اَلْأُصولُ الْخَمْسَة،/ محمد جواد أنواري

عدد زار : 338
تاريخ النشر : ۱۳۹۵/۵/۲۷
اَلْأُصولُ الْخَمْسَة، عنوان للأصول العقائدیة الخمسة للمعتزلة والتي تتضمن: التوحید، العدل، الوعد والوعید، المنزلة بین المنزلتین، و الأمر بالمعروف والنهي عن المنکر. و إن الاعتقاد بهذه الأصول لا یقتصر علی المعتزلة، ذلک أن بعض هذه العناصر عُدّ لوحده الوجه المميِّز لفرقة أخری. وبهذا الشأن یقول أبو الحسین الخیاط (تـ بعد 300ه‍/912م) الذي یعدّ أثره من أقدم المتون الباقیة للمعتزلة ...

 

اَلْأُصولُ الْخَمْسَة،   عنوان للأصول العقائدیة الخمسة للمعتزلة والتي تتضمن: التوحید، العدل، الوعد والوعید، المنزلة بین المنزلتین، و الأمر بالمعروف والنهي عن المنکر.
و إن الاعتقاد بهذه الأصول لا یقتصر علی المعتزلة، ذلک أن بعض هذه العناصر عُدّ لوحده الوجه المميِّز لفرقة أخری. وبهذا الشأن یقول أبو الحسین الخیاط (تـ بعد 300ه‍/912م) الذي یعدّ أثره من أقدم المتون الباقیة للمعتزلة : «وبشر کثیر یوافقونا في التوحید ویقولون بالجبر، وبشر کثیر یوافقونا في التوحید والعدل ویخالفونا في الوعد والأسماء والأحکام، ولیس یستحق أحدٌ منهم اسم الاعتزال حتی یجمع القول بالأصول الخمسة» (ص 126؛ أیضاً ظ: المسعودي ، 3/222-223). غیر أن کیفیة فهم المعتزلة لهذه الأصول ــ ومن خلال الإیضاح الذي سیأتي ــ کان متمیزاً نوعاً ما عمّا کانت تؤمن به الفرق الأخری وأهمها أهل السنة وأصحاب الحدیث أیضاً :
1. التوحید، الذي هو أصل لاخلاف علیه في العقائد الإسلامیة، هو في المنظومة الفکریة المعتزلیة تأکید علی إلغاء کل ما یکون مصحوباً  بشائبة الشرک والترکیب والحدوث في ذات الله وتشبیهه بالمخلوقات (الأشعري، 155-156؛ مانكديم 128-129؛ القاضي عبد الجبار، المجموع...، 1/26-27؛ الملاحمي، 501-504). وإن القسم الأعظم من التراث العقلي للمعتزلة هو البحوث الخاصة بالتوحید والتي کان تعارضها مع المدارس غیر الإسلامیة من العوامل المهمة لانتشارها. فبحسب رأي المعتزلة، فإن التصدیق بالصفـات الإلٰهیـة ينبغـي أن لایؤخذ بمعنـی ــ  فضلاً عـن ذات الله ــ أن الصفـات التي تنسب إلیه، تتمتع بحقیقة مستقلـة، بل إن أصل التوحید یستلزم أن تکون صفات الله عین ذاته. وصفة القديم هي أخص صفات الله، وفیما عدا الذات ینبغي ألّا تنسب المعاني القدیمة المنفصلة إلی الصفات الأخرى (الأشعري ، 164-165، 177؛ مانكديم، 182-184، 195 وما بعدها؛ الشهرستاني، 1/44-45). ورأی أهل السنة والجماعة أن هذه العقیدة هي في حکم نفي الصفات الإلٰهیة (ظ: البغدادي ، الفرق...، 68؛ الشهرستاني، 1/46). والجانب الآخر الذي یمیز المعتزلة عن التیار التقليدي هو أنهم کانوا یؤولون بمعانٍ أخری کل صفة تستلزم الجسمیة والإنسانیة والتي نسبت في ظاهر النصوص الدینیة إلی الله (الأشعري، 157، 211، 212، 228؛ مانكديم، 217-232؛ الشهرستاني، 1/ 45). ومن أهم مصادیق وجهة النظر هذه إنکار رؤیة الله بالأبصار مما کان أصحاب الحدیث یؤمنون بحدوثه في الآخرة استناداً إلی بعض آیات  القرآن (الأشعري، 157، 216؛ مانكديم، 232 وما بعدها؛ البغدادي، أصول...، 97- 98). ومن الفروع الأخری لأصل التوحید ــ والـذي أدی أخیراً إلی أعنـف مواجهـات بیـن المعتزلـة ومعارضیهم وواقعـة المحنة ــ الاعتقاد بكون القرآن مخلوقاً، بمعنی أنه لم يكن أي شيء قديماً وأزلياً سوى الذات الإلٰهية وحدها، بل إن الکلام والکتاب الإلٰهيين ظاهرة لسانیة وحادثة بإرادة الله (الأشعري ، 191-193، 516، 582؛ مانكديم، 528 وما بعدها؛ القاضي عبد الجبار، المجموع، 1/327- 328، 334).
2. وعدل الله أیضاً من وجهة نظر المسلمین هو أصل لایحتمل الشبهة، لکن المعتزلة من خلال تأکیدهم علی هذا الأصل کانوا یختلفون مع أهل السنة وأصحاب الحدیث في معيار كون الأفعال الإلٰهیة عادلة. فمن وجهة نظر عامة أهل السنة، فإن أي حکم، أو قانون کالعالم المخلوق لیس خارجاً عن نطاق إرادة الله وحکمه، وإن تحدید الحسن والقبیح من الأفعال یرتبط هو الآخر بالإرادة والتشریع الإلٰهیین. وعلی هذا، فإنه لایحدّد أيُّ قیدٍ الحقَ المطلقَ لله فـي تشریعه الأحکام و فـي أفعاله، إلا مـا أخبرنا هو عنـه (ظ: الأشعري، 291-292؛ البغدادي، ن.م، 145-149). وبإزاء ذلک، کان المعتزلة یعتقدون أن العقل الإنساني قادر علی إدراک الأحکام الأخلاقیة الکلیة، و أن مهمة الشریعة کان تأیید وتعیین حدودها الدقیقـة. ویُعبـر عن هـذه العقیدة بـ «الحسن والقبـح العقلیین». واستناداً إلی هذا، فإن المعاییر العرفیة التي یؤمن بها البشر فیما یتعلق بالعدالة وبشکل عام حول النظام القیمي للأفعال الإنسانیة، هي معاییر عامة، وإن فعل الله لیس مستثنیً منها. وعلی هذا، فمثلاً إذا کان التکلیف بما لایطاق، أو معاقبة أحد بسبب فعله اللاإرادي لدی البشر عملاً قبیحاً وغیر عادل، فکذلک لایمکن القبـول بـأن یتعامل الخالق العـادل ــ الذي لایصـدر عنه العمل  
القبیح ــ مع عباده بهذا الشکل (مانكديم، 132-133، 302، 313، 400-401؛ القاضي عبد الجبار، المجموع، 1/ 228، 253-261؛ الشهرستاني، ن.ص). وتعود أهم نتائج هذه الرؤیة إلی قضیة الجبر والاختیار القدیمة والمعقدة، حیث إن أهم جوانب التعرف إلی المعتزلة هو الاعتقاد بالدور الحقیقي للإنسان في أفعاله ونفي الجبر (مانكديم، 332 وما بعدها؛ القاضي عبد الجبار، المجموع، 1/356-363؛ الشهرستاني، 1/47).  وبسبب اعتقادهم هذا، کان المعتزلة موضع رفض ونقد شدید من قبل أهل السنة وأصحاب الحدیث و قد اتُّهموا بالشرک وإنکار القضاء والقدر الإلٰهي (البغدادي، الفرق، 68؛ الشهرستاني، 1/43؛ أیضاً ظ: ن.د، القدریة). ویُعدّ البعض الآخر من عقائد المعتزلة المشهورة مثل إن فعل الله هو الأصلح وإنه بإبقائه علی مبدأ الاختیار والتکلیف یمنح عباده أصلح الخیرات (ظ: ن.د، الأصلح، أیضاً اللطف) من مصادیق أصل العدل (ظ: أبو القاسم البلخي، 64؛ الأشعري، 247؛ مانكديم، 518-519؛ القاضي عبد الجبار، ن.م، 2/227 وما بعدها).
3. استناداً إلی أصل الوعد والوعید، فإن الله یجزي المؤمنین بما وعدهم (الوعد)، ویعاقب الکافرین والفاسقین بجزائهم الموعود الذي هو الخلود في النار (الوعید). وعلی هذا، فإن المؤمنین الذین ارتکبوا الإثم لایتخلصون من العقاب الإلٰهي، إلا بالتوبة. لکن عقوبتهم أخف من عقوبة الکافرین (مانكديم، 135-136؛ الشهرستاني، 1/45). کما أن هذا الأصل في عمومیته لیس رأیاً خاصاً بالمعتزلة ویستلزمه الاعتقاد الضروري بصدق الله. لکن خصیصة  المعتزلة تکمن في أنهم عدّوا تحقق الوعود الإلٰهیة ونظام الجزاء علی العمل، من ضرورات أصل العدل، ویتبع الضرورة المتحکمة في الفعل الإلٰهي. بینما عقیدة أهل السنة هي أن الله برغم أنه لایخلف وعده، فإن أي أصل لايحدّ ملكيته المطلقة للثواب والعقاب (مانكديم، 136، 614-621؛ البغدادي ، أصول، 237، 239). والجانب المهم في هذا الأصل المعتزلي هو التأکید علی المسؤولیة العقلیة والعملیة للإنسان وحریته في تعیین مصیره الأبدي ، ذلک أنه فضلاً عن أن تحقق الوعد والوعید هو نتیجة عادلة للأعمال؛ فاستناداً إلی الاعتقاد بالحسن والقبح العقلیین، فإن ما یوجب الثواب والعقاب إنما هو مرتبط بالعمل الذي یؤدیه الإنسان مع علمه بواجبه الإلٰهي.
4. واستناداً إلی أصل المنزلة بین المنزلتين، فإن المؤمن الذي یرتکب الکبیرة لایعدّ مؤمناً و لاکافراً مادام أنه لم یتب، بل حکمه بین هذین الاثنين (أبو القاسم البلخي، ن.ص؛ الأشعري، 269-270، 274؛ مانكديم، 137-140 ،697- 698). و إن مسألة مرتکب الکبیرة التي ترتبط بکیفیة إدراک المتکلمین لمفهوم الإیمان والتي یرد الحدیث عنها ضمن بحث «الأسماء والأحکام» (ن.ع)، کان لها تاریخ طویل في البحوث الکلامیة، وحققت نتائج عملیة تفوق ما حققته المسائل الأخری. ورأي المعتزلة بهذا الشأن هو ردّ فعل في مواجهة الاتجاهين المتماثلین السائدین آنذاک: الأول عقیدة الخوارج الذین کانوا یرون أن الکبیرة تؤدي إلی زوال الإیمان ویحکمون بکفر المذنبین؛ والثاني الاتجاه الذي اشتهر بالإرجاء وسمي المعتقدون به بالمرجئة. ففي هذه الرؤیة یکون العمل بمعزل عن الإیمان، ویمکن لمرتکب الکبیرة أن یُعدّ مؤمناً في نفس الوقت الذي یکون فیه فاسقاً (الخیاط، 164-167؛ الأشعري، 86، 132 وما بعدها؛ الشهرستاني، 1/114، 139). وفي الحقیقة، فإن وجهة نظر المعتزلة هذه، إنما هي نتیجة التبعات الفاسدة التي شخصوها في هذه الأحکام المطلقة. و إن أصل المنزلة بین المنزلتین و في نفس الوقت الذي یواجه فیه إشکالاً منطقیاً في الظاهر، کان أرضیة لجهود المعتزلة في إیضاح مفهوم الإیمان (ظ: الأشعري ، 266-269؛ مانكديم، 707-709، 727-729).
5. الأمر بالمعروف والنهي عن المنکر، وهو من الواجبات الدینیة و الذي يحظى بتأکید أکبر في الكلام المعتزلي. والطابع الممیز لهذا التکلیف في رأي المعتزلة هو نطاقه الواسع الذي یتضمن جمیع الأفعال الفردیة والاجتماعية. فقد کان المعتزلة یؤکدون علی أن جمیع المؤمنین ــ بحسب استطاعتهم ــ مکلفون بتطبیق أحکام الشرع، وعلیهم في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنکر أن یستخدموا بحسب الضرورة الأسالیب المختلفة لتطبیقه والتي تشمل القيام بالسيف أیضاً (أبو القاسم البلخي، 64؛ الأشعري، 278، 451، 466؛ مانكديم، 741-746). ویعني هذا الحکم، الحریة والمسؤولیة الاجتماعیة لجمیع المؤمنین ونفي الشرعیة الذاتية لأعمال الحکام. وبهذا، یعکس أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنکر ــ الذي ورد ضمنه حدیث عن بحث الإمامة ــ الرؤیة السیاسیة للمعتزلة (لمزيد من الإيضاحات عن هذه الأصول، ظ: ن.د، المعتزلة).
وکان المعتزلة یعدّون الاعتقاد بالأصول الخمسة ودعوة الجمیع إلی ذلک تکلیفاً ینطبق علیه أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنکر. وبتمسکهم بهذا الأصل، کانوا لایتورعون عن إجبار الآخرین علی القبول بالأصول الخمسة من خلال استخدام أقسى الأساليب التي يرتؤنها للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الأشعري، 466؛ مانكديم، 747).
إن البحث في طرح أيٍّ من هذه الأصول کان مقدماً علی غیره من الناحیة التاریخیة، له صلة مباشرة بموضوع تاريخ الاعتزال ومنشأه. فاستناداً إلی الروایات المختلفة الواردة بشأن منشأ اسم المعتزلة والعقائد البارزة لأوائلهم، یمکن نسبة ظهور هذا الفریق إلی الأوضاع السیاسیة أکثر منه إلی العوامل الأخری. فإذا شککنا في صحة الحكايات التي نُقلت عن کیفیة ظهور المعتزلة، فإن ما یستشف من أغلب الأخبار هو أنهم اشتهروا أول الأمر بسبب حکم خاص بشأن المسلم المذنب، أي ما تم بيانه في أصل المنزلة بین المنزلتین. وکان هذا الموضوع یأخذ بنظر الاعتبار بشکل خاص سلوکیات وصراعات الشخصیات المرموقة في التاریخ الإسلامي الذین کان البحث في إیمان، أو كفر بعضهم منذ الأزمنة السابقة قد سبب ظهور التکتلات الرئیسة في المجتمع الإسلامي (ظ: المسعودي، 3/222، 4/22؛ الشریف المرتضی، 1/165-167؛ الشهرستاني، 1/47-49؛ نلينو، 180 وما بعدها؛ غارده، 50،46-47 ؛ أیضاً ظ: ن.د، المعتزلة).
وبطبیعة الحال، فإن إجماع المعتزلة علی الأصول الخمسة لایعني وحدة آرائهم في التفاصیل ویمکن أن نعدّ تنوع عقائدهم وآرائهم بشأن هذه الأصول والذي أدی أحیاناً إلی ظهور خلافات شدیدة أیضاً ، من السمات الخاصة بالمعتزلة (ظ: الأشعري، 157-278). وفضلاً عن ذلک، فإن معنی «الأصل» في مصطلح «الأصول الخمسة» هو حصیلة تأکید المعتزلة علی هذه المعاني وفهم خاص لها، بحیث یمکن لبعضها أن یعدّ فرعاً من البعض الآخر، أکثر من أن یدل علی کلیة هذه الموضوعات الخمسة وأهمیتها المنطقیة، ویظهر الأجزاء المتماثلة في القیمة في منظومة فکریة. ولهذا فقد قالوا باعتبارات متباينة في هذا الشأن. ومنها أن القاضي عبد الجبار ــ الـذي ألَّف بدوره کتاباً حول الأصول الخمسـة ــ وضع في کتابه العظيم المغني جمیع عقائد المعتزلة ضمن أصلين رئیسین همـا التوحید والعـدل، وهو ما یتناسـب أیضاً مع شهرة المعتزلـة بـ‍ «أهل العدل والتوحید». ومن وجهة نظره، فإنه ینبغي لعامة الناس أن یکونوا في الأقل علی معرفة بهذین الأصلین ومطّلعین علی الأصول الأخری أیضاً بشکل إجمالي، ذلک أن هذا العلم الإجمالي ضروري للمعرفة الصحیحة بالتوحید والعدل (ظ: مانکدیم، 123-124)؛ ومن جهة أخری، تحدث في الرسالة التي سمیت «المختصر في أصول الدین»، عن التوحید والعدل والنبوة والشرائع بوصفها الأصول الأربعة للدین، و عدّ الاعتقاد بالوعد والوعید، والمنزلة بین المنزلتین، والأمر بالمعروف والنهي عن المنکر، نتائج لأصل العدل (1/197، 198) و في نفس الوقت تناولها بالبحث في باب الشرائع.
ویمکن القول إنه لم یکن في أوساط المعتزلة وإلی فترة طویلة أسلوب واحد في تعداد الأصول الرئیسة لعقائدهم، و إن الاستفادة من إطار هذه الأصول الخمسة لتبیان العقائد تبلور خلال تکامل مدرسة الاعتزال، بحیث لایمکن أن نجد دليلاً علی أن مؤسسي الفکر المعتزلي أطلقوا أسماء کهذه علی عقائدهم في شتی المسائل، وربما لم یکونوا قد تناولوا هذه الموضوعات الخمسة بأجمعها بالبحث وإبداء الرأي. و من أقدم الشواهد علی استخدام مصطلح الأصول الخمسة رسالة مختصرة بهذا الاسم للفقیـه والمتکلم الزیـدي المعتزلي القاسـم بـن إبراهیـم الرسـي (تـ‍ 246ه‍/860 م) التي انبرى فیها ودون ذکر عنوان لکل واحد من الأصول لبیان 5 أصول في الموضوعات التالیة: التوحید، العدل، كون الله صادقاً في الوعد والوعید، أن القرآن فصل محکم ولامجال للخلاف فیه، حرمة التصرف في الأموال وممارسة التجارة إذا أدت إلی تعطیل حکم، أو غصب مال (القاسم بن إبراهیم، 1/ 168-169).
إن مضمون هذه الأصول یدعم القول بأن القالب المعروف للأصول الخمسة لم یُبین في تعالیم الطبقة الأولی من المعتزلة علی الأقل. ولهذا، لایمکن استخلاص نتیجة عن تاریخ مصطلح الأصول الخمسة من مجرد کونه قد استخدم في بعض الروایات الخاصـة بمنشأ المعتزلة. والمثال علی ذلک هـو روایة الملـطي (تـ‍ 377ه‍/987م) القائلة بأن بشر بن المعتمر، إمام معتزلة بغداد ذهب إلى البصرة ودرس الکلام المعتزلي علی تلمیذي واصل بن عطاء موْسس المدرسة الاعتزالیة، «فحمل الاعتزال والأصول الخمسة إلی بغداد» (ص 42-43).
وذُکر لأبي الهذیل العلاف (تـ‍ ح 230ه‍/845م) أیضاً والذي هو مؤسس الکلام الفلسفي للمعتزلة، رسالة بعنوان الأصول الخمسة (ظ: فان إس، III/223، نقلاً عن مخطوطة بحر الکلام لأبي المعین النسفي؛ قا: الملطي، 43، حیث یبدو أن ما کان یقصده بکتاب الحجة لأبي الهذیل عند قوله: وضعه في «الأصول»، هو هذا الأثر). واستناداً إلی النسفي، فإن المعتزلة علی عهد أبي الهذیل کانوا یسألون سراً کل من یصادفونه: هل قرأت الأصول الخمسة [لأبي الهذیـل] ؟ فـإن أجـاب بنعـم، عرفـوا أنه علی مذهبهـم (ظ: فان‌إس، ن.ص). وقد روي أنه کان لکل من هشام بن عمرو الفوطي تلمیـذ أبـي الهذیل العـلاف، وجعفر بـن حرب (تـ‍ 236ه‍/ 850 م) أیضاً أثر بهذا العنوان (ابن الندیم، 214؛ ابن المرتضی، 73). ومـع کـل ذلک ــ وکمـا قیـل بحـق أثـر القاسم الـرسـي ــ لایمکن التأکد من وجود إجماع بین أبي الهذیل ومعاصریه علی تعیین الأصول. لکن الأصول الخمسة بعنا‌وینها المعروفة کانت یقیناً، في النصف الثاني من القرن 3ه‍/ 9م دلالة على عقائد المعتزلة، بحیث تحدث عنها أعلام مثل الأشعري (ص 278، مخ‍ ( والمسعودي ( 3/221-222).
إن أحد الآثار المهمة للمعتزلة ــ الذي يتمتع بتركيبة مبنية على‌ الأصول الخمسة ــ هو شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار الهمذاني (تـ 415ه‍/1024م). وقد قُدِّمت آراء مختلفة حول أساس متن هذا الکتاب؛ ومنها أن البعض احتمل أن تألیف القاضي عبد الجبار کان شرحاً وتکملة لرسالة لأبي علي ‌‌ابن‌ خلاد في إیضاح الأصول الخمسة (ظ: عثمان، 27- 28؛ GAS,I/562,625؛ عن أثر ابن خلاد، ظ: القاضي عبد الجبار، «فضل...»، 324؛ ابن المرتضی، 105).
المصادر:   ابن المرتضی، أحمد، طبقات المعتزلة، تق‍ : ديفلد فلزر، بیروت، 1380ه‍/1961م؛ ابن الندیم، الفهرست؛ أبو القاسم البلخي، عبد الله، «ذکر المعتزلة»، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، تق‍ : فؤاد سید، تونس، 1406ه‍/1986م؛ الأشعري، علي، مقالات الإسلامیین، تق‍ : هلموت ریتر، بیروت، 1400ه‍/1980م؛ البغدادي، عبـدالقـاهر،‌أصـول ‌‌الـدیـن، إستـانبـول، 1346ه‍‍/1928م؛‌‌‌م.ن، الـفـرق ‌بیـن الـفـرق، تق‍ : محمد زاهد الکوثري ، القاهرة، 1367ه‍/ 1948م؛ الخیاط، عبد الرحيم، الانتصار، تق‍ : نیبرغ، القاهرة، 1344ه‍/1925م؛ الشریف المرتضی، علي، أمالي، تق‍ : محمد أبوالفضل إبراهیم ، القاهرة، 1373ه‍/1954م؛ الشهرستاني، عبد الکریم، الملل والنحل، تق‍ : عبد العزیز محمد الوکیل، القاهرة، 1387ه‍/ 1968م؛ عثمان، عبد الکریم، مقدمة شرح الأصول الخمسة (ظ: هم‍ ، مانكديم)؛ القاسم بن إبراهیم الرسي، «الأصول الخمسة»، رسائل العدل والتوحید، تق‍ : محمد عمارة ، بیروت، 1408ه‍/ 1988م؛ القاضي عبد الجبار، «فضل الاعتزال»، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ، تق‍ : فؤاد سید، تونس، 1406ه‍/1986م؛ م.ن، المجموع في المحیط بالتكليف، تدوین الحسن ابن أحمد بن متویه، تق‍ : ج. ج. هوبن، بیروت، 1965-1981م؛ م.ن، «المختصر في أصول الدین»، رسائل العدل والتوحید، تق‍ : محمد عمارة، بیروت، 1408ه‍/ 1988م؛ مانکدیم، أحمد، [تعلیق] شرح الأصول الخمسة، تق‍ : عبد الكريم عثمان، القاهرة، 1384ه‍/1965م؛ المسعودي، علي، مروج الذهب، تق‍ : یوسف أسعد داغر، بیروت، 1385ه‍/1965م؛ الملاحمـي الخوارزمـي، محمـود، المعتمـد فـي أصـول الـدیـن، تق‍ : مکدرموت ومادیلونغ، لندن، 1991م؛ الملطي، محمد، التنبیه والرد علی أهل الأهواء والبدع، تق‍ : محمد زاهد الکوثري، القاهرة، 1368ه‍/ 1949م؛ نلينو، ك. أ.، «بحوث في المعتزلة»، تج‍ : عبد الرحمان بدوي، مع التراث الیوناني، القاهرة، 1965م؛ وأیضاً :

Gardet, L. and M. Anawati, Introduction à la théologie musulmane, Paris, 1970; GAS; Van Ess, J., Theologie und Gesellschaft im 2. und 3. Jahrhundert Hidschra, Berlin, 1992.

 

آخر تعليق
اسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق :
آخر تعليق
MemberComments
Priority
البريد الإلكتروني
Description
Send