الإصلاح في إيران/ حسن يوسفي إشكوري ـ صادق سجادي

عدد زار : 399
تاريخ النشر : ۱۳۹۵/۵/۱۷
الإصلاح في إيران: بدأت الحركات الإصلاحية في إيران تزامناً مع بقية البلدان الإسلامية منذ أوائل القرن 13ه‍/19م تقريباً إثر تعرف الإيرانيين بالأفكار العلمية والثقافية الحديثة. وكان هذا التعرف نفسه حصيلة عوامل وعلل سيأتي ذكرها فيما بعد. لكن يجدر القول: إن قسماً مهماً من الحركات الإصلاحية الدينية‌ ـ الاجتماعية تعود إلى قضية الخمول الروحي والفكري الناجم عن معتقدات ...

 

الإصلاح في إيران:   بدأت الحركات الإصلاحية في إيران تزامناً مع بقية البلدان الإسلامية منذ أوائل القرن 13ه‍/19م تقريباً إثر تعرف الإيرانيين بالأفكار العلمية والثقافية الحديثة. وكان هذا التعرف نفسه حصيلة عوامل وعلل سيأتي ذكرها فيما بعد. لكن يجدر القول: إن قسماً مهماً من الحركات الإصلاحية الدينية‌ ـ الاجتماعية تعود إلى قضية الخمول الروحي والفكري الناجم عن معتقدات قديمة تفتقر في الغالب إلى العلاقة الحقيقية بالدين الإسلامي والسنة النبوية. و في الحقيقة، فإن اجتياز الطريق الصخري لبعض العقائد و التقاليد التي لم تكن جميعها لتنسجم بالضرورة مع روح الإسلام والتي كانت قد فقدت على مدى قرون قدرتها على التأثير وخلق الحركة، كانت تحدد مبادئ أغلب الحركات الدينية الإصلاحية التي كانت تسعى لأن تجد تفسيراً وتحليلاً عقلانياً للعقائد والتقاليد وتجعلها تنسجم مع الأفكار السياسية والاجتماعية والثقافية الحديثة، وتبين في نفس الوقت وبقوة روح وحقيقة التعاليم الإسلامية مرة أخرى، وتدرك الروح الخالدة للإسلام وتعرّف بها؛ ذلك أن كثيراً من الإصلاحيين و محيي الشريعة كانوا يرون أن المجتمع الإسلامي ولأسباب مثل الانحطاط الأخلاقي والضعف السياسي والاقتصادي والافتقار إلى الإيمان الحقيقي و الانفصام الثقافي، هو مجتمع مريض، وكانوا يعتقدون أن مصدر هذا المرض ليس الإسلام، بل المسلمون الذين لم ينفصلوا عن المفاهيم والتعاليم الإسلامية فحسب، بل نأوا بأنفسهم أيضاً عن المسيرة المتسارعة للعلم والثقافة في العالم ومايزالون يفسرون أفكاراً مضت عليها آلاف السنين. وبطبيعة الحال، فبحسب رأي أغلبهم، فإن دعوة الناس إلى الانسجام على هذه الوتيرة لم ‌يكن يعني إفراغ الجسد الإسلامي من روح التعاليم الإسلامية.
و من الأفضل القول إن عدداً من أبرز المنادين بالإصلاح كانوا أكثر من غيرهم على وعي بالمخاطر الثقافية والسياسية للتأثير المطلق للغرب، لكنهم اعتقدوا أن هذا المعنى لايتعارض وأخذ محاسن تلك الثقافة واكتساب القوة عن هذا الطريق من أجل مواجهة هيمنة الغرب ومصالحه السياسية والاقتصادية. و هنا سوف يتم باختصار عرض أهم المظاهر و الأفكار الإصلاحية و التحديث، سواء الدينية والاجتماعية والثقافية والسياسية، وقضية الإحياء في إيران.
وعلى عهد فتح علي شاه القاجاري، ظهرت أولى طلائع الإصلاحات الجديدة في إيران. و إن ضعف إيران في مواجهة محاولات الهيمنة الأوروبية، وهزائمها الكبيرة في حروب الاستنزاف الواسعة التي خاضتها ضد روسيا (خلال 1218- 1228ه‍/ 1803-1813م، و خلال 1241-1243ه‍/1826-1827م)، والتحولات التي طرأت على خريطة أوروبا السياسية إثر تقدم نابوليون وزحفه نحو الشرق، وجهود بريطانيا للحيلولة دون هذا الزحف،كل ذلك جعل إيران بصدد إقامة علاقة مع الغرب بشكل تلقائي من جهة؛ ومن جهة أخرى، نبّه عباس ميرزا نائب السلطنة وميرزا بزرگ قائم مقام الفراهاني إلى أسباب تفوق أوروبا على إيران عسكرياً وسياسياً وإلى التطور العلمي والفني للأوروبيين؛ ثم إنهما فكّرا أولاً في إعادة بناء القوة العسكرية، لكنهما أدركا أن إعادة البناء هذه غير مجدية بدون إصلاح شتى الأمور الإدارية والثقافية والاجتماعية. ولذا فقد أقدما ــ فضلاً عن دعوتهما المستشارين العسكرييـن الفرنسييـن ومحاولة إصلاح مؤسسـة الجيش ــ علـى إرسال أول فريق طلابي إلى أوروبا. كما بدأت في نفس الفترة ترجمة بعض الكتب الأوروبية، وحظي التطور الصناعي هو الآخر بالاهتمام، و أوليت الحقوق الاجتماعية لبعض الفئات اهتماماً (لمتون، 12-25؛ حائري، نخستين...، 306-307؛ آبراهاميان، 52-53؛ إيفري، 32, 36-38؛ .EI2,IV/163  ff ؛ آدميت، أميركبير...، 161-163)، وبذلك فتحا الطريق إلى دخول العلوم والفنون الجديدة وإلى تعرف الإيرانيين بالأفكار السياسية والاجتماعية الحديثة. وبسبب هذه الأنشطة (ظ: سهيلي، 18-20؛ نجمي، 18 و ما بعدها) ينبغي أن يكون عباس ميرزا في عداد أوائل الإصلاحيين الإيرانيين، و لا شك في أنه كان أيضاً لميرزا بزرگ قائم مقام الذي كان مربياً لنائب السلطنة ووزيراً له، دور أساسي في هذا الأمر.
ولدى عودة الإيرانيين الدارسين في أوروبا، أصبحوا أوائل المنادين بالإصلاح والتجدد. و في ميدان العلم ظهرت على أيدي هؤلاء في ذلك العصر أوائل ترجمات كتب الطب والرياضيات الأوروبية، أو مؤلفات بالأسلوب الحديث وقائمة على المكتشفات الحديثة، و في المضمارين السياسي والاجتماعي أيضاً وجدت بواكير أفكار التجدد مجالاً للظهور. وكان الميرزا صالح الشيرازي من بين أوائل الإيرانيين الدارسين في أوروبا والذي تأثر كثيراً بالمؤسسات الاجتماعية والسياسية البريطانية وأصبح داعية لها في إيران. ويبدو أنه أول من تحدث عن «مشورت خانه» (دار الشورى) والحركة الدستورية في إيران (حائري، تشيع...، 11-12؛ محبوبي، 592-595؛ رائين، «پ ـ ث»، مخ‍ )، كما سعى إلى تأسيس مطبعة و أصدر أول صحيفة إيرانية باسم كاغذ أخبار (آبراهاميان، 52؛ حائري، نخستين، 312-313).
ولما تسنم الميرزا أبو القاسم الوزارة لدى محمد شاه، واصل الأعمال الإصلاحية لأبيه و نائب السلطنة في المجالين العسكري والمالي، لكنه لم يجد الفرصة الكافية، حيث قُتل (إيفري، 28-33؛ آدميت، مقالات...، 5-27). وعقب ذلك وإلى تولي أميركبير الصدارة، لم تُلاحظ جهوداً إصلاحية ملموسة، و لم يحالف النجاح بعض أعمال الحاج ميرزا آقاسي الصدر الأعظم لدى محمد شاه في تطوير الزراعة والصناعات العسكرية (ظ: ن.د، آقاسي؛ أفشار، «كتابچه...»، 232، 235؛ إيفري، 46-47)؛ بل كان يعارض حتى إرسال الطلاب إلى أوروبا (خان ملك، 2/126). وبإزاء ذلك قام الميرزا تقي خـان أميركبير (مق‍ 1268ه‍/1852م) أكبر مصلح إيراني بإصلاحات مهمة في جميع المجالات الإدارية والاجتماعية والعسكرية و الثقافية تقريباً، أو أعدّ الأرضية اللازمة لها. وكانت أسباب وعوامل عديدة هي التي جعلته يفكر بالإصلاح منذ أن ذهب بمهمة إلى روسيا.
ويمكن تقسيم إصلاحات أميركبير من حيث الموضوع إلى عدة مجاميع. ففي الأمور المالية، فبرغم أنه كان قد ورث حكومة مفلسة تقريباً، إلا أنه خطا خطوة كبيرة لتحسين الوضع الاقتصادي للحكومة والشعب بتعديله الميزانية وإصلاح قوانين الإقطاعات وإلغاء عوائد الأراضي التي كانت تمنح للموظفين وبدعمه للفلاحين والحرفيين وإيجاد نظام ضريبي حديث. و في الشؤون الإدارية والاجتماعية، كانت إصلاحات مثل إيجاد تنظيمات ديوانية دقيقة ومنسقة، وإلغاء الألقاب ومنع اعتداءات الحكام ورجال الديوان وتنظيم الشؤون القضائية وتأسيس أول مستشفى على الطراز الحديث، واتخاذ تدابير صحية مثل التطعيم العام ضد الجدري، وشق نهر كرج وإعداد مخطط لتوفير المياه لطهران وإنشاء أبنية حديثة من بين الأعمال التي أُنجزت بأمر منه لأول مرة في إيران في القرون الحديثة. و في المجال الثقافي، كان إرسال الحرفيين إلى روسيا وخطة استخدام أساتذة فنيين وحرفيين من أوروبا و إصدار جريدة وقايع اتفاقية لنشر العلوم بين عامة الناس وتهذيبهم، وأخيراً مشروع تأسيس مدرسة دار الفنون التي كانت أول مركز تعليمي للعلوم الحديثة في إيران و من أكثر عوامل تغيير الأفكار تأثيراً، تُعدّ بأسرها من أهم الإجراءات الإصلاحية في إيران و أكثرها جذرية (عن دار الفنون وأهميتها، ظ: أمير كبير ودار الفنون، مخ‍ ؛ آدميت، أمير كبير،265-401، أنديشۀ ترقّي، 15). ويجدر القول إن أميركبير كان من الناحية السياسية أيضاً رجلاً مصلحاً. ونُقل عنه أنه كان ينوي تغيير المؤسسة السياسية في إيران وإقامة حكم دستوري، لكنه لم يجد الفرصة لذلك (ن.ص؛ أيضا ظ: ن.د، أمير كبير).
أدى سقوط ومقتل أميركبير إلى جمود وتوقف أغلب الإصلاحات التي كان قد بدأها. و قد استمر هذا الجمود إلى حوالي 20 عاماً، باستثناء الفترة القصيرة التي وجدت فيها بعض الأفكار الإصلاحية مجالاً للظهور وتحدث فيها أناس عن «مجلس مصلحت خانه» (شورى دار المصلحة) و«عيوب وعلاج نواقص مملكتي» (العيوب و النواقص الحكومية وعلاجها) و قد بدأت هذه الفترة القصيرة منذ 1275ه‍/ 1859م مباشرة بعد عزل اعتماد الدولة من الصدارة؛ وكان البادئ بها بشكل رسمي هو جعفر‌خان مشير الدولة الذي أسس لأول مرة «شوراي دولت» (مجلس الحكومة) بوصفه مجلساً للوزراء يضم 6 وزارات. و في هذه الفترة أُرسل فريق آخر من الطلاب إلى أوروبا، ودُوّن أول مشروع للدستور في إيران وجرى تعديل بعض القوانين وأُنشئ ديوان «مصلحت خانه» وشُكلت لجنة لتطوير الصناعة والتجارة وترجمت بعض آثار الفلاسفة والكتّاب الأوروبيين إلى الفارسية ومنها كتاب حكمت ناصرية، الذي هو ترجمة لكتاب مقالة في الطريقة لديكارت، وكتب مثل فلك السعادة لاعتضاد السلطنة وزير العلوم الذي كان الممهد لتطورات وإصلاحات ثقافية مهمة (ن.م، 17 و ما بعدها؛ م.ن، فكر...، 56؛ إقبال، 43-50).
يعتقد بعض الباحثين أن تردد الإيرانيين على أوروبا لم‌يكن لوحده العامل المؤثر في انتباه الإيرانيين إلى ضرورة القيام بإصلاحات، بل إن الشروع بإقامة علاقات مع اليابان التي كانت تتجه نحو التحديث والتجدد خلال تلك السنوات كان مؤثراً أيضاً (حائري، تشيع، 18-19؛ سياح، 2-5، 541، 549). و لم تستمر فترة إصلاحات مشير الدولة هي الأخرى، فسادت منذ 1278ه‍/1861م حالة جمود وركود مرة أخرى، بل أعيد الطلاب الموفَدون إلى الخارج لإيران خوفاً من أن تتسرب إلى نفوسهم الأفكار المعادية للدين والحكومة.
وبرغم كل هذا، فإن الميرزا حسين خان سپهسالار الذي كان قد تعرف جيداً ــ وعلى أثر اشتغاله بمنصب سفير في باريس وإستانبول ــ إلى أفكار إصلاحية حديثة وكانت له علاقات وثيقة مـع الإصـلاحيـيـن الأتـراك، قـام ــ بـوصفـه وزيـراً للـعـدل ــ بإصلاحات في النظام القضائي، ودوّن في 1279ه‍ نظاماً داخلياً للجهاز القضائي؛ وفي 1288ه‍/1871م تولى الصدارة وأخذ يفكر في سلسلة إصلاحات اجتماعية وإدارية؛ خاصة وأنه أخذ ناصر الدين شاه إلى أوروبا ولفت انتباهه إلى نتائج الإصلاحات والأفكار الاجتماعية والسياسية الحديثة في أوروبا (الجار، 260، 263 و ما بعدها؛ مستوفي، 1/120-121؛ حائري، ن.م، 15؛ فرهـاد معتمد، مشير الدولة...، 12).
و قد أدى اعتقاد الميرزا حسين خان سپهسالار الراسخ بضرورة دخول الثقافة والحضارة الأوروبيتين إلى إيران وتأييده للنفوذ البريطاني بوصفه عاملاً لتطور الإصلاحات في إيران إلى أن يصبح موضع سخط بعض رجال الدين. و في الحقيقة، فإن فكرة إعطاء امتياز خط سكة الحديد إلى رويتر و أخذ قرض من أوروبا أيضاً أثارت حفيظة العلماء وكبار الشخصيات ضده (ن.م، 151 و ما بعدها؛ أمين الدولة، 43). و قد دافع بعض العلماء ومعارضي سپهسالار في رسالة إلى ناصر الدين شاه ــ رغماً عن سپهسالار ــ عن ضرورة تدخل العلماء في أمور البلاد، وعدّوا مشروع سپهسالار لإنشاء خط سكة حديد في إيران مدعاة لتدفق الأوروبيين على البلاد و الإخلال في دين الناس وعقائدهم، وأخيراً وبازدياد ضغوط العلماء أُلغي امتياز رويتر، كما عُزل سپهسالار من منصبه (تيموري، 39-44؛ آدميت، أنديشۀ ترقي، 363؛ فرهاد معتمد، ن.م، 160-161، «قرارداد رويتر»، 210-211؛ كسروي، تاريخ...، 9-10). وكان أحد أهم أعماله تشكيله مجلس للوزراء الذي يُعدّ إجراء لتعريف الإيرانيين بالمبادئ الدستورية (حائري، ن.م، 32؛ أيضاً ظ: آدميت، ن.م، 125-130، فكر، 57-92؛ كسروي، ن.م، 8).
أدى عزل سپهسالار إلى أن تتوقف بعض مشاريعه، لكن البلاد كانت قد دخلت مرحلة لم‌يكن من الممكن معها إيقاف عجلة الإصلاحات بشكل عام. فالميرزا علي أصغر خان أمين الدولة كان الرجل الحكومي الذي وجّه بعد سپهسالار الأفكار الإصلاحية نحو الأمور الثقافية وبعض الشؤون القضائية والإدارية والعسكرية والسعي إلى إنشاء مدارس جديدة وإشاعة طرق التعليم الحديثة (ن.م، 22؛ الجار، 331-335؛ أمين‌الدولة، مخ‍ ؛آدميت، إيديولوژي...، 9، 12-14، 110-114، 117؛ أيضاً ظ: ن.د، أمين‌الدولة)؛ إلا أن هذه الأعمال التي كانت ناجمة في الأصل عن معارضته لتدخل علماء الدين في الأمور المختلفة جوبهت بمعارضتهم الذين كانوا يرون في هذه الأعمال تحديداً لصلاحياتهم (أمين الدولة، 94، 120-121، 242؛ الجار، 330 و ما بعدها).
و كان تدوين قوانين القضاء في حقيقته أول خطوة لتأسيس «عدالت خانه» التي أصبحت بدورها المحور الرئيس لأول النداءات المطالبة بالدستورية في إيران. وفيما يتعلق بدوافع المطالبة بالدستور و ما بلور تلك الدوافع، ففضلاً عن الآثار المدونة لأبرز المدافعين عن هذه الحركة والمنظِّرين لها، لدينا أيضاً دراسات موسعة نسبياً بهذا الصدد. وكان جزء مهم من هذه الأفكار والدوافع حصيلة النظام السياسي والثقافي الحديث الذي كان في طريقه للهيمنة على العالم، و لم ‌يكن بمقدور إيران بوصفها منطقة سياسية حساسة والنقطة التي كانت دوماً وعلى مدى تاريخها الطويل موضعاً لالتقاء الثقافات، أن تظل بمنأى عن هذه الأفكار لفترة طويلة. و لاشك في أن بعض التطورات الحاصلة في أوروبا كان لها تأثير رئيس في خلق الوعي بالنسبة للحقوق المدنية وضرورة القيام بإصلاحات في التركيبة السياسية والثقافية والاجتماعية في إيران.
و إن سيطرة روسيا على عدد كبير من المدن الإيرانية والتقدم الذي أحرزته تلك البلاد خلال القرن 19م في مجالات التربية والتعليم والعلوم والصناعة، وتعرّف إيرانيي المدن المذكورة إلى تلك التطورات، وإمكانية حصولهم على الآثار الثقافية الحديثة، والعلاقات التي كانت تربطهم بالإيرانيين داخل الحدود الجغرافية للبلاد، و من جهة أخرى التنافس بين بريطانيا و روسيا، كانت جميعها من بين العوامل التي أدت إلى اطلاع الإيرانيين على الأفكار الجديدة و تبلور فكرة التحديث والإصلاح. و في الحقيقة، فإن عدداً من أبرز المدافعين عن التحديث و الذين عملوا على ترويج تلك الأفكار، تربّوا في روسيا واطلعوا إلى الأفكار الأوروبية عن هذا الطريق وكانوا يريدون التغيير في جميع المستويات الاجتماعية والسياسية، بل وحتى الثقافية والدينية؛ لكن فريقاً آخر من الإيرانيين ممن كانوا قد تعرفوا إلى التطورات الحديثة بشكل غير مباشر، وكانوا يعتقدون أن سبب تخلف الإيرانيين هو ابتعادهم عن المفاهيم والتعاليم الإسلامية الحقة، كانوا يسعون ــ فضلاً عن التحديـث الاجتماعي والسياسي ــ إلى النظر إلى الإسلام من هذه الزاوية أيضاً، وإلى استخراج أرضيات ضرورة التحديث والإحياء الديني و الإصلاحات الأساسية من نصوص التعاليم الإسلامية وعرضها. وخلال ذلك، كان لجمع من علماء الدين دور بارز في إيضاح الحقائق الدينية وانسجامها مع مفاهيم الإصلاح والتحديث والتقدم والتجديد. و إن ما يميز هذا الفريق عن غيره كان اعتقادهم وتمسكهم بالمبادئ الدينية، أي ما كان ينأى عنه بشكل صريح، أو ضمني بعضُ المجددين الذين كانوا دوماً مولعين ومتعلقين بالأفكار الغربية.
والأمر الآخر هو أنه وبينما كان فكر الإصلاح السياسي والمجلس والدستور يجد له مكاناً بين الإيرانيين تدريجياً، كان هذا النوع من التفكير قد خرج عن نطاق رجال الحكومة و تحول إلى فكرة عامة؛ و لم يكن الإصلاح في هذه الفترة دوماً تسلطية مفروضة من قبل رجال الحكومة، بل كانت جوانب منها تُقدم من قبل مفكرين كانوا أحياناً معارضين في الأصل للنظام. ولهذا كانت هذه الأفكار تجد لها انعكاساً ونفوذاً أعمق بين طبقات المجتمع. وتظهر الدراسة الدقيقة للأفكار الإصلاحية التي أفضت إلى الثورة الدستورية، أنه برغم كون الإطار الأساسي للفكرة الدستورية نابعاً من التطورات السياسية في أوروبا، إلا أن من تحدثوا لأول مرة عن هذه الفكرة والإصلاحات السياسية والاجتماعية في إيران، إما أنهم كانوا مثل السيد جمال‌‌ الدين الأسد آبادي من علماء الدين الإصلاحيين، أو مثل الميرزا يوسف مستشار الدولة ممن يُعدّون من رجال الحكومة الذين برغم تأثرهم بالثقافة والحضارة الحديثة واعتقادهم بتدوين الدستور، فإنهم لم يكونوا يرون الأفكار الدينية متعارضة مع هذا التجدد، و كانوا يحاولون إظهار نقاط الاتفاق والانسجـام بين الاثنيـن. فمستشار الدولـة (تـ1313ه‍/1895م) في كتابه يك كلمه (كلمة واحدة) يتمنى من جهة أن تخطو إيران إلى جانب أوروبا خطوتها على طريق الإصلاحات الجذرية والتطورات السياسية والاجتماعية العميقة (ص 8-10) ويعتقد أن سر تقدم أوروبا كامن في كلمة واحـدة، أي القانـون ــ الدستـور ــ و من جهة أخرى، كان يسعى إلى إظهار الإسلام والدستور منسجمين ومتآلفين (ص10-12، مخ‍ ). بينما عَدّ فتح علي آخوند‌ زاده في نقده لرسالة يك كلمه، هذا الأسلوب من التفكير في خلق الانسجام بين الإسلام والتجدد، غيرَ صحيح؛ وأعلن أن بعض الأحكام والمبادئ الفقهية للإسلام تتنافى و روح الديمقراطية والنظام القانوني الجديد (آدميت، أنديشه‌ها...، 156-158؛ حائري، تشيع، 29).
و مع كل هذا، لايمكن التغاضي عن تأثير أفكار آخوند زاده ــ الذي كان هو نفسه مستنيراً مولعاً بالثقافة والحضارة الغربيتين و مدافعاً عنهما ــ في إثارة انتباه الإيرانيين إلى مسألة الإصلاح والتجدد؛ فمن الجانب السياسي كان يؤمن بالدستورية وتشكيل مجلس لسنّ القوانين وبتحديد صلاحيات الملك؛ و من الجانب الثقافي كان ينتقد بشدة الأساليب القديمة للتربية والتعليم ويرى أن إصلاح تلك الأساليب وتوسيع نطاق التعليم والتعلم رهن بإصلاح الخط (آخوند زاده، 4 و ما بعدها). وكان يعتقد أنه وبغية التحرر من التخلف، ولأجل صيانة البلاد من تطاول الأجانب ينبغي الارتقاء بمستوى العلم ووعي الناس. و إن بعض أفكاره الإصلاحية جديرة بالاهتمام والبحث من حيث تاريخ الفكر السياسي، لكن معارضته للفكر الديني أدى إلى أن لاتنتشر آراؤه ونظرياته (حائري، ن.م، 28، 29، 54؛ أيضاً ظ: ن.د، آخوند زاده).
و في الطرف المقابل لآخوند زاده، يقف السيد جمال الدين الأسد آبادي الذي تتضمن مبادئ أفكاره الإصلاحية أمرين: الأول الاتحاد الإسلامي، والآخر العودة إلى الروح الحقيقية للإسلام والتي لاتتعارض مع مبادئ التحديث والتطور والإصلاح. و قد تركت نشاطات السيد جمال الدين الواسعة وأفكاره أثراً كبيراً في خلق الوعي واليقظة لدى الشعوب الإسلامية، وكان تلامذته وأتباعه أهم المنادين بالإصلاح والتجديد في أرجاء الدولة العثمانية الشاسعة وإيران. فمن الناحية السياسية كان يقارع الاستبداد بشدة. ويعتقد بعض الكتّاب أنه يستشف من آثاره المتناثرة أنه كان مولعاً بالحكومة الدستورية والمجلس، بل قيل إنه كان قد نظم لإيران دستوراً، لكن حائري يرى أنه لايبدو أن السيد جمال الدين الأسد آبادي كان يرغب بحكومة دستورية قائمة على أسس ديمقراطية (ن.م، 57- 58).
و من مشاهير المجددين ودعاة الإصلاح الآخرين في هذه الفترة، الميرزا ملكم خان (1249-1326ه‍/1833- 1908م)، الذي عرّفته إقامته في باريس و من ثم اشتغاله بالتعليم في دار الفنون بالتطورات والأفكار التجديدية. وعندما شكل جعفرخان مشير الدولة في 1275ه‍/ 1859م أول مجلس وزراء في إيران، ألف ملكم رسالة تحت عنوان دفتر تنظيمات، أو رسالۀ غيبية موجهة إلى مشير الدولة ومتضمنة اقتراحات حول الإصلاحات؛ وعندما أصبح مستشاراً لسپهسالار في سفارة إستانبول وإثر اطلاعه على الأفكار السياسية الحديثة ومفهوم الدستورية وجهود المجددين والإصلاحيين العثمانيين، تحول إلى أحد النقاد المهمين لحكومة ناصرالدين شاه. و قد حاول تعريف الناس بالرؤى السياسية والاجتماعية الجديدة (ن.م، 40-43).
وكان أهم البحوث التي تحظى باهتمام ملكم بهذا الشأن، تدوين القانون وإصلاح الشؤون القضائية وتأسيس مجلس شورى وحرية التعبير والانتخابات الحرة واستحداث الصناعات وتغيير الخط وإجراء إصلاحات في التربية والتعليم (ملكم، «شيخ...»، 101-102، «حرف ...»، 49-56، «رسالة...»، 59-60، 67؛ محيط طباطبائي، «وـ ز»). وقيل إنه كتب حوالي 200 رسالة في تبيان وجهات نظره حول الإصلاحات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية (ملكم، «ملحقات...»، 2). وكان من مؤيدي متابعة إيران للحضارة الغربية، وكان رأيه في تغيير الخط أيضاً ينبع من هذه الفكرة. ويعتقد حائري أن ملكم وبرغم كونه مثل آخوند زاده يقول بالتضاد بين النظام الدستوري والإسلام، لكنه وخلافاً له لم‌يكن يفصح عن رأيه هذا، بل كان يعدّ النظام الدستوري يتطابق والإسلام، ويريد ــ شأنه شأن مستشار الدولـة ــ خلق نوع من المصالحة بين الإسلام والدستورية الغربية (تشيع، 42)، بشكل يتبادر معه إلى الذهن أن الفكر الدستوري نابع من الإسلام. و مع كل ذلك، فقد كان يرى بأن التربية والتعليم يجب أن ينتشرا بالأسلوب الغربي و أن يخرجا من أيدي رجال الدين (ملكم، «حرف»، 38، «شيخ»، 91 و ما بعدها، «دستگاه...»، 84، «نوم...»، 172-173). وكان لأفكار ملكم دور فاعل في اتساع الإصلاح في إيران، خاصة و أن صحيفة قانون التي تدخل إيران سراً كانت تقابل بترحيب دعاة الحركة الدستورية (حائري، ن.م، 47).
و من بعده يجب أن يُذكر عبد الرحيم طالبوف (1250-1330ه‍/1834-1912م) الذي أمضى فترة طويلة في تفليس وتعرف إلى الآثار السياسية والفلسفية للعلماء الأوروبيين. و برغم أن طالبوف كان قد استفاد كثيراً في آثاره من العلوم الحديثة لهؤلاء المفكرين وأفكارهم، و من الناحية السياسية كان يثني على القانون الأساسي للحركة الدستورية ويأتي بنماذج (مسالك...، 160، 175 و ما بعدها، «سفينة...»، 1، 80-81، 109 و ما بعدها)، لكنه كان يعارض الميل المفرط إلى الغرب والشرق (آدميت، «أنديشه هاي طالبوف»، 454 و ما بعدها؛ أفشار، «طالبوف»، 214-220)، وكان يرى أن التجدد والإصلاح والتحديث لايعني أبداً البدعة و الكفر، و لاينبغي إضافة شيء إلى الشريعة، أو إنقاص شيء منها، إلا أن ما هو غير حكم القرآن ينبغي أن يطابق ضرورات اليوم ومقتضيات العصر و أن يتم الاهتمام بالمسائل المستحدثة، ذلك أن كل مسلم لديه إحساس وإنصاف يعلم أن مقتضى كل عصر وراء ماضيه ومستقبله وإذا لم ‌نعرف ذلك، حينها لن يكون لدينا إسلام ولا أحكامه و لا آثاره، وستستغل الأمم الأجنبية غفلتنا هذه (مسالك، 43، 46- 48)؛ لكن وبرغم أنه كان يعدّ وبشكل علني الشريعة الإسلامية أساساً للقوانين في إيران، فقد كفّره الشيخ عبد‌النبي نوري وحرّم قراءة كتبه (ص 179-180؛ أيضاً ظ: حائري، تشيع، 51، 54؛ كسروي، تاريخ، 45).
وكان أكبر مظاهر فكرة الإصلاح على الإطلاق هي الحركة الدستورية. فقد وضعت الأسس النظرية لهذه الحركة بوصفها فكراً إصلاحياً على أيدي العديد من المفكرين الدينيين وغير الدينيين، لكن الذي لاشك فيه هو أن علماء الدين الإصلاحيين كان لهم دور فريد في تحقيق هذا الهدف. وقد أُشير فيما مضى إلى آراء بعض علماء الدين في الإصلاحات الاجتماعية والسياسية. وما يميز هذه الأفكار عما كان يدافع عنه إصلاحيون من أمثال آخوندزاده، يتلخص في اهتمام ونزعة المجددين غير المتدينين إلى الغرب، ومعارضة علماء الدين لنفوذ الغرب السياسي والثقافي. وبرغم أن الفكرة الدستورية كانت هي الأخرى غربية في الأصل، إلا أن علماء الدين انبروا للدفاع عنها في سبيل تحقيق أهداف أكثر أهمية كانوا يرون إصلاح البلاد والأمة فيها، وبينوا بتعاليم الإسلام بعض أسسها النظرية. وعلى هذا، كانت معارضة علماء الدين آنذاك للتغريب إنما هي لأجل القضاء على التغلغل السياسي والاقتصادي للأجانب، وكان بإمكان هذه المعارضة بحد ذاتها أن تكون مظهراً آخر للإصلاح. فعندما أُسست عام 1316ه‍/ 1898م الشركة الإسلامية على يد عدد من علماء الدين لإنشاء مصنع للنسيج ومقاومة النفوذ الاقتصادي الأجنبي، لم‌يكن جمال الواعظ (السيد جمال الدين الأصفهاني) الإصلاحي والمطالب بالدستورية الشهير لوحده قد ألف رسالة لباس التقوى لتدعيم هذا الهدف ومنع الإيرانيين من استعمال البضائع الأجنبية (ص 18-22، 38-43، 46-47)، بل أيده أيضاً علماء كبار آخرون من المطالبين بالدستورية مثل آخوند الخراساني و الميرزا محمد حسين النائيني ورأوا ضرورة تقديم العون لتوسيع نطاق ذلك العمل (حائري، ن.م، 131-132).
وكانت الجهود الإصلاحية وكذلك بعض التطورات الاجتماعية والسياسية في البلدان العثمانية والهند اللتين كانتا قد سبقتا إيران في التعرف إلى الأفكار التجديدية، مؤثرة في اتخاذ رجال الدين موقفاً إيجابياً من الإصلاح والمطالبة بالدستورية، كما حدث عندما ألف ملك المتكلمين خلال إقامته في الهند كتاب من الخلق إلى الحق حول بعض الإصلاحات، و أقدم مؤيد الإسلام أيضاً في صحيفة حبل المتين التي كان يصدرها على مدى سنوات في كلكتا على التنوير (ملك زاده، زندگاني...، 11-12، تاريخ...، 1/ 68-80؛ كسروي، ن.م، 42-44)؛ وكما رأينا، فإن عدداً من أبرز الإصلاحيين تعرفوا إلى مفاهيم الإصلاح والفكر الدستوري عن طريق علاقتهم بالإصلاحيين العثمانيين.
و قد قيل: إن مواكبة علماء الدين للحركة الدستورية التي تقع في الأصل ضمن دائرة الإصلاح السياسي والاجتماعي، إنما كان بهدف تطبيق قوانين الشريعة بشكل منظم ودائم. و في المراحل الأولى للحركة الدستورية وعندما تحالف العلماء مع الإصلاحيين والمطالبين بالحرية لم يستطيعوا أن يدركوا ماهية هذه الحركة التي كانت تؤدي عملياً إلى تقليص دورهم في الأمور السياسية والاجتماعية (الجار، 355-356، 374). لكن هذا التحليل لايقوم على أساس صحيح. ومع أن الأمل في الإحياء الديني يشكل على الأقل جزءاً من تصوّر العلماء في مواكبتهم للحركة الدستورية، لكن ينبغي العلم أنه يستشف من آراء وخطابات أشخاص مثل السيد محمد الطباطبائي والسيد عبد الله البهبهاني وآخوند الخراساني والميرزا النائيني، أنهم و مع اطلاعهم على أسس ومسيرة الحركة الدستورية ونتائجها بادروا إلى دعمها.
كما يلاحظ أيضاً في أول مطالب العلماء المطالبين بالدستورية في طهران من حكومة مظفر الدين شاه دعوتهم إلى تأسيس «دار العدالة» (كسروي، ن.م، 67، 73)، و هو ما يؤدي بذاته إلى تقليص اقتدار العلماء؛ و لم ‌يكن لهذا الأمر بطبيعة الحال أهمية في رأي العلماء المستنيرين والإصلاحيين مقارنة بالرقيّ والسمو اللذين سيصبحان من نصيب الأمة الإسلامية. كما أن الشيخ هادي النجم ـ آبادي الذي كان لتعاليمه ونظرياته تأثير كبير في الحركات الإصلاحية في تلك الفترة، كان من بين الذين كانوا ينتقدون بشدة أوضاع القضاء والقائمين عليه في إيران وكان يذكِّر بأن انعدام العدل هو أهم أسباب تخلف الإيرانيين وسبب نفوذ الأجانب. وكان يرى أن تعاليم الإسلام وأسلوب الحياة السياسية للنبي الأكرم (ص) لم‌يحظيا بالاهتمام والعمل، وأن الاعتقاد بالخرافات نأى بنا عن فهم الدين بشكل صحيح، بينما يمكن من خلال التمسك بالدين توجيه البلاد نحو التحديث (ص 115، 124، 125 و مـا بعدها؛ أيضاً ظ: براون، 63-97,406-408).
وإن الاعتقاد بالنظرية الإسلامية وقدرتها على إصلاح الأمور وتحديث البلاد وتعبيد طريق الرقي، كان رأي جميع العلماء العارفين بشكل ما بالأفكار الإصلاحية. وخلال ذلك، كان بعض رجال الدين الذين ينبغي اعتبار السيد جمال الدين الأسد آبادي زعيمهم، يرون أن السبيل الحقيقي للرقي والإصلاح هو الاتحاد الإسلامي، بحيث إن أبا الحسن ميرزا القاجاري، المعروف بشيخ الرئيس (1264-1336ه‍/ 1848- 1918م) الذي كان متأثراً بأفكار السيد جمال الدين، انضم إلى الجمعية التي كان السلطان عبدالحميد العثماني قد أنشأها لتدوين رسالات بشأن الحديث عن أوضاع العالم الإسلامي ودعوة المسلمين إلى مقاومة الهيمنة الغربية، و ألّف رسالة اتحاد إسلام (سجادي، 5). و قد وصف شيخ الرئيس في هذا الكتاب أولئك الذين انتقدوا الأحكام الإسلامية بأنهم الناشئون على الأفكار الغربية و المطالبون بالحضارة وفقاً لها ... المتفرنجون والمزدوجو الدين (ص 19)، وبعد بحثه في انسجام العقل مع الشرع وعقلانية الأحكام الإسلامية، أوضح أن مراعاة القوانين الدينية والأحكام الشرعية ليست عقبة في طريق رقي البشرية (ص 20). وكذلك عدَّ تناول المسائل موضع الخلاف بين الفرق الإسلامية سبباً للصراع والتفرقة في مواجهة هيمنة الغرب، وقبّح تعميم البحوث الفلسفية والكلامية وتقديمها على البحوث الدينية الصرفة (ص 26، 36). و قد اقترح أن تؤسس في البلدان الإسلامية المقدسة جمعية لعلماء الدين باسم «ترقّي إسلام» وينبرى فيها لبحث ظروف وعوامل الرقي وتجديد الحياة الديني وإيجاد الطرق المناسبة لهذا العمل (ص 54-56).
ومهما يكن، فقد هبّ جمع من العلماء البارزين للتفسير والإيضاح الأصولي والشرعي لمثل هذا الإصلاح الذي كان قد ظهر بزيّ الحركة الدستورية؛ وبرغم أن مؤسسات الفكرة الدستورية مثل المجلس التشريعي و السيادة القومية، كانت في الأصل غربية، ويبدو أن بعض هذه المؤسسات تتعارض والتقاليد السياسية للمسلمين على مدى قرون، لكن الحقيقة هي أن هذه التقاليد التي عُدّ بعضها أحكاماً شرعية ثابتة (آدميت، إيديولوژي، 227)، لاتتطابق بالضرورة و عقائد الإسلام و أحكامه الرئيسة، بل يمكن القول: إن كثيراً منها يتعارض أيضاً مع سنة النبي (ص) وسيرته ومبدأ الشورى في القرآن. و قد انتبه فريق كبير من العلماء الإصلاحيين إلى هذا الجانب من المطالبة بالدستورية وانبروا لتبيان شرعيتها. وواضح أن التقليدين الفلسفي و العقلي في الثقافة الإيرانيـة ـ الإسلامية، وكذلك مبدأ الاجتهاد في المذهب الشيعي، كان كل ذلك يمنح العلماء الحرية في تبيان هذه الشرعية. ولهذا، كان علماء بارزون مثل آخوند الخراساني وعبدالله المازندراني يرون أن تحقيق الدستورية يعادل إحياء الشريعة وتنفيذ أحكام الإسلام ومواجهة اعتداءات الأجانب (ناظم الإسلام، 1/264-265؛ كسروي، تاريخ، 259، 730).
و قد ألف الميرزا محمد حسين النائيني كتاب تنبيه الأمة وتنزيه الملة في وجوب الدستورية. والجو العام لهذا الكتاب هو إثبات شرعية الدستورية وتبيان المبادئ السياسية والاجتماعية للإسلام و من وجهة النظر هذه، فإن من المهم جداً أن فقيهاً من الطراز الأول قام بتقييم نظرية سياسية حديثة وتطبيقها مع مبادئ الفكر الإسلامي. و بعد تقسيمه الحكومة في هذا الكتاب إلى استبدادية (بتعابير مختلفة) ودستورية (بتعابير متنوعة)، وصف النائيني النوع الثاني من الحكومة بأنها صحيحة ومتطابقة ونظر الشرع و عدّها من مصاديق الولاية، ورأى أن حكومة المعصوم هي في رأي الشيعة حكومة مشروطة ومقيدة. وكان يعتقد أن جميع الناس بغض النظر عن طبقاتهم ومواقعهم في الحكومة متساوون و أن ولاة الأمور ليسوا مالكين للأمور و لا للحكم، بل هم أمناء و مسؤولون عن الشعب (ص 7-12).
و قد عدّ النائيني تأسيس الحكومة الدستورية أحد مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأورد أنه لما كان حفظ النظم في الممالك الإسلامية وصيانة كيان الإسلام ملقىً على عواتق العلماء، ولما كان نظم أمر الممالك الإسلامية وكيان الإسلام يتحقق بتقليص الاستبداد وإقامة الحكومة الدستورية، تتضح ضرورة استبدال الحكومة الجائرة بالدستورية (ص 46-50). وتحدث كذلك عن وجوب وشرعية الدستور، وأعلن عن رأيه بفصل السلطات مستنداً في ذلك إلى عهد الإمام علي (ع) لمالك الأشتر (ص 73 و ما بعدها؛ طالقاني، حاشية، 95-107). وفي التقريظ الذي كتباه لكتاب النائيني، تقبّل آخوند الخراساني وعبد الله المازندراني مضامينه واستدلالاته وأثنيا عليه.
و إن كتاب اللآلئ المربوطة في وجوب المشروطة الذي ألّفه الشيخ محمد إسماعيل المحلاتي الغروي في 1326ه‍/ 1908م هو من أمهات الآثار التي ألّفها أحد العلماء الشيعة الإيرانيين البارزين في إثبات وجوب الدستورية و الذي يضاهي كتاب النائيني من حيث الأهمية و الاعتبار. و لم يكتفِ المحلاتي في هذا الكتاب باعتبار الدستورية أمراً مشروعاً، بل عدّها مدعاة لتقوية الدين وتنفيذ القوانين الإلٰهية. وبحسب رأيه، فإن المطالبة بالدستورية هي نداء غيبي للتحرر من الاستبداد ومدعاة للإصلاح وتنامي حضارة البلاد و تطورها. و إن ولاة الأمورفي الحكومة الدستورية هم أمناء الناس ومكلفون من خلال البحث والتشاور بالإعلان عن صلاح الأمور وفسادها (ص 496-497)؛ وفضلاً عن الحكومتين الاستبدادية والدستورية، تحدث عن نوع ثالث يسمى الحكومة الإلٰهية والولائية، لكنه أعلن أن هذه الحكومة خاصة بالنبي (ص) والأئمة المعصومين (ع) و هي خارج نطاق قدرتنا (ص 498-499). كما أعلن أن أخذ علوم الغرب وصناعاته لايعني بالضرورة التخلي عـن الـديـن؛ فـالـذكـاء هـي أن نـأخـذ تلك المظاهـر مـن الغـرب ونستخـدمهـا دون أن نتخلـى عـن ديننـا (ص 514-515).
و قد انبرى الملّا عبد الرسول الكاشاني من علماء الشيعة الآخرين في رسالۀ إنصافية لتحليل و إثبات شرعية مبادئ الدستورية. فبحسب اعتقاده، فإن الحكومة المطلقة هي حكومة الوحوش والمستبدين، وإن الحكومة الدستورية هي حكومة القانون التي تتلازم و الحرية. فالحرية للإنسان حق طبيعي و وجه امتيازه عن الحيوان، بحيث إن الإنسان ما لم‌يكن حراً، فإنه بعيد عن الإنسانية. و قد استند في هذا المفهوم وشرعيته إلى الأحاديث النبوية، وفرّق بين الحرية والاستبداد (ص 561 و ما بعدها). وهذه الرسالة وعدة آثار أخرى كتبها علماء الدين تظهر عمق اهتمامهم بالإصلاحات الاجتماعية والسياسية ومدى معرفتهم بالأفكار الحديثة.
كان شطر مهم من الأفكار الإصلاحية ينظر على الدوام إلى الثقافة والحضارة الحديثة و تأثيراتها الإيجابية والسلبية على الممالك الإسلامية، بل إن هذه النظرة بجانبيها ــ أي رفض تلك الثقافة، أو استخدام بعض أسسها الفكرية لتبيان و تفسير النظريات الدينية ــ كان لها أثر في تجديد الفكر الديني وتفاسير جديدة للأفكار الإسلامية الاجتماعية منها والدينية، أو العودة إلى روحها وحقيقتهـا. و مـن وجهة النظر هـذه، ينبغـي أن يوضـع كسروي ــ برغم أنه أصبح عرضة للطعن والاستهجان الشديدين بسبب إعلانه عن آراء خاصة في الإسلام والتشيع والعقائد السائدة ــ في عداد الإصلاحيين و من الذين عدّوا دخول الثقافة الغربية و نفوذها سبباً في تدمير كثير من مكارم الأخلاق وأصول التدين في البلدان الإسلامية وبشكل خاص في إيران، وذلك بسبب إبدائه آراء متطرفة نسبياً في رفض الحضارة والثقافة الغربيتين والتمسك بالثقافة الدينية والقومية الأصيلة.
و في كتابه آيين نظر كسروي نظرة نقدية واستنكارية لأفكار الغرب بشأن الدين والأخلاق والسياسة والعلم والعلاقات الاجتماعية والأسرية والمظاهر المادية لحضارته، ورأى أن شيوع تلك الأفكار مدعاة للمعاناة والحرمان والشقاء والضلالة والحرب ومؤدية إلى تدمير المسلمين الذين حذّرهم من التلوث بالعادات والمعتقدات الغربية (القسم الأول، 4-14). و قد عدّ رواج انعدام الاعتقاد بالمبادئ الدينية بين المسلمين من منجزات الشرقيين الذاهبيـن إلى أوروبا الذين يريـدون اللحاق ــ بزعمهم ــ بركب الحضارة بأسرع ما يمكن (ن.م، القسم الأول، 14-37)؛ وتأسف بشدة لكون أن هذه المنجزات قد قضت على خصال الشرقيين وأفكارهم الحميدة.
ومهما يكن، فإن جهود المطالبين بالدستورية والإصلاحيين وانتصار الحركة الدستورية فتحت آفاقاً جديدة أمام الناس للإصلاحات الجذرية، لكن هذا الانتصار لم يحقق على الصعيد العملي و في أرض الواقع أهداف الإحياء الديني و لم يتمخض عن إصلاحات اجتماعية جذرية تنسجم ونسيج المجتمع الإيراني. و قد تدخلت في هذا الإخفاق أسباب و عوامل مختلفة من بينها عجز الزعماء عن ترتيب وضع النظام الجديد والغفلة عن التركيبة الفكرية والاجتماعية للأغلبية الساحقة من الناس والعراقيل التي وضعتها الدول الأجنبية واندساس المستبدين والمعارضين للإصلاح في صفوف الحركة. ويعتقد كسروى أن مساعي بعض قيادات الحركة الدستورية لتقليد الحضارة الأوروبية وتعلقهم الشديد بالتفرنج، أدى إلى إخفاق هذه الحركة الإصلاحية (ن.م، القسم الثاني، 28).
أدى حدوث انقلاب عسكري في 1299ش، بقيادة السيد ضياء‌الدين واقتدار رضا خان و من ثم تنصيبه ملكاً إلى القضاء على الكثير من منجزات الحركة الدستورية و لم تفلح جهود إصلاحيين من أمثال مدرّس لترسيخ نظام الشورى والحدّ قانونياً من صلاحيات وسلطة رضاخان الذي كان معارضاً لظواهر مثل الحرية والمساواة وسيادة الشعب وغريباً عنها. و مـن جانب آخر لم تجد بعض إصلاحات الملك الجديد مثل تشكيل حكومة مركزية قوية وإحداث تطورات في نظام التربية والتعليم واستحداث بعض الصناعات الأولية والقيام بإصلاحات في مجالي التجارة والمواصلات نفعاً بسبب هذه الغرابة نفسها مع مفهومي الإصلاح والدستورية، و لم تستطع إحداث إصلاحات جذرية وراسخة في المجتمع (آبراها‌ميان، 102-185؛ فوران، 329-381).
إن اندلاع الحرب العالمية الثانية ونفي رضا شاه، والحريات السياسية والاجتماعية الناجمة عن ذلك، برغم أنها فتحت آفاقاً جديدة أمام الإصلاحيين، لكنها لم تَدُم، وسرعان ما ترسخت أقدام الاستعمار الجديد مصحوبة باستبداد الملك الجديد وعدم اكتراثه بالدستورية والحرية وخاصة بعد الإطاحة بمصدق. و في هذا العهد الذي ينبغي تسميته عهد الاستبداد الجديد قُمعت أغلب الأحزاب والتجمعات المعارضة لنظام الشاه وغادرت الساحة، أو اتجهت إلى العمل السري. وبغية التخفيف من ضغوط المعارضة في الداخل والخارج واستمالة الإصلاحيين، بادر الشاه إلى القيام بتطورات في شتى المجالات الاجتماعية والثقافية مثل الإصلاح الزراعي وتشكيل مجالس الولايات ومكافحة الأمية وإنشاء بعض المصانع، وسعى إلى أن يظهر حكومته بمظهر منفّذ الإصلاحات الجذرية والمؤيد لها، بينما كان الكثير من هذه الإجراءات يجابه بنقد ومعارضة العلماء والإصلاحيين ومناوئي النظام (نجاتي، 1/221 وما بعدها).
و بطبيعة الحال، فإن أحد أهم وجهات نظر معارضي النظام، سواء من بعض المجاميع الماركسية، أو المحسوبين عليها، أو التجمعـات القومية، أو المجاميـع الدينية ـ الثوريـة، كان الجانـب الإصلاحي من رؤاهم، والذين كان بعضهم مثل «حزب ملل إسلامي» (حزب الأمم الإسلامية) يرى الإصلاحات الجذرية في البلاد مرادفة لتغيير النظام. ويمكن تلخيص أهم المطاليب الإصلاحية للتجمعات المعارضة لنظام الشاه في تحقق الاستقلال من هيمنة الأجانب وتحقيق الحريات السياسية والاجتماعية ونشر العدالة وتوسيع نطاق الرفاهية العامة وكذلك مراعاة الأحكام والقوانين الإسلامية، و هو ما كان مطلب الأحزاب الدينية ورجال الدين.
و لم تستطع التيارات الإصلاحية، أو الثورية الماركسية ولأسباب سياسية و اجتماعية أن تلعب دوراً مهماً في التغيير في إيـران. بينما سجّل التيار الإسلامـي ــ مع الأخذ بنظر الاعتبـار قاعدتـه الدينيـة في أوسـاط الجماهيـر ــ قيادته فـي الحركـة الإصلاحية والثورية وخاصة في ثورة «15 خرداد». و إن إقبال الجماهير على قطبي التيار الإسلامي ــ أي التنوير الديني ورجال الدين ــ وهذه الملاحظة المهمة وهي أن بعض الكتل السياسية وبغية اكتساب الشرعية تطرح المبادئ الدينية ضمن أهدافها، أو على الأقل لاتتعرض بشيء للأفكار الدينية، يدعم هذا الرأي؛ خاصة و أن الحركة الإسلامية كانت تطالب خلال نضالها بالإطاحة بالنظام الملكي، و ترى ذلك شرطاً مسبقاً لأي شكل من الإصلاحات الجذرية وتسعى إلى تحقيق ذلك (م.ن، 2/ 79).
وكان الإصلاحيون الدينيون ينقسمون بدورهم إلى قسمين: رجال الدين الحوزويين، والمتنورين المتدينين (ظ: شريعتي، چه بايد كرد، 28)؛ و مع كل ذلك، فإنه في كثير من المواقف والمبادئ كان تعيين حد بين هذين الفريقين أمراً غير ممكن، بل أمراً مستحيلاً. و قد بدأ الإمام الخميني أشهر ممثلي الفريق الأول نشاطه السياسي الدؤوب والمنظم تزامناً مع بدء الشاه بالإصلاحات. و قد أسس مبادئ فكره السياسي والإصلاحي على مواجهة الاستغلال وتحريف الدين وفهمه بشكل خاطئ، وكذلك على السعي إلى تأسيس دولة إسلامية. وكان يرى أن عدة عوامل كان لها دور في تحريف المفاهيم الدينية مما أدت إلى تخلف المسلمين وضعفهم: المستعمرون الذين كانوا يجدون الإسلام عقبة في طريق تحقيق مآربهم والذين كانوا يسعون إلى تحريف حقائقه؛ ارتهاب بعض أفراد المجتمع أمام التطورات المادية للمستعمرين والتأثر بهذه الفكرة الخاطئة القائلة إن السبيل إلى الإصلاح والتطور هو في التخلي عن المعتقدات و في معارضة الأحكام الدينية؛ وضعف الحوزات العلمية التي تعرض ديناً عقيماً يفتقر إلى السمات الثورية والإصلاحية وتقدّم صورة خاطئة عنه (ص 6- 8 ، 19). وعلى هذا، فقد كان الإمام الخميني من المؤيدين المتحمسين لفكرة الاتحاد الإسلامي من أجل مواجهة نفود الأجانب والإلحاد، وكان يدعو المسلمين وخاصة العلماء إلى الثورة ضد الحكام والأجانب (ص 41-45)، وكان يوضّح وجهات نظره بشأن الحكومة الإسلامية. و هو يرى أن مجرد وجود قانون فحسب لايكفي لإصلاح المجتمع، بل إن تطبيقه يستلزم وجود سلطة تنفيذية سليمة ومنفِّذ صالح، ولهذا، فإن الله وإلى جانب تنزيله الأحكام، عيّن الحكومةَ والجهاز التنفيذي أيضاً (ص 26-27، مخ‍ ).
ويعدّ عدد من تلامذة الإمام الخميني وأصحابه أيضاً في عداد الإصلاحيين الشهيرين في هذا العصر. فمرتضى مطهري الذي كانت له رغبة في البحث حول مسيرة الحركات الإصلاحية في العالم الإسلامي كان يرى الإصلاح مصداقاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويعتقد أن كل مسلم بحسب طبيعة الإسلام هو إصلاحي أو مؤيد له، وكان يعتقد أيضاً أن الفكر الديني في البلدان الإسلامية أصيب بالانحطاط و أن عوامل شلّت عملية إحياء الفكر الديني. و في نفس الوقت عَدّ مطهري فكرة «تجديد الدين» على رأس كل 100 سنة، أو 1000 سنة، مسئلة خاطئة، وأن الحديث المنسوب إلى النبي (ص) بهذا الشأن مختلَق («إحيا...»، 112-120، نهضتها...، 10-15)؛ و من جهة أخرى، انتقد المسلمين بشدة وقال إنهم لم يبتعدوا تماماً عن العلم والفن فحسب، بل عن الأخلاق والإنسانية وحقيقة الإسلام، و قد أدى هذا التخلف إلى أن يعد فريقٌ الإسلام سبباً للجمود. وعليه، فإن الخطوة الأولى لإصلاح المجتمع هي إيجاد شكل من أشكال بعث الفكر الديني وإصلاحه وتنويره («إحيا»، 120- 128).
وبرغم أن مطهري رأى أن أي شكل من الإصلاح هو من واجبات علماء الدين و المؤسسة الدينية لعلماء الدين، لكنه وجه إليهم نقداً لأنهم قصروا نشاط الحوزة العلمية على الفقه و لم يستفيدوا من العلوم الحديثة و لم يطوروا أساليب التدريس والبحث، وبشكل عام، فقد هيمن الصمت والجمود على المؤسسة الدينية لعلماء الدين. و في هذا القسم من ملاحظاته طالب بإصلاحات جذرية في المؤسسة الدينية لعلماء الدين، و عدّ هذه الإصلاحات مقدمة للإصلاحات الاجتماعية وإحياء الفكر الديني («مشكل...»، 165- 168، 174-175، 190-191، 196- 198). و لم ‌تكن هذه النظرية مقتصرة على مطهري، فقد كان بعض العلماء أيضاً يطالبون بإعادة النظر في المؤسسة الدينية لعلماء الدين و في المرجعية وأسلوب الإفتاء وإجراء إصلاحات فيها، و يرون أن اختلاف المراجع وتعددهم يشكل عقبة في طريق القيام بإصلاحات اجتماعية جذرية وإحياء الفكر الديني ويعدّون تشكيل مجلس للإفتاء عاملاً لكثير من الإصلاحات (طالقاني، «تمركز...»، 201-211؛ جزائري، 216- 218، 223، 228).
أما في مجال التنوير الديني، فقد قام طالقاني وإلى جانبه أشخاص مثل محمد تقي شريعتي و يد الله سحابي ومهدي بازرگان وعلى شريعتي بدور مهم في تبيان آراء إصلاحية قائمة على تعاليم القرآن والإسلام لعموم الناس وخاصة شريحة الشباب والمتعلمين. و قد وردت آراء طالقاني الإصلاحية في شتى المجالات في تفسيره المسمى پرتوي أز قرآن؛ وفضلاً عن ذلك، فقـد أبدى خلال عهـد الجمهورية الإسلامية فـي إيران ــ حيـث كانت تجرب عملياً أساليب تطبيق تعاليم الإسلام وأحكامه ــ آراء لها صبغة اجتماعية ـ دينية بشكل أساسي (ظ: يادنامۀ أبوذر زمان، مخ‍ (. و قد حاول يد الله سحابي بتأليفه كتاب خلقت إنسان، الذي هو تفسير علمي و عقلاني لآيات القرآن و من خلال إثباته فرضية تطور الأنواع وتكاملها على أساس القرآن أن يتطرق وبنوع من الإصلاح في الرؤية الدينية، إلى مسألة الخلق (ظ: ص 65-111، مخ‍ (. كما كان بازرگان بدوره يركز جهوده النظرية على إثبات الانسجام بين الدين والعلوم الحديثة. و بحسب رأيه، فإنه وبسبب ظهور مسائل مستحدثة في كافة مجالات الفكر و العمل، فإن إيجاد نظرة جديدة من منظار الإسلام للعالم أمر ضروري، وإن على علماء الإسلام أن يتعرفوا أولاً إلى المسائل المستحدثة، وثانياً أن يلبوا من خلال طرح وبحث المسائل المختلفة، الحاجات الفكرية والعلمية المعاصرة، بينما لم تعر الحوزات العلمية أهمية للمسائل المستحدثة و لم يُبد علماء الحوزات رغبة بالخوض في المسائل العلمية الحديثة، ولذا لم يتمكنوا من الإجابة بشكل استدلالي وعلمي على الإشكالات والشكوك الفكرية المعاصرة (ص 109-113، 118-122).
وبدوره أدى علي شريعتي خلال هذه الفترة دوراً متميزاً في ميدان الفكر الديني وقدّم مشاريع للإصلاحات الفكرية والاجتماعية والدينية (مثلاً ظ: چه بايد كرد، 44 ومابعدها، مخ‍ ؛ يوسفي إشكوري، 13 و ما بعدها)، وعَرَض رؤية جديدة أوجدت نهضة خاصة. و من الناحية النظرية يمكن أن تُعدّ أفكاره مزيجاً من تيار إصلاحي معتدل وراديكالية ثورية. والمحاور الرئيسة للإصلاح بحسب رأيه هي: نقد التاريخ والثقافة الإسلامية، تجديد تعريف بعض المعتقدات القديمة بمعايير الفكر الحديث، بحث ونقد التجديد وبعض الإيديولوجيات الغربية، تفسير الدين بوصفه مدرسة عملية وثورية، تقديم الإيديولوجي على الثقافة. وكان جزء من أفكار شريعتي متأثراً بالأفكار الإصلاحية الدينية والاجتماعية للسيد جمال الدين الأسد آبادي وإقبال اللاهوري (شريعتي، نامه...، مخ‍ ؛ يوسفي إشكوري، 34، 38-39، 243-245).
وهؤلاءكانوا جميعاً من الناحية السياسية دعاة الإصلاح الجذري وتغيير النظام. و قد أدى قيام الجمهورية الإسلامية وأهم محاورها، أي ولاية الفقيه إلى ظهور مرحلة جديدة في الفكر السياسي الإسلامي والفكر الديني في المستويين النظري والعملي واتخذ كثير من المعتقدات الاجتماعية والدينية والسياسية معاني أخرى. و لاشك في أنه سيكون لهذه المرحلة الجديدة و مع هذا الحشد من التطورات الفكرية في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، دور وأثر عظيم في عملية التطورات الدينية والاجتماعية المستقبلية في إيران (أيضاً ظ: فوران، 393 و ما بعدها؛ آبراهاميان، 207 ff.).

المصادر:   آخوند زاده، فتح علي، ألفباي جديد و مكتوبات، تق‍ : حميد محمد زاده، تبريز، 1357ش؛ آدميت، فريدون، أمير كبير و إيران، طهران، 1355ش؛ م.ن، أنديشۀ ترقي و حكومت قانون، عصر سپهسالار، طهران، 1351ش؛ م.ن، «أنديشه‌هاي طالبوف»، سخن، طهران، 1345ش، الدورة 16، عد 5؛ م.ن، أنديشه‌هاي ميرزا فتح علي آخوندزاده، طهران، 1349ش؛ م.ن، إيديولوژي نهضت مشروطيت إيران، طهران، 1355ش؛ م.ن، فكر آزادي، طهران، 1340ش؛ م.ن، مقالات تاريخي، طهران، 1352ش؛ أفشار، إيرج، «طالبوف»، يغما، طهران، 1330ش، س 4، عد 5 ؛ م.ن، «كتابچۀ أملاك حاج ميرزا آقاسي»، ن.م، 1343ش، س 17، عد 5 ؛ إقبال الآشتياني، عباس، «ميرزا سيد جعفرخان مشير الدولـة»، يادگـار، طهـران، س2، عد 6؛ أمير كبير ودار الفنون، تق‍ : قدرت الله روشني، طهران، 1354ش؛ أمين الدولة، علي، خاطرات سياسي، تق‍ : حافظ فرمانفرمائيان، طهران، 1355ش؛ بازرگان، مهدي، «انتظارات مردم أز مراجع»، بحثي دربارۀ مرجعيت وروحانيت، طهران، 1341ش؛ تيموري، إبراهيم، عصر بي خبري يا تاريخ امتيـازات در إيـران، طهـران، 1332ش؛ الجـار، حامـد، ديـن ودولـت در إيـران، تج‍ : أبو القاسم سرّي، طهران، 1369ش؛ جزائري، مرتضى، «تقليد أعلم ياشوراي فتوا»، بحثي دربارۀ مرجعيت و روحانيت، طهران، 1341ش؛ جمال الواعظ، جمال الدين، لباس التقوى، تق‍ : هما رضواني، طهران، 1363ش؛ حائري، عبد الهادي، تشيع ومشروطيت در إيران، طهران، 1360ش؛ م.ن، نخستين رويا‌روييهاي أنديشه گران إيران با دو رويۀ تمدن بورژوازي غرب، طهران، 1367ش؛ خان ملك ساساني، أحمد، سياستگران دورۀ قاجار، طهران، 1338ش؛ الخميني، روح الله، ولايت فقيه، طهران، 1357ش؛ رائين، إسماعيل، ديباجة سفرنامۀ ميرزا صالح شيرازي، طهران، 1347ش؛ سجادي، صادق، مقدمة اتحاد إسلام (ظ: هم‍‍ ، شيخ الرئيس قاجار)؛ سحابي، يد الله، خلقت إنسان، طهران، 1351ش؛ سهيلي خوانساري، أحمد، «سفارت أمير نظام وإعزام دانشجويان إيراني به أروپا براي أوليـن بار»، وحيد، طهران، 1343ش، س 1، عد 3؛ سياح، محمد علـي، خاطرات، تق‍ : حميد سياح وسيف الله گلكار، طهران، 1346ش؛ شريعتي، علي، چه بايد كرد، طهران؛ م.ن، نامه‌إي به دفاع أز علّامه إقبال ومسلم ليگ، طهران، 1355ش؛ شيخ الرئيس قاجار، أبو الحسن، اتحاد إسلام، تق‍ : صادق سجادي، طهران، 1363ش؛ طالبـوف، عبد الرحيم، «سفينـۀ طالبي يا كتاب أحمد»، مجموعۀ آثـار، تق‍ : م.ب. مؤمني، طهران، 1346ش؛ م.ن، مسالك المحسنين، القاهرة، 1323ه‍ ؛ طالقاني، محمـود، «تمركـز و عـدم تمركـز درمـرجعيـت وفتوا»، بحثي دربـارۀ مرجعيت وروحانيت، طهران، 1341ش؛ م.ن، حاشية على تنبيه الأمة (ظ: هم‍ ، النائيني)؛ فرهـاد معتمد، محمود، «قرارداد رويتر»، يغمـا، طهران، 1328ش، س 2، عـد 5؛ م.ن، مشير الدولة سپهسالار أعظم، طهران، 1325ش؛ فوران، جان، مقاومت شكننده، تاريخ تحولات اجتماعي إيران، تج‍ : أحمد تدين، طهران، 1377ش؛ الكاشانـي، الملاعبدالرسول، «رسالۀ إنصافية»، رسائل مشروطيت ، تق‍ : غلام‌حسيـن زرگري نژاد، طهران، 1374ش؛ كسروي، أحمد، آيين، طهران، 1356ش؛ م.ن، تاريخ مشروطۀ إيران، طهران، 1316ش؛ محبوبي أردكاني، حسين، «دومين كاروان معرفت»، يغما، طهران، 1344ش،س 18، عد 11؛ المحلاتي الغروي، محمد إسماعيل، «اللآلئ المربوطة في وجوب المشروطة»، رسائل مشروطيت، تق‍ : غلام حسين زرگري نژاد، طهران، 1374ش؛ محيط طباطبائي، محمد، مقدمة مجموعة آثار ميرزا ملكـم خان، طهران، علمي؛ مستشار الدولـة، ميرزا يوسف خان، يك كلمـة، تق‍ : صادق سجادي، طهران، 1363ش؛ مستوفي، عبد الله، شرح زندگاني من، طهران، 1341-1343ش؛ مطهري، مرتضى، «إحياي فكر ديني»، ده گفتار، طهران، 1398ه‍ ؛ م.ن، «مشكل أساسي در سازمان روحانيت»، بحثي دربارۀ مرجعيت وروحانيت، طهران، 1341ش؛ م.ن، نهضتهاي إسلامي در صد سالۀ أخير، طهران، 1363ش؛ ملك زاده، مهدي، تاريخ انقلاب مشروطيت إيران، طهران، 1328ش؛ م.ن، زندگاني ملك المتكلمين، طهران، 1325ش؛ ملكم خان، «حرف غريب»، «رسالۀ غيبيه»، «شيخ ووزير»، مجموعۀ آثار، تق‍ : ربيع زاده، مطبعة المجلس؛ م.ن، «دستگاه ديوان»، «ملحقات رسالۀ غيبيه»، «نوم و يقظة»، مجموعۀ آثار، تق‍ : محيط طباطبائي، طهران، 1327ش؛ ناظم الإسلام كرماني، محمد، تاريخ بيداري إيرانيان، طهران، علمي؛ النائيني، محمد حسين، تنبيه الأمة وتنزيه الملة، تق‍ : محمود طالقاني، طهران، مطبعة غروي؛ نجاتي، غلام رضا، تاريخ سياسي بيست وپنجسالـۀ إيـران، طهـران، 1371ش؛ النجـم‌آبادي، شيـخ هـادي، تحريـر العقلاء، تق‍ : مرتضى النجم آبادي، طهران، 1378ش؛ نجمي، ناصر، إيران در ميان طوفان، يا شرح زندگاني عباس ميرزا، طهران، 1336ش؛ نوري، الشيخ عبد النبي، «تذكرة الغافل و إرشاد الجاهل»، رسائل مشروطيت، تق‍ : غلام حسين زرگري ‌نژاد، طهران، 1374ش؛ يادنامۀ أبوذر زمان، طهران؛ يوسفي إشكوري، حسن، شريعتي، إيديولوژي، إستراتژي، طهران، 1377ش؛ وأيضاً:

Abrahamian, E., Iran Between Two Revolutions, Princeton, 1983; Avery, P., Modern Iran, London, 1965; Browne, E. G., The Persian Revolution of 1905-1907, Cambridge, 1910; EI2; Lambton, A. K. S., »The Impact of the West and Persia«, International Affairs, 1957, vol. XXXIII.
 

 

آخر تعليق
اسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق :
آخر تعليق
MemberComments
Priority
البريد الإلكتروني
Description
Send