامرپورغشتال، 1/ 208؛ شاو، 1/ 49؛ إينالجيك، 275؛ ظ: ن.د، أدرنة) و اتخذها عاصمة له (هامرپورغشتال، 1/217). و هزمت القوات المسيحية المتحالفة في ماريتسا (معركة تشيرمن) أمام مراد و أصبح أمراء البلقان تحت وصاية المسلمين (إينالجيك، ن.ص).
و على إثر فتح أدرنة بدأت هجرة المسلمين الأتراك من الأناضـول إلى روم إيلي (القسم الأوروبي من الدولة العثمانيـة)، و أقر الإمبراطور الرومي الوضع القائم، و نقل مراد عدداً كبيراً من المسلمين إلى تراقية بعد دفع 60 ألف عملة مسكوكة إلى الجنيفيين (ظ: ن.د، أدرنة). و تعامل العثمانيون مع المسيحيين واليهود الساكنين في البلقان بحكم أهل الكتاب، و في أثناء ذلك أسلم عدد كبير من المسيحيين مثل البوغوميليين (شاو، 1/51). واصل مراد الأول تقدمه نحو الجنوب الشرقي من أوروبا، فاستولى على صوفيا، و أخضع ملك البلغار شيشمان لطاعته ثم تحرك باتجاه الصرب (إينالجيك، 276؛ شاو، 1/52-53). و سقطت الصرب بيد العثمانيين بعد معركة كوزوفا (قوصوه) الواقعة في الصرب الجنوبية (ظ: هامرپورغشتال، 1/ 249-256؛ إينالجيك، 277؛ شاو، 1/55). و رغم أن السلطان مراد قتل في هذا الهجوم على يد محارب يدعى ميلوش (هامرپورغشتال، 1/251)، و لكن المسلمين تحولوا إلى قوة حقيقية في شبه جزيرة البلقان (إينالجيك، ن.ص) وثبّت الحكام العثمانيون حكومتهم باعتبارهم ملوك الإسلام في بلغاريا و الصرب (شاو، 1/56).
و استولى بايزيد الأول على مناطق سيلسترة و فالاشي (الأفـلاق) و مولدافيا (بوغـدان) و فيدين فـي المجر و البوسنـة و ألبانيا استمراراً في سياسة التقدم في أوروبا، و أصبحت سراياغـو ــ سـراي بــوسنـة ــ حاضرة مناطق المجر الحدودية، وجاور المسلمون رقعة حكم أسرة هابسبورغ (إينالجيك، 288-289). وسرّع بايزيد من انتشار الإسلام في هذه المناطق من خلال بناء المساجد، و الأماكن الدينية في المدن المختلفة و منها أدرنة (هامرپورغشتال، 1/262-263).
و دفع تقدم المسلمين في أوروبا البابا بونيوفاكيوس التاسع إلى التفكير، فعمل على الإعداد لحرب صليبية أخرى. فنظم جيشاً مؤلفاً من الإنجليز و الأسكوتلنديين و البولونيين و البوهميين والنمساويين و الإيطاليين، و ارتكبوا المذابح بحق المسلمين بعد عبورهم الدانوب. و حدثت المعركة النهائية في 21 ذي الحجة 798ه‍/25 أيلول 1396م في نيقوبوليس (نيكبولي) و كان النصر من نصيب المسلمين (شاو، 1/74؛ هامرپورغشتال، 1/282؛ إينالجيك، 278). و قد أدى هذا الانتصار إلى شهرة بايزيد في العالم الإسلامي، و لقب بـ « سلطان الروم» (م.ن، 279). كما أجبر خليفته السلطان محمد من خلال فتح دوبروجا، النبلاء الإقطاعيين في البلقان على قبول حكم المسلمين (شاو، 1/87).
و في عهد مراد الثاني فرض العثمانيون سيطرتهم على سواحل إيجة بفتح سالونيك؛ فخضعت بلغاريا لإشراف المسلمين المباشر، و استمرت سياسة أسلمة البلقان (م.ن، 1/105). و بسط السلطان محمد الثاني (الفاتح) سيطرة المسلمين حتى سواحل دالماجي بعد فتح البوسنة، و تقدمت طلائع جيشه (الأقينجيين) حتى ميناء تريست1. و في القرن 10ه‍/16م على عهد السلطان سليمان أستؤنف التقدم في أوروبا من خلال الهجوم على بلغراد («دائرة‌المعارف»، V/29). و لكن المسلمين قاموا بأعمال كثيرة بعد السيطرة على البلقان لتثبيت موقفهم، و قد زادت هذه الأعمال من المؤيدين لهم بين المزارعين. و منها، أنهم أبطلوا نظام الإقطاع السائد في البلقان، و ألغوا نظام السخرة بين القرويين، وحرروهم من التبعية للأرض من خلال إقرار نظام «الرعاية الطبية» و الأراضي «الميرية» (الحكومية)، و لم‌يوجبوا عليهم سوى دفع ضرائب بمقدار 22 أسبر كانت تسمى بضرائب الأراضي المزروعة و ذلك باعتبارهم رعايا الدولة الإسلامية (إينالجيك، 286-287).
و تشير الدراسات الإحصائية إلى أن 80-90٪ من سكان منطقة تراقية و سنجاق آيدين، في القسم الأوروبي من الدولة العثمانية، كانوا مسلمين في منتصف القرن 9ه‍/15م. و بدأت بعد الفتوح العثمانية في البلقان، موجات هجرة واسعة إلى هذه المنطقة. و قد سكنوا تراقية و شرق شبه‌جزيرة البلقان، و أوجدوا المئات من القرى الجديدة، و سموها بأسماء مساكنهم القديمة في الأناضول، و أسلم تدريجياً عدد من القرويين المسيحيين. كما حول المسلمون المدن التي كانوا يسكنونها إلى مدن إسلامية. و على سبيل المثال فإن مدينة إسكوبية (ن.ع) التي كان المسلمون قد فتحوها في 793ه‍/1391م، كانت تضم في 859ه‍/1455م، 22 حياً مسلماً و 8 أحياء مسيحية. و ذكر أن عدد مسلمي بلغاريا كان يبلغ في 957ه‍/1550م حوالي 000,200,1 نسمة و يدل وجود عدد كبير من المساجد و المدارس و الأماكن الإسلامية الأخرى في بلغاريا خلال 803-1009ه‍/1400-1600م، على انتشار نفوذ الإسلام في هذه المنطقة («دائرة المعارف»، V/30).
و مع الأخذ بعين الاعتبار التغييرات التي حدثت في الإمبراطورية العثمانية منذ القرن 11ه‍/17م، فقد تقلص تدريجياً عدد المسلمين و نفوذهم في البلقان (IA,V/(2)1094). و تغيرت تركيبة السكان في القرن 13ه‍/ 19م لصالح المسيحيين. و بعد الحـرب الــروسيـة ـ العثمانية في 1294ه‍/1877م، و بعد انعقاد معاهدة برلين في 1295ه‍ ، و استقلال بعض بلدان البلقان، تم ترحيل حوالي مليون نسمة من مسلمي البلقان، و في هذه الحرب قتل حوالي 400 ألف منهم (ن.ص). و مع كل ذلك، يعد الإسلام اليوم، ثاني أكبر دين في شبه‌جزيرة البلقان، و يشكل المسلمون 15٪ من سكانها، حيث ذكر أن عددهم يبلغ 9 ملايين وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار السكان المسلمين الساكنين في ناحية تراقية في تركيا و التي هي جزء من شبه‌جزيرة البلقان، فإن عدد المسلمين يبلغ 15 مليون نسمة و يشكل المسلمون 70٪ من سكان ألبانيا، و 17٪ من يوغوسلافيا السابقة، و 26٪ من بلغاريا؛ ويعيش 70 ألفاً في رومانيا و 250 ألفاً من المسلمين في اليونان. و يقيم 80٪ من مسلمي يوغوسلافيا السابقة في كوزوفا (قوصوه) ومقدونيا، و 42٪ في البوسنة و الباقي في الهرسك و كروفاسيا. ويسكن مسلمو بلغاريا في شرق هذه البلاد في رازغراد وسيلسترة، في أطراف مريتش و جبال رودوب («دائرة المعارف»، V/27).

المصادر:   الآقسرائي، محمود، مسامرة الأخبار و مسايرة الأخيار، تق‍ : عثمان توران، أنقرة، 1944م؛ ابن تغري بردي، النجوم؛ ابن حوقل، محمد، صورة الأرض، بيروت، 1979م؛ ابن‌خرداذبه، عبيدالله، المسالك و الممالك، ليدن، 1938م؛ الإصطخري، إبراهيم، مسالك و ممالك، ترجمة فارسية، تق‍ : إيرج أفشار، طهران، 1347ش؛ البلاذري، أحمـد، فتـوح البلـدان، القـاهـرة، 1956م؛ حتـي، فيليـب خـليـل، تـاريـخ عـرب، تج‍ : أبـوالقاسم پاينده، طهـران، 1366ش؛ حدود العالـم، تق‍ ‍‌: منوچهر ستوده، طهران، 1362ش؛ سامي، شمس الدين، قاموس الأعلام، إستـانبـول، 1306ه‍ ؛ شــاو، ا. ج.، تاريـخ إمپرطـوري عثمانـي وتركيـۀ جديـد، تج‍ : محمود رمضان‌زاده، طهران، 1370ش؛ صولاق زاده، محمد، تاريخ، إستانبول، 1880م؛ الطبري، تاريخ؛ لسترنج، جي.، جغرافياي تاريخي سرزمينهاي خلافـت شرقي، تج‍ : محمود عرفان، طهران، 1364ش؛ المقدسي، المطهر، آفرينش و تاريـخ، تج‍ : محمد رضا شفيعي كدكنـي، طهـران، 1364ش؛ نشـري، محمـد (ظ: ملـ‍ (؛ هامرپورغشتال، دولت عثمانية تاريخي، تج‍ : محمد عطا، إستانبول، 1329ه‍ ؛ اليعقوبي، أحمد، تاريخ، تج‍ : محمد إبراهيم آيتي، طهران، 1356ش؛ وأيضاً:

Babinger, F., »Der Islam in Kleinasien«, ZDMG, 1922, vol. LXXVI; IA; Inalcik, H., »The Emergence of the Ottomans«, The Cambridge History of Islam, Cambridge, 1970, vol. I(A): Neԫri, M., Kitâb-l Cihan-Nümâ, ed, F. R. Unat and M. A. Köymen, Ankara, 1957; Runciman, S., Byzantine Civilisation, London, 1975; Turan, O., »Anatolia in the Period of the Seljuks and the Beyliks«, The Cambridge History of Islam, Cambridge, 1970, vol. I(A); id, Selcuklar tarihi ve Türk- Islam medeniyeti, Istanbul, 1969; Türkiye diyanet vakfı İslâm ansiklopedisi, Istanbul, 1992; Uzunçarԫılı, İ. H., Anadolu Beylikleri ve Akkoyunlu Karakoyunlu devletleri, Ankara, 1969; id, Osmanlı tarihi, Ankara, 1983; Veccia Vaglieri, L., »The Patriarchal and Umayyad Caliphates«, The Cambridge History if Islam, ed. P. M. Holt, Cambridge, 1970, vol. I(A).
 

 

آخر تعليق
اسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق :
آخر تعليق
MemberComments
Priority
البريد الإلكتروني
Description
Send