أَفْلاطون /شرف الدين خراساني (شرف)

عدد زار : 852
تاريخ النشر : ۱۳۹۵/۴/۳۰
أَفْلاطون، الفيلسوف اليوناني الشهير (427-347 ق.م). ولد بأثينا في شهر آذار، أو تموز 427 ق.م. ينحدر من جانبي أمه وأبيه من أسر نبيلة أثينية بارزة؛ وكان أبوه أرسطون بن أرسطوقليس يوصـل نسبه إلى الملوك الأسطوريين، بل وإلى الإلٰه اليوناني پوسيدون إلٰه البحر وحاكمها. كما أن أمه فريقطيوني3 بنت غلوكون ينتهي نسبها إلى دروبيدس، أحد أقارب صولـون (توفـي ح 560 ق.م) المشـرع والسياسـي الأثني الشهير، وفي قول شقيقه...

 

أَفْلاطون،   الفيلسوف اليوناني الشهير (427-347 ق.م). ولد بأثينا في شهر آذار، أو تموز 427 ق.م. ينحدر من جانبي أمه وأبيه من أسر نبيلة أثينية بارزة؛ وكان أبوه أرسطون بن أرسطوقليس يوصـل نسبه إلى الملوك الأسطوريين، بل وإلى الإلٰه اليوناني پوسيدون إلٰه البحر وحاكمها. كما أن أمه فريقطيوني3 بنت غلوكون ينتهي نسبها إلى دروبيدس، أحد أقارب صولـون (توفـي ح 560 ق.م) المشـرع والسياسـي الأثني الشهير، وفي قول شقيقه. وكان لغلوكون، جد أفلاطون لأمه ابن شقيق يُدعى كريتياس وكان أحد المستبدين الثلاثين الذين قضوا على الديمقراطية الأثينية وأقاموا الحكمَ الأوليغاركي(حكم القلة) فيها وقاموا بكثير من الفظائع بعد هزيمة أثينا في حروب البيلوبونز بين أثينا وإسبرطة في 404 ق.م. وكان لأم أفلاطون شقيق يصغرها سناً يدعى خرميدس وكان هو الآخر أحد المستبدين الثلاثين. كان كريتياس ابن عم أم أفلاطون، و خرميدس، خاله. وقد ذكر أفلاطون هؤلاء جميعاً في كتاباته، ويعدّ بعضهم من المحاورين في «محاورات» أفلاطون. وكان لأم أفلاطون وأبيه ابنان آخران هما أذيماتُس وغلوكون، وابنة تدعى پوتونه. توفي والد أفلاطون وهو لايزال طفلاً، وتزوجت أمه من خالها، المدعو پوريلامپث الذي كـان من المقربين والمرافقين لبركليس (490-429 ق.م) الحاكم والسياسي الأثيني الكبير وكان يعد من الديمقراطيين الأشـداء. وكانت حصيلة هذا الزواج ابناً يدعـى أنطيفون. ويبدو أن أم أفلاطون عرت طويلاً وكانت حية حتى عام 366 ق.م، كما أشار أفلاطون إليها في الرسالة السابعة. ويقال إن الاسم الأول لأفلاطون كان أرسطوقليس، ثم أطلق عليه معلمه للرياضة اسم پلاتون، أي عريض المنكبين وذلك بسبـب ضخامته.

لاتتوفر معلومات كثيرة عن طفولة أفلاطون. واستناداً إلى رواية ديوجينس لايرتيوس في «حياة وعقائد مشاهير الفلاسفة» (الكتاب III، الفصل 3)، فإنه كان قد تعلم قواعد اللغة والموسيقى والرياضـة (الجمنازية)، وكان يشارك بعدها في العروض الرياضية للأبطال، وكان كذلك يمارس الرسم وينظم الشعر؛ لكنه بعد تعرفه إلى سقراط أحرق أشعاره. ومع هذا، فقد خلف عدة أشعار غنائية قصيرة وشيئاً من الشعر الملحمي. وقيل إنه كان قد تعلم الفلسفة لدى كراتيلوس من أتباع هرقليتوس، الفيلسوف الشهير الذي سبق سقراط وكذلك لدى هيرموغينيس من أتباع فلسفة برمنيديس (ظ: أرسطو، الميتافيزيقا، الكتاب I ، الفصل 6، الورقة 987a). وقد انضم أفلاطون وهو في العشرين من عمره (407 ق.م) إلى حلقة تلامذة سقراط. ويستشف من كتاباته أن سقراط كانت له معرفة بخرميدس، خال أفلاطون منذ 431 ق.م وكذلك بكريتياس. وبشهادته هو في أبولوجي4 ( أبولوجيا، أو دفاع سقراط)، فإن أفلاطون كان حاضراً في المحكمة لدى محاكمة سقراط وكان قد ضمن لسقراط دفع غرامة مع آخرين (ص 38B). لكنه من جهة أخرى، يقول في محاورة فيدون59B) إنه كان مريضاً عند موت سقراط في السجن (399 ق.م)، ولم يستطع أن يكون قريباً من أستاذه في الساعات الأخيرة من حياته .

كان أفلاطون قد أمضى 8 سنوات مع سقراط. وقد ذكر في «الرسالة السابعة» وقائع هذه الفترة بتفاصيلها (ص 324B-326B) وقال: بعد هزيمة أثينا وتولي الطغاة الثلاثين الحكم ــ الذين كان على قرابة، أو معرفة ببعضهم ــ طُلب إليه أن ينضم إليهم، إلا أنه وبعد اطلاعه على مظالمهم وفظائعهم نأى بنفسه عنهم وأدرك أن مسلكهم جعل النظام السياسي القديم بالنسبة إلى حكمهم ذهبياً. وقد اشتد نفوره من الطغاة بشكل خاص عندما دعوا سقراط إلى التعاون معهم وطلبوا إليه أن يشارك الآخرين في قتل أحد المواطنين، فامتنع سقراط عن ذلك. وبعد سقوط الطغاة الثلاثين وعودة الديمقراطية إلى أثينا (في 403 ق.م) عزم أفلاطون على أن يدخل معترك السياسة بدافع رغبته الدائمة في الأنشطة السياسية؛ لكنه هذه المرة أُحبط ويئس أيضاً، ذلك أن ديمقراطيي أثينا حاكموا أستاذه و حكموا عليه بالموت. وقد أدت هذه الواقعة به إلى أن يعتزم اعتزال السياسة إلى الأبد. وهكذا، ولما كان مؤيدو سقراط غير مرغوب فيهم في أثينا آنذاك، فقد ذهب أفلاطون مع عدد من أنصار سقراط الآخرين إلى مدينة ميغارا على بعد 40كم عن أثينا عند يوقليدس (ح 450-370 ق.م) الذي كان أحد أقدم تلامذة سقراط. وكان هذا الرجل قد ذهب إلى تلك المدينة بعد موت سقراط وأسس مدرسة فلسفية فيها.

أسفاره:  استناداً إلى روايات كتّاب سير أفلاطون، فإنه سافر أولاً إلى قورينة، إحدى مهاجر اليونان في شمال أفريقيا ليلتقي هناك بعالم الرياضيات، ثيودوروس. ثم ذهب إلى بلاد اليونان الكبرى، أي إيطاليا للقاء فيلولاوس الفيلسوف وممثل المدرسة الفيثاغورية ولقاء عالم رياضيات آخر، يدعى يوروتوس1. كما كان قد أمضى فترة عند أرخيتاس، الرياضي الكبير في مدينة تاراس (أو تارانتو) في جنوب إيطاليا. كذلك يقال إنه كانت له رحلة إلى مصر فيما يبدو؛ وبرغم وجود اختلاف في الآراء بشأن هذا الموضوع، لكن يحتمل أن يكون ذلك صحيحاً، إذ إنه يتحدث في بعض كتاباته (وبشكل خاص في «القوانين2»، 656E) عن العلوم في مصر وطريقة التعليم والتربية هناك بشكل يدل على مشاهدات ومعلومات تلقاها بنحو مباشر. لكن أهم رحلات أفلاطون كانت 3 رحلات إلى مدينة سرقوسة في جزيرة صقلية. وكانت هذه الجزيرة أحد المراكز الرئيسة لأنشطة الفلاسفة من أتباع فيثاغورس، وهناك اطلع أفلاطون على نظرتهم العالمية وأسلوب حياتهم وتأثر بهم بشدة وكما سنرى، فإن نظرة الفيثاغوريين العالمية وتعاليمهم تشكل عناصر بارزة من فلسفة أفلاطون.

تمت أول رحلة له إلى سرقوسة في 389- 388 ق.م، حيث يقول هو في «الرسالة السابعة» (ص 324A) التي كان قد كتبها قبل وفاته بقليل: كنت في الأربعين من عمري تقريباً عندما جئت إلى سرقوسة لأول مرة. وهو يشير في نفس الرسالة (ص 324B-326B) إلى حوادث فترة حكم الطغاة الثلاثين ويضيف: وجدت في نفسي مرة أخرى رغبة في المشاركة بالخدمات العامة والسياسة. عندها وبعد الإشارة إلى فظائع أولئك الطغاة الثلاثين ومن ثم محاكمة سقراط، يقول: كلما كانت السنوات تتصرم عليّ كان التناول الصحيح للأمور السياسية يبدو لي أكثر عسراً، ذلك أن الإقدام على نشاط ما كان مستحيلاً من غير وجود أصدقاء وأنصار موثوق بهم، وكما لم يكن العثور على أشخاص كهؤلاء أمراً يسيراً، ذلك أن دولة مدينتنا لم تعد تدار بحسب مبادئ ومؤسسات آبائنا، وإن القوانين المدونة والتقاليد والعادات تسير نحو الزوال بسرعة. وبالنتيجة، وبرغم أنني كنت بادئ الأمر مفعماً بالرغبة العارمة في المشاركة بالخدمات العامة، إلا أنني وبعد مشاهدتي كل تلك الأمور أصبت بالدوار أخيراً. وضمن مواصلتي في التدقيق بهذا الشأن: بأي وسيلة يمكن إحداث تحسن في أعمال الحكومة، فقد كنت انتظر الفرصة دائماً من حيث النشاط السياسي، إلى أن أدركت أخيراً ــ مع الأخذ بنظر الاعتبار جميع الحكومات القائمة حالياً ــ أنها بأسرها تدار إدارة سيئة، ذلك أن قوانينها عصية على العلاج تقريباً من غير حساب عميق للقضاء. وعندها وفي مديحي للفلسفة الصحيحة اضطررت إلى أن أعلن أنه يمكن إقرار العدالة السياسية والفردية بهذه الوسيلة، وقلت: «إن أنواع مساوئ البشر لاتنتهي، إلا إذا أصبح جمع من الفلاسفة الصادقين والحقيقيين قادة الشؤون السياسية، أو أن يصبح رجال السلطة في دولة المدينة فلاسفة حقيقيين بسبب منحة، أو هبة إلٰهية» (أيضاً ظ: «الجمهورية3»، 487D,501E).

وحينها يقول أفلاطون إنه كان قد ذهب إلى إيطاليا وصقلية لأول مرة حاملاً هذه الفكرة («الرسالة السابعة»، 329 B). وآنذاك كان ديونيسيوس الأول (ح 430-367 ق.م) حاكماً طاغية لسرقوسة؛ ويقال إنه كان قد دعا أفلاطون للقدوم إليها، وبرغم أنه لايمكن الوصول إلى رأي جازم بهذا الشأن، لكن لما كان ديونيسيوس في ذروة اقتداره في ذلك الحين، وكان يسعى إلى دعوة الفلاسفة والفنانين إلى بلاطه، فيحتمل أن يكون قد دعا أفلاطون أيضاً إليه، ذلك أن أفلاطون لم يكن من الأسر النبيلة في أثينا فحسب، بل كان له صيت كفيلسوف بارز أيضاً وكان قد كتب قبل ذلك عدة «محاورات». ومهما يكن، فإن العلاقات بينه وبين أفلاطون لم تكن تخلو من توتر، ولم تكن الحياة الفارهة لسرقوسـة وديونيسيوس لتروق لذوق أفلاطـون (ظ: ن.م، 326 B-C).

غير أن أهم الوقائع التي حدثت لأفلاطون في هذه الرحلة كانت تعرفه إلى ديون (ح 409-354 ق.م)، وكان شقيق الزوجة الثانية لديونيسيوس وكان حينها في العشرين من عمره. وقد وجده أفلاطون ــ كما ورد في «الرسالة السابعـة» ــ شاباً ذكياً سريع التعلم. وقرر في حواره معه أن يعلمه ما هو «الأفضل لبني البشر» ويحفزه على أن يحقق ذلك عملياً، لكنه وكما قال هو نفسه لم يكن يعلم أنه لا إرادياً كان يعلمه تدبير قلب نظام الاستبداد والطغيان. وكان ديون يصغي إلى كلام أفلاطون بشكل من الدقة والولع لم يكن أفلاطون قد رأى معه حتى ذلك الحين شاباً مثله. واستناداً إلى أفلاطون، فإن ديون عزم على أن يضع جانباً أسلوب حياة أغلب السكان في سرقوسة وصقلية ويقف بقية حياته على اكتساب الفضيلة وليس اللذة والرفاهية (ن.م، 327).

وربما كانت فترة إقامة أفلاطون في سرقوسة خلال هذه الرحلة، 2 إلى 3 سنوات. وفي هذه الأثناء، كان قد واجه مصاعب وضغوطاً كبيرة في تعامله ديونيسيوس، وأخيراً قرر مغادرة سرقوسة. لكن يقال إن ديونيسيوس أصدر أمراً بأن ترسو السفينة التي كان يفترض أن تعيد أفلاطون إلى أثينا، في جزيرة إيجينا؛ وكانت هذه المدينة آنذاك في حالة حرب مع أثينا. وبحسب القوانين اليونانية وبشكل خاص في إيجينا كان ينبغي أن يقتل أفلاطـون، أو يباع رقيقاً؛ وفي تلك الأثنـاء رأى أحدُ الأصدقـاء ــ وكان من أهل قورينة ويدعـى أنيقيرس ــ أفلاطـون في سوق الرقيق، فاشتراه وأعاده إلى أثينا.

عقب وفاة ديونيسيوس خلفه ابنه، ديونيسيوس الثاني وكان قد نشأ في الرخاء والنعيم، وكان أبوه قد سعى إلى منعه من الانخراط في الأعمال السياسية واكتساب التجارب، ذلك أنه كان يخشى تآمره عليه. وفي ذلك الحين، كانت شهرة ديون وجماهيريته قد ازدادت وكان أعداؤه يحاولون تخويف الطاغية الصغير منه؛ لكن ديون الذي كان رجلاً عنيداً كان يسعى إلى حث ديونيسيوس الثاني على دعوة أفلاطون للسفر إلى سرقوسة. وقد تسلم أفلاطون رسالة الدعوة في 367، أو 366 ق.م وقبل الدعوة، لكن سرعان ما احتدم الصراع والتوتر بين ديونيسيوس وديون بعد وصول أفلاطون إلى سرقوسة؛ فحاول التوسط، لكن جهوده ذهبت سدىً، حيث أمر ديونيسيوس بعد 3 أشهر بوضع ديون في سفينة صغيرة وإبعاده عن سرقوسة (ظ: ن.م، 329B-C). وبينما كان ديونيسيوس يحاول استمالة أفلاطون إلى جانبه وكسب محبته، منحه منزلاً في القصر الواقع في قلعة المدينة، حيث كان في الظاهر ضيفه، لكنه في الحقيقة كان سجيناً لديه. وفي 365 ق.م بدأت الحرب بين ديونيسيوس ومعارضيه، فاضطر إلى الخروج من سرقوسة؛ وأذن لأفلاطون بالعودة إلى أثينا ووعد بأنه إذا انتهت الحرب، فسيدعوه مع ديون إلى سرقوسة. وخلال ذلك، ذهب ديون أيضاً إلى أثينا، وكان قد اشترى هناك قطعة أرض ومنزلاً قرب «أكاديمية» أفلاطون.

كانت الرحلة الثالثة لأفلاطون إلى سرقوسة أيضاً بدعوة من ديونيسيوس، رغم أنه تردد قليلاً في قبولها. بادر ديونيسيوس في البدء إلى استقباله بحرارة وتحدث إليه حول قضايا فلسفية و كذلك علاقته مع ديون؛ لكن جهود أفلاطون لإعادة المياه إلى مجاريها بينه وبين ديون لم تثمر ووصل إلى قناعة هي أن إقامته لدى ديونيسيوس لافائدة منها. وخلال ذلك، فإن طاغية سرقوسة أصدر أمراً عقب نفي ديون بمصادرة جميع أملاكه وأمواله. قرر أفلاطون الذي كان متألماً من هذا الإجراء، العودة إلى أثينا. كان الزمن صيفاً ووقت رفع أشرعة السفن. استخدم ديونيسيوس الحيلة بغية إغراء أفلاطون بالبقاء ومنعه من السفر في السفينة. وبعد فترة حل الشتاء. تطلع أفلاطون الذي كان كما يقول «كالطير الذي ينتظر الانعتاق من القفص»، إلى الخارج («الرسالة السابعة»، 347E-348A)، ورجا صديقه، أرخيتاس، عالم الرياضيات الكبير في تارانتو، أن يتوسط بينه وبين الطاغية. وقد نجح في أخذ موافقة ديونيسيوس بالإذن لأفلاطون بالعودة إلى أثينا والتكفل بنفقات سفره. وبعد قليل من عودة أفلاطون إلى اليونان، التقى ديون في دورة الألعاب الأولمبية. وكان ديون آنذاك يفكر في إعداد جيش للتوجه نحو سرقوسة والانتقام من ديونيسيوس وقد طلب إلى أفلاطون أن يدعمه في ذلك، لكنه أبى. وأخيراً وفي 357 ق.م، هاجم ديون بجيشه سرقوسة (ظ: ن.م، 350).

قام ديون أولاً بطرد ديونيسيوس من المدينة، ثم من القلعة وتسلم مقاليد الأمور؛ واضطر هو أيضاً إلى اللجوء إلى القسوة والظلم، وأخيراً قتل بتحريض من أحد أعضاء أكاديمية أفلاطون الذي يدعى كاليپوس (عن حياة ديون، ظ: برفيه، 741-881).

تأسيس الأكاديمية:  عقب عودته من رحلته الثانية من سرقوسة إلى أثينا (388-387 ق.م) أسس أفلاطون مدرسة (جامعة) باسم الأكاديمية، الموضع الذي كان قد أخذ اسمه منذ القرن 6 ق.م خارج بوابات أثينا في منطقة مقدسة، تدعى هيكاديميا1 ويعود أصلها إلى بطل اسمه هيكاديموس، وكان ذلك الموضع ملعباً للشبان يتردد سقراط إلى أجمة قريبة منه لسنوات كما يقول هو (ظ: أفلاطون، ليسيس2، 203). وفي 1968م استخرج من تحت التراب حجر حدود يتعلق بسنة 507 ق.م في شارع طرابلس في أثينا مكتوب عليه: «حجر حدود الأكاديمية». ومنذ سنوات وعمليات التنقيب متواصلة في تلك المنطقة على أمل العثور على موضع الأكاديمية. ويقال إن أفلاطون كان في البدء ــ شأنه شأن سقراط ــ يلقي دروساً في ذلك الملعب، ثم اشترى حديقة في تلك المنطقة قيل إن صديقه، أنيقيرس، أو ديون دفع ثمنها (ظ: ديوجينس لايرتيوس، الكتاب III ، الفصل 21). وعقب وفاة أفلاطون، ظلت أكاديميته لما يقرب من 900 سنة كأول جامعة في العالم مركزاً لتعليم الفلسفة والعلوم. وفي 86 ق.م وعقب حصار دكتاتور روما الشهير، سلا (137- 78 ق.م) لأثينا، نقلت هذه الأكاديمية إلى داخل أثينا، وأخيراً وفي 529م، أغلقت بأمر من إمبراطور روما، يوستينيانس، ولجأ آخر فلاسفة الأكاديمية وأساتذتها في 531م إلى البلاط الساساني في إيران (على عهد أنوشروان) (ظ: خراساني، 90-91، الهامش).

لاتتوفر رواية معتد بها عن أسلوب حياة أفلاطون وعمله في الأكاديمية، لكن يمكن القبول بأن البرنامج الذي طرحه حواره الشـهيـر «هيكـليـة الـدولـة»، أو «السيـاسـة3» ــ الـذي عـرف بـ «الجمهـوريـة4» خـلافـاً لـمـعنـاه الأصـلـي ــ لتعليـم وتربيـة الفلاسفة، كان يطبقه في الأكاديمية أيضاً. وبحسب هذا البرنامج يعيِّن أفلاطون 15 سنة لتعليم الفلاسفة، أي 10 سنوات لتعلم العلوم الرياضية (الحساب والهندسة المسطحة والفراغية وعلم الفلك والموسيقى النظرية، أو الهارمونيك) و 5 سنوات أخرى للتعليم الفلسفي الخاص الذي يسميه أفلاطون الديالكتيك. وكان الشبان في سن العشرين يُقبَلون لتلقي هذه العلوم (ظ: «الجمهورية»، 537B-D,539D-E). وكان لتعلم العلوم الرياضية في الأكاديمية أهمية خاصة، بحيث كان قد كتب على مدخل الأكاديمية: «لايدخلن من لايعرف الهندسة»، وكان أبرز علماء الرياضيات آنذاك من المرتبطين بالأكاديمية؛ ويجدر ذكر أشخاص منهم مثل أوذكسس (408-355 ق.م) الذي كان يصغر أفلاطون بعشرين عاماً، وثيايتيتوس1 (ح 420- ح367 ق.م) الذي سميت إحدى محاضرات أفلاطون باسمه. وكانت حركة الحياة في الأكاديمية تبدأ كل صباح بالدعاء والاستعانة بالموزيّات (آلهة الفنون لدى اليونان) وبشكل خاص أبولون إلٰهة النور وباعثة الحياة. وغالباً ما كان أفلاطون يتناول طعامه مع تلامذته في الأكاديمية؛ وكان نفسه يدرس في الأكاديمية، أو بعبارة أخرى كان يخطب، ثم ينبري مع تلاميذه النقاش حول المواضيع المطروحة . ولم يكن إطلاقاً يتحدث بموجب برنامج معدٍّ سلفاً.

وكان أفلاطون يأخذ على عاتقه إدارة الأكاديمية لما يقرب من 40 عاماً؛ كان التلاميذ خلالها يتوجهون إليه من جميع أرجاء اليونان وكذلك من البلدان الشرقية. وهناك دلالات على أنه كان لأفلاطون بين الإيرانيين أيضاً تلامذة ومادحون. وهنا تجدر الإشارة إلى أنه يوجد اليوم 20 تمثالاً لأفلاطون في أرجاء العالم استنسخت كلها عن أصل يوناني واحد يقال إن إيرانياً يدعى ميثريداتيس (مهرداد) بن أورونتوباتيس (أردوان؟) أوصى بصنعه رساماً ونحاتاً، يدعى سيلانيون (القرن 4 ق.م) ووقفه على الموزيّات في أكاديمية أفلاطون (ظ: ديوجينس لايرتيوس، الكتابIII  ، الفصل، 25؛ أيضاً يوستي، 235). ويحتمل أن يكون العمل بهذا التمثال قد انتهى قبل موت أفلاطون بقليل، أي حوالي 350 ق.م .

وكانت السنوات الأخيرة من حياة أفلاطون إحدى أكثر فترات تاريخ أثينا ازدحاماً بالحوادث، بل وأكثرها مأساوية. فلم يتحقق أي من آمال أفلاطون وأهدافه في هيكلية الدولة والمجتمع، بل وكانت تبدو مستحيلة التحقيق. فخلال السنوات الأخيرة من حياة أفلاطون، كانت اليونان قد اصطبغت بصبغة أخرى، حيث كان فيليب (حك‍ 359-336 ق.م)، حاكم مقدونيا ووالد الإسكندر الكبير قد أثار عاصفة في اليونان، وكان أقرب أنصار أفلاطون قد ماتوا وكان ديون قد قُتل وثيايتيتوس قد جُرح هو الآخر في معركة ومات؛ كما أن صديقه الأصغر منه أوذكسس قد مات. وأخيراً توفي هو في الحادية والثمانين من عمره في 347 ق.م خلال حضوره حفل عرس، ودفن في موضع الأكاديمية (عن أحدث الدراسات بشأن حياة أفلاطون، ظ: ريجينوس، «أفلاطونيات2»).

المكتوبات:  كان ‌فلاطون يفضل‌الحقيقة المحكية على الحقيقة المكتوبة. ذلك أنه كان يرى أن الكتابة لايمكنها أن تجيب على الأسئلة التي تمر بذهن القارئ خلال القراءة. وكان قلقاً من أن تقع الموضوعات الفلسفية الراقية بأيدي العوام، حيث يقول في رسالة: حذار أن تُفشى هذه المسائل لغير المفكرين؛ ذلك أنه لاشيء في رأيي أكثر منها ضرراً على العوام؛ ومن ناحية أخرى، لاشيء أكثر إلهاماً وإثارة للإعجاب منها لذوي الفِطَر السليمة ... وأكبر‌‌ حارس لها هو أن تُتجنب كتابتها، ويتم تعلمها عن‌ طريق الذاكرة ... ولهذا لم أكتب عنها شيئاً أبداً، ولا ولن توجد أية كتابة لأفلاطون بهذا الشأن، بل إن ما هو موجود اليوم باسم أفلاطون يعود لسقراط، لكنه أصبح جميلاً وشاباً (ظ: «الرسالة الثانية3»، 314).

وفي موضع آخر أيضاً يشير أفلاطون بهذا الشأن إلى أمور عميقة ومهمة، فيقول: عن هذه الموضوعات [أي الموضوعات الفلسفية الراقية] لا ولن توجد كتابة لي على الإطلاق. وإن هذا الأمر لايمكن إطلاقاً أن يقال مثل التعاليم الأخرى، بل إن نوراً يتأجج فجأة إثر المعاشرة والمعايشة الطويلة وكأنه يشتعل من شرارة بارقة حين تصل إلى الروح تغذي نفسها بنفسها. ومهما يكن، فأنا أعلم أنه إذا كان المقرر أن تكتب هذه الموضوعات أساساً، أو تقال، كان من الأفضل أن أقوم أنا بإيضاحها؛ كذلك أعلم أنني أخشى أكثر من الجميع من أن تكتب بشكل سييء وإن كان يخطر ببالي أن هذه الموضوعات ينبغي أن تقال، أو تكتب للجميع بشكل لائق، فأي شغل في الحياة كان يمكن أن يكون لي من كتابة أمور كهذه تكون نافعة للبشر وتنير الوجود؟ («الرسالة السابعة»، 341).

ومع هذا، فقد كان أفلاطون يكتب لما يقرب من 50 سنة، ولكتاباته سمة خاصة وهي أنها جميعاً على شكل محاورات. ويمكن التساؤل لماذا كان أفلاطون قد اختار هذا الشكل لتبيان أفكاره الفلسفية؟ والجواب نجده لديه هو، حيث يقول: للكتابة أثر عجيب وهي في حقيقتها كالرسم، ذلك أن أعمال الرسم تشبه الأشياء الحية، لكنها إذا طرح أحد عليها سؤالاً تصمت بوقار. كذلك الأمر بالنسبة للكلام المكتوب، فيبدو أنه يتحدث وكأنه ذكي، لكن حين تتساءل وتريد أن تعرف ماذا يقول، فإنه يقول نفس الشيء على الدوام. فكل كلام عندما يكتب يتجه كل اتجاه، سواء لأولئك الذين يفهمونه، أم لمن لا رغبة لهم فيه. فالمكتوب لايعلم مع من يتكلم ومع من يرفض الكلام. وحتى حين يساء إليه، أو يسمع شتائم ظلماً يكون بحاجة إلى أن يعينه أبوه [كاتبه]، ذلك أنه لاقدرة له للدفاع عن نفسه، أو مساعدة نفسه ( فيدروس، 275D-E). لكن هناك شكل آخر من الكلام أيضاً وهو الكلام الذي يكتب على أساس المعرفة بروح (بذهن) المتلقّي، ويستطيع أيضاً الدفاع عن نفسه، وكذلك يعلم مع من يتكلم وبين يدي من يلتزم الصمت (ن.م، 276A).

ومن هنا تتخذ كتابات أفلاطون شكل المحاورات. وهذه الكتابات هي أشباح الأقوال الحية وتكمن أهميتها في أن الكاتب وغيره يذكرون شيئاً تعلموه من قبل وبواسطة طرق أخرى. ويمكن الحصول بشكل أفضل على حقيقة، أو ماهية أي موضوع، أو أي شيء عن طريق الحوار بين عدة أفراد وتناولها من جميع الجوانب، بلوغها بشكل علمي، أي أنه عندما يبحث في موضوع على أساس استنتاجات وأفكار مختلفة، يمكن البحث في كليته عن طريق الحوار بشكل أفضل وأشمل مما لو كان شخص واحد يتناوله بأفكاره لوحده. من هنا، فإن أهم نتائج أسلوب الفكر الفلسفي لأفلاطون يتبلور عن طريق «السؤال والجواب» بأكثر الأساليب علمية، أي الديالكتيك (ظ: «الجمهورية»، 534 E).

وفي تاريخ الأدب اليوناني، فإن أفلاطون هو الفيلسوف الوحيد الذي اتخذ من أسلوب المحاورات وسيلة لإيضاح فلسفته. وكان يبدو في أول محاوراته كشاعر فيلسوف، أو فيلسوف شاعر. والصفة الدرامية في هذه المحاورات مثيرة للدهشة. فنحن نجد في المحاورات المعروفـة بـ «السقراطيـة» محـاورات عادية بيـن شخصين كلها باللهجة السائدة في منطقة آتيكا، أي أثينا وضواحيها. لايمكن أن نجد في الأدب اليوناني بأسره مثيلاً لها من حيث الجاذبية والأصالة. يتوهج فيها الحماس والهيام الشاعري لفترة شباب أفلاطون. يستخدم أفلاطون هذا الأسلوب حتى فترة شيخوخته تقريباً؛ وفي محاورات فترة شبابه يبلغ نثره حد الشعر الغنائي وهو مفعم بالحماس وآسر للقلوب. ومن جهة أخرى، فهناك روايات تشهد على أن أفلاطون إلى جانب ما قدمه في كتاباته من أفكاره وآرائه وزيادة على ذلك، كان يتحدث في حلقات درسه عن مسائل وموضوعات أخرى لم يكن يطرح أياً منها في كتاباته. يتحدث أرسطو عن «آراء أفلاطون غير المكتوبة» ( الفيزياء، الورقة b 209، السطر 15).

كذلك يقال إنه كانت لأفلاطون سلسلة دروس حول «الخير، أو الحسن» في السنوات الأخيرة من حياته، وكان عدد من تلامذته ومنهم أرسطو يدونونها، وتوجد اليوم قطع منها. وقد أصبحت دروس أفلاطون غير المكتوبة التي هي من هذا القبيل، فيما بعد ــ وبشكل خاص في العصور الحديثة ــ موضوع بحوث كثيرة. ويتضح من هذه القطع الباقية أن أفلاطون كان له في نهاية حياته ولع أكبر من قبل وبشكل متزايد في الرياضيات وكان متأثـراً بالنظرة العالميـة للفيثاغورييـن وعقائدهم (بهذا الشـأن، ظ: غايـزر، «تعاليم أفلاطون غيـر المكتوبـة1»؛ قا: «الفكـرة والعدد، دراسات في الفلسفة الأفلاطونية2»).

وفضلاً عن المحاورات، توجد أيضاً 13 رسالة لأفلاطون بعضها قصير وقليل الأهمية، بينما يحظى البعض الآخر بأهمية خاصة. وعن أصالة هذه الرسائل أيضاً تختلف وجهات نظر علماء الأفلاطونيات، حيث يشكك البعض في أصالتها بأسرها، ويرى آخرون أن بعضها أصيل، بينما يعدّها البعض الآخر من صنع كتّاب العصور اللاحقة. ومن بينها، فإن ما عدّه جميع علماء الأفلاطونيات تقريباً حتى الآن أصيلاً هو الرسالة السادسة و السابعة والثامنة، حيث كان «الرسالة السابعة» هي الأهم. فهذه الرسالة التي كانت قد كتبت بعد مقتل ديون (354 ق.م) ليست وصفاً وافياً لعلاقة أفلاطون بديونيسيوس الأول والثاني فحسب، بل ضمنت فيها نظرية «المُثُل، أو الصور»، كما يجري فيها الحديث عن الأسس الأصيلة لفلسفة أفلاطون. ويستفاد من مضمونها أن أفلاطون كان له نمطان من التعليم الفلسفي: الأول ما قُدم في المحاورات لفئة أكبر من القراء، والثاني ماكان خاصاً بحلقة صغيرة من المستمعين؛ أي تعليم ظاهري وتعليم باطني.

إن كتابات أفلاطون الأصيلة وكذلك بعض الكتابات المنسوبة إليه كانت قد جمعت ونشرت بعد قرن من وفاته. وكانت قد كتبت بادئ الأمر على أوراق البردي، ثم على الورق. وكما أُشير، فإن الدراسة والبحث في فلسفة أفلاطون قد توقفا بعد إغلاق الأكاديمية في 529م. كانت هيمنة النظرة العالمية للكنيسة الكاثوليكية قد أبعدت فلسفة أفلاطون عن الساحة. وأخيراً وفي القرن 11م وجدت مخطوطات آثار أفلاطون مرة أخرى طريقها إلى أوروبا وتم التعريف بها بشكل خاص من قبل پسيلوس3 (1018- 1078م)، الفيلسوف البيزنطي المناصر لفلسفته. جدير بالذكر أن محاورة «الجمهورية» هي إحدى أهم آثار أفلاطون والتي كانت ومنذ القرن 5م حتى 1000 سنة تلت قد أودعت زوايا النسيان في أوروبا. وحتى التعرف بأفلاطون نفسه أيضاً كان قليلاً جداً خلال القرون الوسطى في أوروبا. والشيء الوحيد الذي كان يُعرف عنه هو قسم كبير من محاورة تيمايوس التي كان كالسيديوس (القرن 4م) قد ترجمها إلى اللاتينية؛ بينما كان أفلاطون كثيراً ما عرف بشكل أكبر في العالمين الثقافي والفلسفي الإسلاميين. وكان تأثير أفلاطون على فلاسفة القرون الوسطى في أوروبا غير مباشر في نظرية «الكليات» الشهيرة لدى الواقعيين؛ لكن مع بلوغ عصر النهضة في أوروبا ولد أفلاطون أيضاً من جديد. فقد ترجم الفيلسوف الإيطالي، مارسيليو فيتشينو (1433-1499م) جميع آثار أفلاطون إلى اللاتينية ونشرها في 1477م.

وفي العصور الحديثة، طبعت نصوص كتابات أفلاطون لأول مرة وصدرت بباريس في 3 مجلدات في 1578م بتحقيق هنري إستين4 (ح 1528- 1598م). ومنذ ذلك الحين وإلى يومنا، تتم الإحالة إلى أرقام الصفحات وأقسام محاورات أفلاطون في هذا التدوين، في جميع الكتابات والترجمات والبحوث التي تتم حول أفلاطون. لكن وكما أشرنا، فإن آثار أفلاطون وإلى قرن بعد وفاته لم تكن قد جمعت بعد؛ وقد جمعها لأول مرة أرسطوفانيس البيزنطي (ح 257-180 ق.م) في مجموعات تضم كل واحدة 3 محاورات، أو ما يسمى اصطلاحاً «تريلوجي». وأخيراً وعلى عهد تَيبريوس، إمبراطور روما (42 ق.م ـ 38م) جمع رجل مرتبط بالمدرسة الفيثاغورية ويدعى ثراسولوس كتابات أفلاطون في 9 مجاميع، تضم كل مجموعة 4 محاورات (كانت تسمى عادة «تترالوجي»). وهذا هو التدوين الذي بقي كاملاً تقريباً حتى اليوم ويضم 36 كتاباً.

ومنذ القرن 19 وما بعده، قسم علماء الأفلاطونيات كتاباته إلى 4 مجاميع محددة: 1. محاورات فترة الشباب، وتشمل أبولوجي (دفاع سقراط)، كريتون1، إيون2، پروتاغورس3، لاخيس4، ليسيس، خرميدس5، يوثيفرون6؛ 2. كتابات فترة التحول والتكامل وتشمل غورغياس7، مينون8، يوثيديموس9، «هيبياس الصغرى10»، كراتيلوس11، «هيبياس الكبرى12»، منكسينوس13، الكتاب الأول «الجمهورية»؛ 3. كتابات فترة النضج وأواسط العمر وتشمل «المأدبة14» (الشركة في الشراب)، فيدون15، الكتاب الثاني إلى العاشر «الجمهورية»، فيدروس؛ 4. مؤلفات مرحلة الشيخوخة وتشمل ثيايتيتوس16، برمنيديس17، السوفسطائي18، « السياسي19»، فيليبوس20، تيمايوس21، كريتياس22، «القوانين»، إپينوميس23. وهناك اختلاف في الرأي بشأن أصالة بعض هذه المحاورات مثل «هيبياس الكبرى» وألكيبياديس24.

ونطرح هنا باختصار الموضوع الرئيس والمحوري لكل واحدة من هذه المحاورات، ولما كانت فلسفة أفلاطون سيتم تناولها بشكل منفصل، فسنغض النظر عن التحليل التفصيلي لكل واحدة منها:

1. محاورات مرحلة الشباب: يقتصر الكلام في أبولوجي وكريتون على سقراط وأفكاره وشخصيته، وتتناول إيون الفرق بين العلم والشعر وتستنتج أن الشعر نابع من الإلهام الإلهي ولايقوم على المعرفة، أو العلم. وتطرح پروتاغورس المسألة السقراطية الأساسية وهي أن «الفضيلة25» مكتسبة وهي ذات وحدة. والمعيار الأساسي للفعل والسلوك الصحيح هو إيجاد اللذة ونيلها وإزالة الألم والمعاناة، والشرط المسبق للعمل الصالح هو معرفة ميزان اللذة والألم. وفي المحاورات التالية لهذه المجموعة، يتم السعي لبحث ماهية كل واحدة من الفضائل بشكل منفصل. و تنبري لاخيس لتعيين ماهية البطولة، أو الشجاعة لكنها لاتصل إلى نتيجة محددة. وتبحث خرميدس ماهية «الذكاء»، أو «ضبط النفس» مما يتمتع بأهمية أساسية وخاصة في فلسفة الأخلاق والسياسة لدى أفلاطون. والعمل الصحيح والصالح يكون ذكياً فحسب عندما يكون الإنسان مدركاً وواعياً لكيفية فعله وعمله. وعلى هذا، فإن الفضيلة هنا هي معرفة الذات، أي معرفة هل الذات عالمة، أم جاهلة؛ لكن ذلك أيضاً غير كاف لوحده لبلوغ السعادة والحبور، بل هو بحاجة أيضاً إلى المعرفة والاطلاع العيني إلى الأشياء والموضوعات. وهكذا، فإن ضبط النفس فضيلة عقيمة، بينما نعلم من جهة أخرى أنها قيمة جداً، فنصاب بالضلال والحيرة. وتبحث يوثيفرون في التقوى وتحاول تحديد معناها. وهذه هي المحاورة التي تطرح فيها لأول مرة نظرية المثال، أو الصورة26، والتي تشكل المحور الأصلي لفلسفة أفلاطون (ظ: ص 6D). أما ليسيس، فتنبري لكشف ماهية الصداقة.

2. كتابات مرحلة التنقل والتكامل: وفي هذه الكتابات، فإن جهود أفلاطون الأساسية هي مصارعة ومعارضة أساليب السوفسطائيين وأفكارهم ودراسة مبادئ وأوضاع الحياة السياسية و الاجتماعية التي يمكن أن تظهر تحت تأثير أسلوب خطابة السوفسطائيين وتعاليمهم. وتنبري غورغياس لبحث قيمة وماهية الخطابـة التي تعـدّ خلال الحوار فنـاً لايتنـاول ــ ضمن تناولـه موضوعاً ــ مفهومه وماهيته الأساسية، بل إن هدفه هو مجرد الاحتجاج، أو إقناع الآخرين، أو تسليمهم. وفي هذه المحاورة تطرح أيضاً مسألة الاستخدام الصحيح، أو المغلوط للقوة التي طرفها المغلوط، الأنانية الباحثة عن اللذة، بينما طرفها الآخر السعي لبلوغ الخير، أو الصلاح. ومينون هي إحدى أبرز مؤلفات أفلاطون. وفي الحقيقة، فإن علماء الأفلاطونيات يعدونها بداية تفلسفه الخاص وشاملة لبرنامجه الأكاديمي. ومن جهة أخرى، تطرح في هذه المحاورة مرة أخرى مسألة «الفضيلة» التي كان قد تم تناولها من قبل في پروتاغورس ويتم التأكيد على أن المسألة الرئيسة ليست وحدة، أو كثرة الفضيلة، بل تحديد ماهيتها وما إذا كانت تعليمية وتعلّمية، أم لا. وهنا بالذات حيث يعرض أفلاطون لأول مرة النواة الرئيسة لنظريته المهمة والأساسية حول كيفية وماهية «المعرفة»، أي نظرية «الاستذكار27». أما يوثيديموس، فهي عن الاختلاف في الرأي بين سوفسطائيَين وسقراط، وهدفها الترغيب في الفلسفة والتفكير الفلسفي.

و«الجمهورية» هي من أهم محاورات أفلاطون وأكثرها غنىً من حيث المضمون، وقد جرى السعي في الكتاب الأول منها لتعريف ماهية العدالة. ويُطرح هنا جانبان متناقضان: الأول هو أن ذوي السلطة حددوا مفهوم العدالة والتصرف العادل بما يخدم مصالحهم؛ الثاني هو أن التصرف الظالم الذي يتم عن طريق القوة ويكون أيضاً مصدراً للذة، سيعطي أخيراً منفعة ولذة أكبر وعلى هذا سيكون أكثر نفعاً وأكثر ثراء بالفضيلة من التصرف العادل. وفي إيضاح مفهوم العدالة يقال إن الظلم يتساوى مع الجهل والعدالة تتساوى مع البصيرة والعلم. لكن هنا أيضاً لاتحدد ماهية العدالة. والكتب الأخرى لـ «الجمهورية» (الثاني إلى العاشر) هي في الحقيقة تأسيس ووصف للمدينة الفاضلة الأفلاطونية. ومحاورة هيبياس تبحث مفهوم الجميل و الجمال، لكنها لاتستطيع إعطاء تعريف محدد لماهيتهما، بينما تنفي النظرية القائلة إن «الجميل» يعادل المناسب، أو اللائق، أو النافع، وإن الشعور باللذة ناجم عن السمع، أو البصر. وتطرح كراتيلوس موضوع ظهور وانتشار وماهية اللغة وتقدم فيها نظريتان ترى إحداهما اللغة نتاجاً للطبيعة، بينما تراها الأخرى ثمرة التعاقد والتوافق بين البشر؛ وتخلص إلى نتيجة أن اللغة ظهرت وانتشرت من التجربة العامة للبشر وعلى أساس التعاقد المتبادل. واللغة الكاملة هي التي يكون فيها هذا التعاقد المتبادل منسجماً مع الطبيعة. ومنكسينوس هو كلام يجري بأسلوب السوفسطائيين حول القتلى الأثينيين، وربما كان له في الغالب جانب استهزائي.

3. كتابات مرحلة النضج والكهولة: ولهذه الكتابات قيمة وأهمية خاصة، ذلك أن أفلاطون يطرح فيها نظرية المثل بشكل تفصيلي. وفي هذه المحاورات يطرح الفكر الفلسفي لأفلاطون كمزيج من نظريات وأفكار فلاسفة مدرسة إيليا1 والفيثاغوريين وهرقليتوس وكذلك النوى الأساسية للنظريات السقراطية.

والمحور الأساسي في «المأدبة» هو تعريف وماهية «الحب2». وهنا يُقدم «الجميل» بوصفه موجوداً في نفسه ولنفسه فريد وخالد. والعلاقة بين المظاهر المنفردة للجمال وذلك «الجمال المطلق» هي نفس العلاقة التي تحصل بين الصورة والواقع. فالحب ــ وبواسطة اللـذة التي تحصل من المظاهر المحسوسة للجمـال ــ يبعث إلى النزوع والانجذاب نحو الجمال المطلق. وهذا الجمال المطلق هو الخير المطلق نفسه.

ومحاورة فيدون هي الحوار الذي يجريه سقراط مع فيدون في السجن خلال الساعات الأخيرة من حياته. والموضوع الأساسي فيها هو الروح وخلودها وعدم فنائها، وبغية إثبات ذلك يؤتى بثلاثة أدلة: الدليل الأول يستند إلى نظرية هرقليتوس، التي بموجبها يكون كل شيء فيها وليد صراع الأضداد وحصيلة التضاد وهكذا، فإن الروح أيضاً هي نتيجة التضاد بين الميت والحي. وبغية أن يريد الإنسان معرفة شيء، أو تعلمه، ينبغي أن يكون فيه شيء ذو استعداد للاطلاع، أو العلم؛ و هذا الشيء هو الروح التي كانت موجودة قبل ولوجها الجسد، وكانت تعرف كل شيء، وبعد ولوجها الجسد وامتزاجها بالمادة نسيت معلوماتها. وهكذا، فالتعلم في الحقيقة هو وسيلة «لاستذكار المعلومات المنسية». الدليل الثاني يقوم على أساس أن عالم الأشياء المحسوسة، أي عالم الظواهر غير ثابت وفي حالة تغير دائم. بينما عالم المثل التي هي وجودات حقيقية، واحد غير قابل للتغير وهو نفسه على الدوام. والآن ولأن الروح أيضاً ترتبط بعالم المثل، فينبغي أن تكون غير قابلة للفناء. والدليل الثالث أيضاً يقوم على مبدأ نظرية المثل نفسها، فلو كانت تحمل تضاداً، أو أضداداً لم يكن بإمكانها أن تكون قائمة في نفسها وعلى نفسها، وهكذا بالنسبة إلى الروح، ذلك أنها في الحقيقة تضم ماهية الحياة، وعلى هذا لاتستطيع أن تكون عين الموت الذي هو مضاد للحياة، أو نفسه.

و الكتب من الثاني حتى العاشر من «الجمهورية» التي تعدّ في الحقيقة الأكثر شهرة من بين كتابات أفلاطون وأهمها لكثير من الأسباب، تتضمن مسألة أساسية في السياسة، أي العدالة؛ لكن العدالة أمر ممكن التحقق في الحياة الاجتماعية للبشر. كما أن الحياة الاجتماعية للبشر تتم بشكل مؤسسة سياسية أي الدولة. إذن، فدراسة هذه المؤسسة السياسية هي أهم وآخر هدف لكل شكل من البحوث الفلسفية. ويصور أفلاطون في هذه المحاورة مدينته الفاضلة.

وتتناول محاورة فيدروس مرة أخرى موضوع «الجميل» وعلاقته بالحب. وهنا أيضاً يرد الحديث عن عدم فناء الروح ويقدَّم دليل جديد لإثبات ذلك؛ وأساس هذا الدليل هو مفهوم الحركة. فالأشياء إما أن تتحرك بواسطة محرِّك، أو أنها تحرك شيئاً آخر. لكن هناك أيضاً شيء يتحرك بذاته وفي ذاته ويحرك شيئاً آخر أيضاً. وهكذا، فإن الشيء الذي يتحرك بذاته وفي ذاته أي أن الدافع للحركة موجود فيه، ينبغي أن يكون في حالة حركة دائمة وخالدة، أي أن يكون غير قابل للفناء. والروح أيضاً هي شيء كهذا حركتها في ذاتها وبذاتها وهي تحرك الجسد، وعلى هذا، فهي لاتموت وغير قابلة للفناء. وهنا يطرح التقسيم الثلاثي، أو الأقسام الثلاثة للروح (الذي بحث في «الجمهورية» بشكل واف). لكن مهمة «الحب» لاتزال كما هي بأن تقيم على الدوام علاقة بين الروح والجمال المطلق، وعن طريق النظر إلى الأشياء الجميلة المحسوسة، تحفزها على رؤية الجمال المطلق.

4. كتابات مرحلة الشيخوخة: في هذه الكتابات يتركز نزوع أفلاطون نحو أسس المعرفة وأيضاً العلوم الرياضية وكذلك الاهتمام الأكبر بالعالم المحسوس والتجارب الحسية، ويستند بشكل أقل إلى نظرية المثل.

وفي محاورة ثيايتيتوس التي كان أفلاطون قد كتبها باسم صديقه وتلميذه الرياضي الكبير، تطرح نظرية المعرفة بشكل حصري ومفصل وتبحث تعاريف مختلفة منها. وتدحض هذه التعاريف الواحد تلو الآخر من غير أن يقدم تعريف حقيقي.

ولمحاورتي برمنيديس والسوفسطائي مضمون ومحتوى متصلان ببعضهما. في المحاورة الأولى التي هي من أهم كتابات أفلاطون تبحث آراء ومعتقدات ذلك الفيلسوف الشهير وتلميذه زينون، ويُطرح ارتباطها بنظرية المثل، بينما تبحث هذه المسائل بشكل أكثر عمقاً وتفصيلاً في السوفسطائي. وفي كلتا المحاورتين يتم التأكيد على أصالة وأهمية وضرورة الديالكتيك الذي مصدره أفكار مدرسة إيليا. والمسألة المهمة الأخرى التي طرحت في السوفسطائي  هي الوجود والعدم، أو الموجود وغير الموجود. ونتيجة البحث هي إبراز ماهية الفن السوفسطائي. يمكن تسمية شيء واحد بأسماء وتعابير مختلفة وذلك بسبب وجود اشتراك في مفاهيم الأجناس التي يمكن أن يكون لها ارتباط ببعضها من غير أن تكون شيئاً واحداً. ومسألة الموجود وغير الموجود أيضاً مرتبطة بهذا المبدأ، أي إنه يمكن القول إن «غير الموجود» هو في الحقيقة ليس إلا «الموجود بشكل، أو نوع آخر»، وعلى هذا يمكن ويجب أن يكون له وجود بنفس مقدار الموجود تماماً.

وتنبري محاورة « السياسي» لتعريف السياسي الحقيقي. فالشيء الذي يحدد ويميز رجل الدولة، أو السياسي عن كثير من النـاس الآخريـن هو المعرفة والعلـم. والسياسي يجب أن يتمتـع بـ «معرفة ملكية»، وهو كالحائك في الحكومة الذي يربط جميع الخيوط ببعضها في نسيج واحد وموحد. ويخلق هذا التضامن والوحدة بواسطة تحقيق مفهوم العدالة. وسياسي كهذا لايحتاج حتى إلى القوانين، ذلك أنه من الممكن أن تربكه هذه القوانين. وعلى الرغم من أن بعض القوانين ضرورية لدفع الحياة العملية للمجتمع ولامناص منها، إلا أن السياسي الحقيقي الذي يتمتع بمعرفة واطلاع أكثر كمالاً وعمقاً يستطيع غضّ الطرف عن القوانين. وإنما يلاحظ من هنا بوضوح أن اتجاه أفلاطون هو نحو الأرستوقراطية وحتى الحكم الفردي (لا الاستبدادي).

وفي محاورة فيليبوس، فإن موضوع البحث هو مفهوم «الخير، أو الإحسان». وهنا يعرَّف الخير كلذة من جهة، ومن جهة أخرى كالإحسان الناجم عن التفكير والرويّة. ثم يبرز مفهوم ثالث للخير ويقال في إيضاحه إن عالم الوجود في كله يظهر مثل ترابط 4 عوامل: 1. لانهائي، أو لامحدود؛ 2. حدّ؛ 3. مايظهر من اتحاد هذين الاثنين؛ 4. علة ودافع هذا الاتحاد. إن محدودية اللامحدود تتم بواسطة النسب العددية. وقوة الحياة المرتبطة بنشاط العقل تمزج العقل باللذة ولما كان هذا النشاط العقلي في حقيقته شكل من أشكال تحديد اللذة اللامحدودة، إذن يمكن أن نسمي هذا حداً وذاك لامحدوداً.  وإن علة ودافع اختلاط كل شيء ظهر من العقل. وعلى هذا، فإن عالم الوجود له عقل وفي كله جسد ذو روح، أو نفس. وهكذا يصنع خليط من جمال وتناسب وحقيقة مفهوم الخير والإحسان. وفي هذه المحاورة يقول أفلاطون: يتفق جميع العلماء بهذا الشأن ــ ويفخـرون بأنفسهـم ــ أن العقل هو سلطاننا في السماء والأرض (ص 28C).

وفي محاورة تيمايوس يطرح أفلاطون رؤيته العالمية وتتم فيها متابعة مراحل الوجود من الصيرورة حتى الخلق وتكوين العالم والإنسان والمجتمع البشري.

وفي محاورة «القوانين» التي هي آخر مدونة غير كاملة لأفلاطون تبحث مرة أخرى مسألة «هيكلية الدولة والمؤسسة السياسية». وفي القسم الخاص بفلسفة السياسة لدى أفلاطون، سنبحث بتفصيل مناسب هذه المدونة المهمة.

وفي محاورة إپينوميس التي يقال إنها ليست من آثار أفلاطون، بل كانت مما جمعه تلميذه فيليبوس، يتم بحث إمكانية العلم والحكمة الإنسانية التي هي الشرط الأساسي للمشاركة في المجلس الأعلى لمؤسسة الدولة. وإن تأثير أفكار الفيثاغوريين ونظريتهم في العدد والموسيقى واضح للعيان في أقسام من هذه المحاورة. كما يقال إنه ينبغي أن نعرف الروح بوصفها القوة المحركة لكل ما هو جسماني. وأفضل حركة هي ما ينسجم والروح العاقلة. وأفضل فضيلة هي الطهارة، ذلك أنها مرتبطة بالنزوع نحو الخير وتكريم واحترام الآلهة والألوهية التي هي الخير الحقيقي (للاطلاع على ببليوغرافيا وأهم وأحدث البحوث حول كل واحدة من محاورات أفلاطون، ظ: «الدليل إلى ...1»، 493-529).

النظرة العالمية الفلسفية لأفلاطون: إن الفلسفة لدى أفلاطون غير منفصلة عن الحياة ولا الحياة منفصلة عن الفلسفة. وهكذا، فإن فلسفة أفلاطون هي حياته وحياته هي فلسفته. ومن جهة أخرى، فإن فلسفة أفلاطون كلها سياسية، وسياسة أفلاطون كلها فلسفية، بحيث يمكن القول إن السياسة تجري كالدم في عروق جميع كتابات أفلاطون. وإن آخر كتاباته غير الكاملة «القوانين» والتي تشكل من حيث الكمية ما يزيد على خمس جميع كتاباته، كلها حول السياسة، مثلما كان مخ ولب ثاني كتابته «الجمهورية» أيضاً هو السياسة. غير أن السياسة لدى أفلاطون تعني دراسة ومعرفة الرابطة الغائية بين ‌الفرد والمؤسسة الاجتماعية في عصره؛ بعبارة أخرى، فإن السياسة هي البحث ومعرفة كيفية تبلـور الحياة الاجتماعيـة للبشـر ــ بالشكل الذي ينبغي أن تكون عليـه، لا بالشكـل الـذي هـي عليه ــ وهـدفهـا النهائي هو بلوغ الخيـر والفضيلة، أي كمال الإنسان ــ الذي هو السعـادة ــ والوسيلة إليها هي تعليم وتربية النخب البشريـة. والهدف النهائي لفلسفة أفلاطون هو تربية ورعاية الروح الإنسانية وتعاليها. ويؤكد أفلاطون على أنه لايمكن لعامة الناس أن يكونوا فلاسفة، فإن من يشتغلون بالفلسفة يُلامون ويذمون من قبلهم وكذلك من قبل معاشري العوام والمتملقين لهم («الجمهورية»، 496A ، أيضاً ظ:‍ «السياسي»، 292E,297B). كما أن كافة الذين يحبون سماع المباحث الفلسفية ليسوا فلاسفة، بل أشباه الفلاسفة («الجمهورية»، 475E).

والفلاسفة الحقيقيون هم المحبون لرؤية الحقيقة (ن.ص). يتحدث أفلاطون عن الطبع الفلسفي (ن.م، 490C)، والفيلسوف الكامل (ن.م، 491B)، والفيلسوف الحقيقي (ن.م، 490B)، والفلسفة الحقيقية (ن.م، 490A). فمن ولد بطبع جميل و حسن، أو لطيف وشريف وهو الشرط السابق للفلسفة، فدليله الحقيقة، وهو يبحث عنها دائماً وفي كل شيء، وإن أعرض عنها، فهو محتال لايملك أي نصيب وحظ في الفلسفة الحقيقية (ن.ص). والآن لو سُئل ما هي الشروط اللازمة لمثل هذا الطبع الفلسفي؟ يجيب أفلاطون: سرعة التعلم، الذاكرة، الشجاعة، الأنفة (ن.م، 494B). وفي موضع آخر وللفصل بين الطبع الفلسفي وغير الفلسفي يقول أفلاطون إنه لاينبغي نسيان خصلة العبودية، ذلك أنه لايمكن لأي شيء مثل خصلة كهذه أن يتعارض مع الروح التي تبحث دائماً عن كل والأمور الإلٰهية والإنسانية كلها (ن.م، 486A).

ومن وجهة نظر أفلاطون، فإن آخر هدف للفيلسوف الحقيقي هو «التشبه بالله قدر المستطاع» (ن.م، 613B، ظ: ثيايتيتوس، 176B). وهكذا، يمكن تسمية أفلاطون فيلسوفاً أرستوقراطياً مثالياً؛ ويبدو هذا صحيحاً إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار سلالته ومنشأه الأسري والاجتماعي؛ لكن هذه ليست جميع خصائص أفلاطون ويمكن لفلسفته أن تعدّ الوريث المباشر للفلسفة المعاصرة له (التعاليم السقراطية) والفلسفات المتقدمة من جهة، ومن جهة أخرى حصيلة البناء الروحي والعاطفي لشخصيته.

والفكر الفلسفي لأفلاطون كان يستقي ويستلهم الدافع من تعاليم سقراط قبل كل شيء وأكثر من كل شيء. فالشكل الذي منحته مجالسة سقراط وشخصيته لتفكير أفلاطون كان قد ظل باقياً فيه حتى نهاية حياته. لكنه لم يكن ليكتف بتعاليم سقراط، بل إنه وخلافاً لسقراط ــ الذي لم يكن يعبأ بنظريات الفلاسفة الذين سبقوه ــ كان يأخذ مادة فكره الفلسفي من الفلاسفة الذين سبقوا سقراط. وهو أول فيلسوف يوناني لم يكن عارفاً بآراء ونظريات الفلاسفة الآخرين بشكل كامل ويستفيد منها فحسب، بل كان يستخدم مبادئ نظرياتهم بوعي ويكملها في كل متوحد. وخلال ذلك كانت النظرة العالمية للفيثاغوريين وتقاليدهم الثقافية ونظرياتهم الرياضية وموسيقاهم وعاداتهم وطقوسهم الدينية أيضاً تستهوي علاقته. وكان قد نمّى أكثر ما نمّى نزوعه الشديد إلى ما هو روحاني وما هو من العالم الآخر وما هو إلٰهي ومنفصل عن العالم المحسوس. ومن جهة أخرى، تعدّ نظريات فلاسفة مدرسة إيليا مثل برمنيديس وزينون حول الوجود، وكذلك نظريات هرقليتوس عن تغير وصيرورة كل شيء من الدوافع الأساسية لفلسفته. كما أن نظريات أصحاب المذهب الذرّي (مثل‌ ديمقريطس) حول العدم، أو الخلاء ونظرية أنكساغوراس حول‌ العقل ومصدره اللامـادي إلى جانب نظرية الفيثاغوريين حول عدم موت الروح، وبشكل خاص نظريات كراتيلوس، تلميذ مدرسة هرقليتوس، كان لها بأسرها أثر في تبلور الفكر‌ الفلسفي لأفلاطون. يقول أرسطو: تعرف أفلاطون في شبابه أولاً بكراتيلوس وآراء هرقليتوس اللذين كانا يقولان إن جميع الأشياء المحسوسة هي دوماً في حالة سيلان ولايرجع إليها أي نوع من المعرفة، أو العلم. وفي السنوات التالية أيضاً كانت له نفس الآراء ( الميتافيزيقا، الكتاب I، الفصل 6، الورقة 987a، السطر 29؛ عن آراء الفلاسفة الذين سبقوا سقراط، ظ: خراساني، كافة أرجاء الكتاب).

والأمر الذي ينبغي أن يظل أولاً وأبداً نصب العين هو الهدف الذي كان يصبو إليه أفلاطون من اشتغاله بالفلسفة وتعلمها؛ وهذا الهدف هو ليس معرفة العالم الطبيعي المحيط بالإنسان بالشكل الذي موجود في ذاته ولذاته والمنسجم مع التقنينات، بل هدفه هو الهدف السقراطي نفسه، أي بلورة الشخصية الإنسانية وتربيتها الروحية والمعنوية والعقلية لبلوغ السعادة والرضا والحياة الطيبة. وبعبارة أخرى، فإن هدف الفلسفة هو هدف عملي، أي البلوغ بحياة الإنسان مرحلة الكمال في تلاحمه مع غيره من بني البشر (بطبيعة الحال النخبة والمنتخبة من‌ بني‌ البشر) في المجتمع الذي يكون قد نُظم بشكل عقلاني. وكما أشير فيما مضى، فإن الفلسفة لدى أفلاطون هي أسلوب للحياة، بل هي أهم وأقوى وسيلة للحياة الإنسانية الأصيلة واللائقة. وإن الدافع الذي يجتذب الإنسان نحو الفلسفة من وجهة نظر أفلاطون هو دافع غريزي فلسفي يسميه الحب.

نظرية الحب:  يطرح أفلاطون في المحاورات الثلاث ليسيس و«المأدبة» وفيدروس القضايا الخاصة بالحب ويناقشها. والحب علــى صنفين: أرضي وسمـاوي، أو إلٰهي. وكـلا صنفـي الحـب ــ وبشكل خاص الصنف الثاني ــ له نصيب متميز ومؤثر في الفكر الفلسفي لأفلاطون. ففي موضع تسمى الموسيقى «علمَ الحب» («المأدبة»، 187C).

من جهة أخرى، فإن الحب ضرب من الجنون1، والجنون صنفان أيضاً: أحدهما وليد مرض بشري، والآخر ظهر من انعتاق إلٰهي من العادات السائدة، ومن جهة أخرى، فهناك 4 أصناف من الجنون الإلٰهي يرتبط كل واحد منها من وجهة نظر اليونانيين القدماء بواحد من آلهتم: التنبؤ، أو الكهانة لأبولون، والجنون العرفاني لديونيسيوس والجنون الشاعري، أو الخلّاق يستلهم من الموزيّات، والجنون الغرامي الذي هو الهيام الغرامي، وهو أشرف أشكال الجنون، ويستلهم من أفروديت (إلٰهة الجمال) وإيروس (ظ: فيدروس، 265A-B). وإيروس لدى اليونانيين هو إلٰه الحب. ويسمي أفلاطون إيروس «أكثر الآلهة حباً للإنسان» («المأدبة»، ï89 D). ويصف أفلاطون في محاورة فيدروس بوضوح التأثير الكبير الذي يتركه جنون كهذا، أو الهيام في تحفيز الإنسان إلى الاتجـاه نحـو الوجـود والجمـال الأصيلين. وهنا يقال إن الـروح ــ وبعد تطلعها إلى عالم الوجودات الأصيلة، أي عالم المُثل وتحديقها في جمالها الآسر ــ ينتابها أولاً الهيام ثم الحيرة وأخيراً التعجب، وهذا التعجب يصبح مصدراً وباعثاً على التفكير الفلسفي. لكن وتزامناً مع ذلك، يتخذ هذا الهيام شكل الحب، ذلك أن الانعكاسات المحسوسة لذلك الجمال المطلق الموجود في عالم المثل له بريق وجمال متميز بين الزخارف والصور وانعكاسات الموجودات المحسوسة (ص 250 B-D).

يبين أفلاطون تكوين الحب وماهيته في قالب أسطوري على لسان كاهنة عالمة، تدعى ديوتيما هذه خلاصته: عندما ظهرت أفروديت إلٰهة الجمال والحب الغريزي، أقام الآلهة حفلاً، وكان من بين الحاضرين پوروس (الحل)، نجل متيدوس (الحيلة). وخلال ذلك وصلت پنيا (الفاقة) فجأة وبدأت بالاستجداء. وذهب پوروس الذي كان قد أصبح ثملاً إلى بستان زيوس ونام فيه. وعندما فكرت پنيا التي كانت مسكينة وعاجزة لعلها تستطيع أن تنجب ولداً، و لهذا نامت إلى جانب پوروس، ومن هذا التضاجع  حملت بإيروس. إذن إيروس (الحب) هو ابن «الفاقة، أو الحاجة» و«الحل». ولذا، فإن له خصلة متميزة ومزدوجة: فهو من جهة محتاج وفقير دائماً وحافٍ ومشرد وينام دائماً على الأرض الصلبة من غير فراش ويضطجع على أعتاب الأبواب وأرصفة الشوارع وتحت السماء؛ ومن جهة أخرى ولأنه ابن «الحل» وله إرث من أبيه، فهو دائماً يبحث عن حل لبلوغ جميع الأشياء الجميلة والحسنة، ذلك أنه قوي وشجاع وملآن بالحيوية. وهو طيلة حياته متلهف وعطشان للحكمة وباحث عن الحقيقة؛ أستاذ في ألعاب الأكروباتيك والسحر والتفكير بالحلول، وفي الحديث الآسر والخادع؛ مفعم بالحيوية يوماً وغني بالحلول والوسائل، لكنه في يوم آخر في حالة احتضار، ثم ينشط ثانية بعون من قوة أبيه. وهكذا، فهو أبداً ليس بلاحيلة ولامقتدراً تماماً؛ فهو بين الحكمة والجهل («المأدبة»، 203 B-E).

ثم تنبري الكاهنة الحكيمة (ديوتيما) لوصف «الحب» وتأثيره، فتقول: كل البشر حوامل سواء في أجسامهم، أم في أرواحهم. كل منا بعد أن يبلغ سناً معيناً، يرغب في الإنجاب، لكن إنجاباً كهذا ليس في القبح، بل في الجمال. كما أن المضاجعة بين الرجل والمرأة هي إنجاب لكليهما، وهذا عمل إلٰهي. وهذا الحمل والولادة هو عنصر غير قابل للفناء في موجود فان. وهذا بدوره لايحدث في اللامتناسب واللامتجانس. فالقبح غير متجانس وغير متناسب مع كل ما هو إلٰهي، بينما الجمال متجانس معه. والجمال الكبير هو القابلة المشرفة على الولادة (ن.م، 206C).

ومن جهة أخرى، فإن كل طبيعة فانية تبحث عن الخلود مهما أمكن. وإحدى وسائلها التكاثر، ذلك أن الإنسان يستطيع عن هذا الطريق إيجاد موجود جديد بدل الموجود القديم؛ لكن هناك أيضاً من يفضلون أن تحبل الروح بخصال مثل الذكاء، أو «العقل العملي» وضبط النفس والعدالة والفضائل الأخرى على أن تحبل بالجسد. وهكذا عندما تصبح روح إنسان ما إلٰهية، بحيث تحبل منذ الشباب بهذه الخصال، فعندما تبلغ الرجولة تبحث عن موضوع جميل توّلده. و لما كانت في حمل من هذا النوع ترغب في الأجساد الجميلة، فإذا صادفت روحاً جميلة وأصيلة وسليمة الفطرة أيضاً، تكرم بسرور هذين الجمالين في جسم واحد؛ وتتحدث معها عن الفضائل وعما هو خير ونافع لرجل ما، وهكذا تتولى تعليم و تربية الروح الأخرى؛ ذلك أنه في الالتقاء بإنسان جميل كهذا ومعاشرته تسبب إلى أن يثمر ذلك الحمل القديم وتتذكره في حضوره وغيابه. إن البشر في هذا النوع من المعاشرة والتجانس يلتذون ببعضهم بشكل يفوق بكثير لذة معاشرتهم لأبنائهم؛ وإن صداقتهم أكثر رصانة بكثير، ذلك أن الأبناء المولودين من تجانس كهذا أجمل وأكثر مناعة في مواجهة الموت (ن.م، 209 A-D).

وتواصل ديوتيما كلامها قائلة: إن من يريد أن يطوي الطريق الصحيح بهذا الشأن، عليه أن يبحث عن الأجسام الجميلة منذ الشباب، وإذا أرشده مرشده بشكل صحيح، ينبغي أن يحب جسداً جميلاً ويتحدث معه حديثاً جميلاً، ثم ينبغي له أن ينتبه إلى أن جمال هذا الجسد، أو ذاك هو نفسه ما يوجد في كل جسد جميل آخر؛ وبعد إدراكه هذه الحقيقة، ينبغي أن يحب جميع الأجساد الجميلة ويعتق نفسه من ضغط الإحساس بجسد واحد. والمرحلة التالية من تطوره هي في أن يقيّم الأرواح الجميلة قيمة أكبر وأسمى مما يقيم الأجساد الجميلة، بحيث تكون «وردة صغيرة» من جمال الروح أيضاً كافية لإبراز الحب والرعاية وكذلك لأجل جعل ذلك الشاب بشكل أفضل عن طريق الحوار. ثم ينبغي له أن ينبري للعادات والتقاليد والقوانين الجميلة، وأخيراً عليه أن يشق طريقه إلى المعارف الجميلة، وحين يبلغ الجمال في كله، يتحرر عندها من العبودية لجمال واحد. وحينها يبلغ بحر الجمال الشاسع. وفي النهاية، فإن من يبلغ في مدارج الحب هذه المرحلة من التربية والثقافة، فبينما يقترب من الهدف النهائي في هذا الطريق تتضح له فجأة «طبيعة عجيبة جميلة»، تعويضاً لكل الآلام السابقة (ن.م، 210A-211A). وينصرف المحب بحب كهذا عن الجمالات الجزئية ويبلغ السر النهائي للحب. وبواسطة الجمالات الواضحة يصعد نحو الأعلى مثل درجات السلم؛ فينتقل من جميل إلى جميل ثان، ومن الثاني إلى جميع الأجساد الجميلة، ومن جمال الأجساد إلى جمال الآداب والعادات والمعرفة الجميلة، وأخيراً يشق طريقه إلى التعليم النهائي، أي معرفة «وجود الجمال بذاته» [أي مثال الجمال] (ن.م، 211B-D). وحب (إيروس) لدى أفلاطون هو الغريزة الفلسفية التي تشتاق وتسعى دوماً على طريق بلوغ الجمال المطلق ونيل الحقيقة.

جديـر بالذكـر، أن أفلاطـون فـي شيخوختـه ــ أي وهو فـي الثمانين من عمره تقريباً ــ أيضاً يتحدث عن الحب والصداقة في آخر كتاباته «القوانين». ويقول هناك إننا نسمي المثيلين والمتعادلين في الفضيلة وكذلك المحتاج والمقتدر اللذين هما متضادان، صديقاً؛ ومتى ما زادت الرغبة في كل واحد من هذه الحالات سمَّينا ذلك حباً. وإن الصداقة التي تحدث بين الأضداد مثيرة للذعر ومتوحشة ونادراً ما تكون متقابلة، بينما الصداقة بين المتماثلات لطيفة وهي ذات جانبين طوال الحياة. لكن ملاحظة ما ينجم عن امتزاج ذلكما الحبين ليس بالأمر اليسير. وإن الذي يبتلى بهذا النوع الثالث من الحب إذا ما أراد الحصول عليه أصبح شخصاً تائهاً يُجر بين هذين الاتجاهين، حيث إن كليهما يجذبانه نحوهما، أحدهما يحرضه على أن يستمتع ببرعم شباب المحبوب، والآخر يمنعه من ذلك؛ ذلك أن محب الجسد والمتلهف لبرعم الشباب ــ  وكأنه فاكهة ناضجة ــ يشتاق إلى أن يأكل منها حتى يشبع من غير أن يحترم حال المحبوب وروحه. لكن من يرى شهوة الجسد شيئاً ثانوياً، فهو أكثر ما يكون مغاضناً، لامغازلاً، وهو يرى بحب الروح للروح أن إرضاء الجسد، من الجسد هو شهوة، فيحترم ضبط النفس، أو العفة والرجولة وكبر النفس والحكمة ويريد أن يكون دائماً عفيفاً مع محبوبه العفيف («القوانين»، 837A-D؛ عن نظريات أفلاطون الواسعة حول الحب، ظ: لاغربرغ1، أيضاً روبن2، كافة أرجاء الكتابين).

الديالكتيك:  وكما أشرنا، فإن العشق لدى أفلاطون هو الغريزة الفلسفية الراغبة دائماً والساعية في طريق الوصول إلى الجمال المطلق وبلوغ الحقيقة. لكن ما هي الوسيلة الحقيقية لهذا البلوغ ؟ يجيب أفلاطون: الديالكتيك. إن الديالكتيك هو روح الفلسفة الأفلاطونية وقد توزع بحث الديالكتيك في عدة محاورات لأفلاطون. فهو يستخدم مفردة الديالكتيك لأول مرة في محاورة مينون75D) بوصفها الأسلوب الفلسفي الصحيح في مواجهة الأسلوب السوفسطائي، أي الجدل. ويؤكد أفلاطون مراراً على الفرق الرئيس بين الأسلوبين الديالكتيكي والجدلي (ظ: فيدون، 90C,101E، «الجمهورية»، 454A,499A,539B). وهو يقول في موضع: الديالتيك هبة من الآلهة منحت للبشر من المصدر الإلٰهي مع النار ( فيليبوس، 16B-C). فهذا العلم الذي يتناول الوجود، أو الموجود الحقيقي والذي هو بذاته موجود بشكل سرمدي هو أكثر العلوم واقعية (ن.م، 58A). والديالكتيك يتناول الأفكار والمفاهيم الخالصة مع الكليات المعقولة وبمعزل عن التفاصيل المحسوسة («الجمهورية»، 511B). وعلى هذا، فهو عمل خاص بالفيلسوف؛ ذلك أن مهمته هي معرفة «الموجود في ذاته» وكشف ماهية الأشياء ومفاهيمها (ن.م، 484B).

إن الديالكتيك خاص بالرجال الذين يتفلسفون بنزاهة وصـدق ( السوفسطائي، 253E)، أي الفلاسفة الحقيقيين، ذلك أنهم هم عشاق رؤية الحقيقة («الجمهورية»، 475E). ودوافع الديالكتيك الأفلاطوني الخاص هي من جهة أفكار فلاسفة مدرسة إيليا، ومن جهة أخرى صراعه مع الأسلوب الجدلي للسوفسطائيين، ذلك أن براعتهم كانت في أن يجعلوا التصورات، أو المفاهيم مضطربة ويظهروا عدم وجودها (حيث إن نتيجته سلبية). ويلاحظ هذا الأسلوب أيضاً في بعض محاورات أفلاطون وبشكل خاص في المحاورات المعروفة بالسقراطية، وكذلك في البحوث ذات العلاقة باستنتاج السوفسطائيين من قضية المعرفة؛ لكن المفهوم الحقيقي للديالكتيك الأفلاطوني يكمن في أنه يظهر الحركة الضرورية للمفاهيم؛ لا أن يصهرها في اللاشيء، بل يعدّها نتيجة لحركتها الذاتية، ونتيجة هذه الحركة هو كلي وفي الحقيقة هو وحدة مفاهيم متضادة كهذه. وكل كلي هو معقول، وعلى هذا، فهو حقيقي بإزاء ما هو جزئي ومحسوس. وفي كثير من كتاباته، يظهر أفلاطون أن ما هو جزئي ليس حقيقياً، بل ينبغي البحث في الجزئي عن الكلي، وهو موضوع المعرفة الحقيقية؛ لكن هذا الكلي في البدء غير متعين، وهو أمر انتزاعي غير «مشخص». ويسمي أفلاطون الكلي المشخص ــ في مجال المعرفة ــ «أيدوس3»، مما يمكن أن نعده «الجنس»، أو «النوع» المتعلق بالفكر ويتم إدراكه عن طريق الفكر. والعقيدة هي ما نسميها الكلي والجنس (بالمعنى الأرسطي). ف‍ـ «الجمال بذاته» و«الخير بذاته» وأمثال ذلك أجناس وخلاصة تعيّنات النظائر مما يظهر من كثير من الجزئيات بواسطة إعادة الفكر. والهدف الأساسي لأفلاطون تحديد هذا النوع من الكليات. وهو يؤكد على أن الأشياء المحسوسة والموجودات التي نواجهها (كل الأشياء الظاهرة)، تفتقر إلى الوجود الحقيقي، ذلك أنها في حالة تغير دائم. وليس في ذاتها ما هو محسوس ومحدود وله نهاية؛ وهي نسبية في علاقتها مع الأشياء الأخرى وليس لها وجود عيني، برغم أن بالإمكان تكوين تصور صحيح عنها. وإن موجوداً كهذا ليس ذاته، بل هو على الدوام موجود آخر، في ذاته تناقض لم يُفسر. وإن ديالكتيك أفلاطون بشكل خاص يهتم بموجود كهذا. وهدفه من جهة هو تشويش التصورات، ومن جهة أخرى الحصول على قاعدة أخرى للمعرفة الحقة. وبرغم أنه لايتم الحصول على نتائج إيجابية في أغلب المحاورات، إلا أن المهمة الأخرى للديالكتيك هي البحث عن كلي والعثور عليه من خلال تشويش الجزئيات. وفي مفهوم كلي كهذا تزول الأضداد و التناقضات وتنصهر، ويتخذ المفهوم شكلاً مشخصاً، ويظهر وحدة الأضداد التي أزالها. ويتعامل ديالكتيك أفلاطون مع أفكار ومفاهيم خالصة مثل الوجود والعدم، الواحد والكثير، المحدود واللامحدود، الجميل والقبيح وأمثال ذلك. وفي الغالب يستخدم أفلاطون مصطلحين يونانيين يعنيان في الأصل «السؤال والجواب» في أكثر أشكالهما علمية («الجمهورية»، 534D، أيضاً ظ: غورغياس، 461E ، خرميدس 166D، پروتاغورس، 338D).

ويمكن العثور على استخدام أسلوب أفلاطون الديالكتيكي بشكل خاص في محاورات «الجمهورية»، السوفسطائي، فيليبوس، برمنيديس. وعلى حد تعبير أفلاطون، فإن الديالكتيك هو التحجير الفوقاني الأخير لجدران جميع التعاليم الأخرى، ولايمكن وضع أي تعليم آخر فوقه بشكل صحيح («الجمهورية»، 534E). وكل من يحاول أن يجد طريقه بواسطة الديالكتيك عن طريق الاستدلال العقلي ــ لا عن طريق المحسوسات ــ نحو ذات وجود كل شيء ولايتوقف عن التفكير حتى بلوغ ذات وجود «الخير»، يصل إلى الغاية المعقولة (ن.م، 532A-B، قا: 514-516 : مثال الكهف). والعالم بالديالكتيك هو الشخص الذي يستطيع أن يرى الظواهر، أو الموجودات، أو الموضوعات في كلياتها من جوانبها المختلفة وارتباطاتها وعلاقاتها ببعضها ويدرك ماهياتها، أو أن يصل على حد تعبير أفلاطون إلى «سينوبزيس1»، وهذه هي أكبر خصلة وطبيعة للديالكتيك، وهكذا، فإن كل من له هذه الرؤية هو عالم بالديالكتيك، وكل من ليس كذلك، فهو ليس كهذا (ن.م، 537C، قا: «الرسالة السابعة»، 341C-D، أيضاً «المأدبة»، 210E).

قيل إن عمل الطريقة الديالكتيكية هو البحث عن المفاهيم الكلية؛ وهذا يتأتى عن طريقين: «الجمع» و«التقسيم». يقول أفلاطون على لسان سقراط: أنا محب هذين الأسلوبين: أي التقسيم والجمع، سواء في القول، أو التفكير. فإذا استطاع شخص رؤية أشياء يمكنها بحسب طبيعتها أن تجتمع في وحدة، أو تقسم في كثرة، فأنا أتبعه وأحذو حذوه وأسميه عالم بالديالكتيك (فيدروس، 266B-C). والجمع يعني إعادة كثرة ما يتم الحصول عليه عن طريق التجربة بمفهوم جنسي. والتقسيم يعني توزيع هذا المفهوم الجنسي في المفاهيم النوعية إلى حد الجزئيات، بحيث لايتم تجاهل أي عضو في هذه التجزئة. وفي المفاهيم الكلية ينبغي لماهية الأشياء أن تعين، لاهذه الصفة فيها، أو تلك، ويجب أن تعطـى معـالـم تميز كـل شـيء عـن الآخـر مـن حـيث المـاهيـة ( ثيايتيتوس، 208C-D، «السياسي»، 285A). وهذا هو «التعريف». فالتعريف يتعامل مع الشيء الذي يقع في جميع الجزئيات، أو الأفراد بشكل موحد، أي الكلي الذي لايمكن إدراك أي جزئي من غيره، إذ إن ذلك الكلي ضُمّن في كل جزئي (ظ: مينون، 71D ff.). ومن جهة أخرى، وكما سنرى في بحث المُثُل، فإنه لما كانت المفاهيم الجنسية للأشياء تتجاوز الأفراد وهي موجودة في ذاتها ولذاتها، فإن كل واحد من آحاد الأشياء التي تشترك في تلك المفاهيم لايمثل كليتها، بل إن مجموع تلك الأشياء أيضاً هو أنقص من أن يشمل جميع تلك المفاهيم. وينبغي ملاحظة أي من تلك الأشياء يظهر ذلك المفهوم الكلي وأي منها ليس كذلك، ذلك أن آحاد الأشياء لأذهاننا، أو أفكارنا هي نماذج تذكِّر بتلك المفاهيم الكلية، لكنها في ذاتها لاواقعية لها. والآن، فإن الوسيلة الوحيدة للانتقال من الكلي إلى الجزئي هي طريقة التقسيم، أي أنه كما يبين المفهوم أمراً مشتركاً تشترك فيه كثرة من الأشياء، فإن أسلوب التقسيم هو على العكس من ذلك يبين الفروق التي يحدد مفهوم جنسي عن طريقها بشكل أنواعها ( فيدروس، 265، «السياسي»، 262A,263A,285، أيضاً ظ: فيليبوس، 16C).

جدير بالذكر أن أفلاطون يحذِّر جداً بإزاء الاستخدام المغلوط لطريقة الديالكتيك. ولاينبغي تعليم هذه الطريقة للشبان، ذلك أنهم عندما يكونون قد ذاقوا قليلاً من طعم الجدال اتخذوه ألعوبة على الدوام وأصبحوا يتفوهون بالمتناقضات، و تقليداً منهم لمن ينبري لنفي وإلغاء الآخرين، فإنهم يرفضون أنفسهم أيضاً ويبطلونها، وهم كجراء الكلاب يتجولون في شتى الاتجاهات ويتحرشون بكلامهم بجميع الذين يقتربون منهم، وبعد مدة وعندما يرفضون معتقدات كثير من الناس ويدحضونها ويكونون هم أيضاً قد رُفضوا، يفقدون فجأة ثقتهم بكل ماكانوا يعدّونه قبل ذلك حقيقة وتكون النتيجة أن يفضحون أنفسهم والفلسفة. لكن أولئك الذين هم أكثر شيخوخة لايعدّون الديالكتيك تناقضاً محضاً في الأقوال ولايتخذون منه شيئاً غير محمول على محمل الجد. ويجب أن ينبري لتناول هذه البحوث أناس يتمتعون بطباع هادئة ورصينة («الجمهورية»، 539A-D).

نظرية المُثُل، الصور:  إن نظرية المثل هي المحور الرئيس للوجود و نظرية الإبستمولوجيا لدى أفلاطون، وإنه يتناولها في الكثير من كتاباته بدافع ومناسبات شتى. وقد بلورت هذه النظرية أفكار الفلاسفة خلال العصور وكان لها مؤيدون ومعارضون. ويحتاج البحث الشامل حول هذه النظرية إلى كتاب قائم بذاته. لذا سنكتفي هنا بإيراد تلخيص لأهم جوانبها.

كان الفلاسفة اليونانيون المتقدمون على أفلاطون وإلى عصر سقراط قد تناولوا من وجهات نظر وانطباعات مختلفة مسألة الوجود والموجودات والعالم في كليته من جهة، وكيفية تعامل الإنسان العارف بها من جهة أخرى، وفكروا فيها. والتفكير بدوره وبحسـب تعبير أفلاطون هو «الحوار الصامت بين الروح وذاتهـا» ( السوفسطائي، 263E)، أو بعبارة أخرى «حين تفكر الروح، فلا شيء آخر سوى الحوار مع ذاتها؛ فهي تطرح أسئلة وتعطي أجوبة، تثبت، أو تنفي» ( ثيايتيتوس، 189E). ومهمة الفيلسوف قبل كل شيء هي «المعرفة»، معرفة حقيقة الوجود والموجودات. وهذه المعارف من وجهة نظر أفلاطون تحصل عن طريق التفكير بواسطة المفاهيم، حيث تغدو ممكنة بالاستعانة بأسلوب الديالكتيك، كما أن آلة المعرفة أيضاً للإنسان هي إما الإدراك الحسي، أو التفكير العقلي المفهومي. ومن جهة أخرى، فإن كل شيء هو «موجود» بالقدر الذي هو معروف للإنسان، و«معدوم» بالمقدار المجهول لديه. وبتعبير آخر، فالموجود هو القابل للمعرفة وغير الموجود هو غير القابل للمعرفة، لكن ما هو مزيج من الموجود وغير الموجود يقع في الوسط. وظاهرة كهذه ليست موضوعة للمعرفة الحقيقية، بل هي موضوع للتصور، أو الاعتقاد («الجمهورية»، 476E ff.،  أيضاً 478B,511E). والمعرفة غير التصور. فالتصور يتطلع إلى المحسوس، والمفهوم العقلي يتطلع إلى غير المحسوس. والمعرفة الحقة تخص فحسب ما هو غير حسي، أو غير محسوس. وهذا الفرق الأساسي بين المعرفة والتصور هو دافع أفلاطون لإثبات وجود المثل.

وكان للفلاسفة المتقدمين على أفلاطون وبشكل خاص هرقليتوس وبرمنيديس رأيان متضاربان في الوجود والموجودات: أحدهما كان يرى أن كل شيء هو دائماً غير ثابت وفي تغير وصيرورة إلى شيء آخر وقابل للفناء، والآخر كان يؤمن بالوجود الواحد الراسخ غير القابل للتغير وغير المتحول. وكان أفلاطون قد تعلم من سقراط أن المعرفة يمكن أن تتعلق فحسب بالوجودات الحقيقيـة، أي ما هـو عديم اللون والشكـل ومنفصـل عن المـادة ( فيدروس، 247C). وموضوعات المعرفة يجب أن تكون ثابتة غير قابلة للتغيير، أي أن وجود الأشياء ليس لأجلنا، بل هو فيها ولها. ويسمي أفلاطون مثل هذه الموجودات المثل ويقول إن إنكار واقعيتها يعني إنكار إمكانية أي نوع من المعرفة والبحث العلمي (برمنيديس، 135B ff.).

والمثل هي الموضوعات الواقعية والحقيقية للمعرفة، إذن ينبغي أن تكون وجودات واقعية وحقيقية أيضاً. فهناك فرق بين ما هو «موجود» دائماً وليس في حالة «صيرورة» وبين ما هو في حالة «صيرورة» دائماً ولايصبح «وجوداً»، فذاك يدركه الفكر العقلي وهذا ــ لأنه يظهـر دائمـاً ويـزول ــ يمكنـه فحسـب أن يظهـر بالإدراك الحسي، أو بالتصور، أو بالاعتقاد؛ فذاك هو نموذج، أو مثال الأصل وهذا صورة، أو مثال، أو تمثال لذاك. ويمكننا أن نجد طريقنا إلى تلك المثل بواسطة النظر إلى الأشياء في العالم المحيط بنا. والعالم إنما جميل وكامل بهذا الشكل، فلأنه تشكّل بموجب نموذج خالد غير قابل للتغير (تيمايوس، 28A,29A,30C). والمثل هي موجودات ماوراء العالم المحسوس ولها عالم خاص بها. وكل شيء منفرد يوجد في عالمنا له مثاله، أو نموذجه الأصلي في عالم المثل ونحن نمنحه نفس الاسم، وحتى أشياء مثل السرير والمنضدة لها مُثُلها، وإن من يقوم بصناعتها يتطلعون في أذهانهم إلى مثلها ويبلورونها بشكل مطابق لها («الجمهورية»، 596B). وللمفاهيم الأخلاقية أيضاً يحدد أفلاطون مثلاً ويذكرها بتعابير مثل «الجمال بذاته» و«العدالة بذاتها» و«العفة بذاتها» و«المعرفة بذاتها» ( فيدروس، 247D، أيضاً 250B ff.). وهكذا يمكن القول إن مثل أفلاطون هي ليست، إلا المفاهيم السقراطية الكلية التي تستخدم من ميدان قواعد ومعايير المعرفة بشكل مبادئ ميتافيزيقية وأيضاً بشكل تفكير باطني حول القضايا الخاصة بالماهيات و مبادئ الموجودات.

وفيما يتعلق بمفاهيم وماهيات المثل ينبغي القول إنها واقعيات ثابتة وقائمة بذاتها وهي مستقلة بشكل مطلق ومنفصلة عن الظواهر القابلة للتغير الممتزجة بالعدم. وبحسب الإبستمولوجيا يمكن تسميتها بالمفاهيم الكلية، أو الأجناس والأنواع، ذلك أن أفلاطون يستخدم مفردتي «أَيدوس» و «إيديا1» كليهما بمعنى الجنس والنوع ولايفرق بين هذين الاثنين، كما أنه يطلق مفردة «مورفه2» عليهما. وتعطي كل واحدة من هذه الكلمات الثلاث معنى الشكل والتمثال والوجه.  وتستخدم ذهنياً بمعنى تصور تلك الأشكال والوجوه والمفاهيم الكلية (ظ: يوثيفرون، 6D ، غورغياس، 454E ، ثيايتيتوس، 148D، مينون، 73C، فيدروس، 265D,249B، برمنيديس، 129C,139A-D ، مخ‍ (.

ويطلق أفلاطون على المثل أسماء أخرى أيضاً مثل: الكينونة (فيدروس، 247C، كراتيلوس، 386D، فيدون، 78D، برمنيديس، 135A)، وكذلك الكينونة الخالدة (تيمايوس، 37E)، والموجود دائماً (ن.م، 27D)، والموجود، أو الموجودات الحقيقية ( فيدروس، 247C-E، «الجمهـوريـة»، 597D)، والمـوجود الكـامـل و التـام ( السوفسطائي، 248E، «الجمهورية»، 477A)، والموجود بنفسه، أو بذاته (تيمايوس، 35A,38A). وميدان المثل هو ماوراء هذا العالم، أي هناك، حيث «يقع الوجود الحقيقي والعديم اللون والشكل وغير الملموس، وإن المعرفة الحقيقية مرتبطة به، ولايمكـن رؤيتـه إلا للعقـل (الفـكـر) الـذي هـو قـائـد الـروح» ( فيدروس، 247C-D). وكل مثال «هو موجود في ذاته وبذاته ولذاته، ذو شكل واحد وسرمدي» («المأدبة»، 211A)، وبعبارة أخرى المثال يعني «ذات الجمال وذات الوجود وذات الموجود الذي لايتغير على الإطلاق، وذات كل وجود، موجود شكل بذاتـه بـاق ولايـقبـل التـغيـيــر إطـلاقـاً وبـأي شكـل من الأشـكـال» ( فيدون، 78D). وجميع الموجودات تأخذ وجودها من مُثلها؛ وهكذا، فحتى أشياء مثل الإنسان والنار والماء والشَّعر بل وحتى الأرجاس لها أيضاً مثل ( برمنيديس، 130B ff.). كما أن مفاهيم الصفات والنسب والأشكال الرياضية والكبر والصغر والسوء والتماثل وعدم التماثل وجميع ما يصنعه الإنسان أيضاً لها مثل (ظ: تيمايوس، 51B، «الجمهورية»، 596A,597C، برمنيديس، 133C-D، فيدون 65D).

والآن يمكن التساؤل كيف تكون العلاقة بين المثل وأفراد الموجودات؟ وجواب أفلاطون هو أن المثل في الطبيعة مثل النماذج الأصلية، والموجودات الأخرى هي أمثال لها، وإن مشاركتها في المثل هي تماثلها بها وليست شيئاً آخر (برمنيديس، 132D). والمثل قابلة للفكر بها، لا لرؤيتها («الجمهورية»، 507C). وعالم المثل هو ميدان المعقول بإزاء ميدان المحسوس؛ ومن جهة أخرى، فإن أفلاطون في فترة شيخوخته وبفعل التأثير المتزايد لنظريات الفيثاغوريين يربط المثل بالأعداد الرياضية ويحاول إخراجها بشكل نظام عددي. وهذه هي النظرية التي ينسبها أرسطو بشكل خاص إلى أفلاطون (ظ: أرسطو، الميتافيزيقا، الكتاب XIII، الفصل 7، الورقة 1081a، السطر 1082b-14،السطر 30، الكتاب XIV، الفصل 3، الورقة 1091 a، السطر 4).

وللمثل مراتب متسلسلة يكون فيها كل جزء في كل واحد؛ وفي أعلى هرم هذه المراتب يقع مثال الخير، أو الإحسان. يقول أفلاطون عن مثال الخير: كما أن الشمس في العالم المحسوس هي الدافع للحياة والنماء وكذلك إبصار العين وتجعل الأشياء مرئية، فبنفس القدر في عالم ماوراء الحس تتلقى جميع أشياء المعرفة، ليس فحسب قدرتها على المعرفة من وجود مثال الخير، بل إن وجودها وكينونتها أيضاً مدينان له، برغم أن الخير بذاته ليس وجوداً، بل هو ماوراء الوجود في عظمته وقوته («الجمهورية»، 509). ومثال الخير هو أعظم تعليم، أو معرفة تصبح بواسطتها العدالة وجميع الأشياء الأخرى نافعة ومثمرة، لكننا لانملك معلومات كافية عنها (ن.م، 505A، أيضاً 508E, 517C، كراتيلوس 418E).

والأمر الذي يجدر أن نتذكره هو أن أفلاطون استخدم مثال الخير كمفهوم ميتافيزيقي و«علم الوجودي1»، لاكمفهوم أخلاقي. وبحسب تعبيره هو، ففي ميدان المعارف، فإن آخر شيء ينبغي أن يُلاحظ ــ ويلاحظ بصعوبة ــ هو مثال الخير، وحين يلاحظ، ينبغي أن يوصلنا إلى نتيجة هي سبب جميع أشكال الصدق والجمال. وفي ميدان المشاهدات ينتج الإنارة، وفي ميدان المعقولات أيضاً يؤدي إلى ظهور نفسه والضياء، وهو المصدر المقتدر للحقيقة والعقل وكل من أراد أن يتصرف بعقلانية في مجالي الحياة الخاصة والعامة، ينبغي أن يكون قد رآه («الجمهورية»، 517C).

وبرغم جهود أفلاطون لإيضاح نظرية المثل، فإنها تثير أسئلة وأهم سؤال هو أنه أخيراً وفضلاً عن التعابير المجازية مثل «التشابه والتماثل» و «المشاركة، أو الاشتراك» التي يستخدمها أفلاطون لإيضاح العلاقة بين المثل والأشياء المحسوسة في هذا العالم، فلايزال غير واضح تماماً نوع علاقة المثل ببعضها فمثلاً ما هي علاقة مثال الخير بمثال العدالة؟ أو علاقة مثال النبات بمثال الورد وما شابه ذلك (لمعرفة أهم المصادر حول وصف وتعريف المثل في آثار أفلاطون، ظ: فيدون، 76B-C,78C-80B,65D-66A، فيدروس، 247C، «الجمهورية»، 477A-480E ، «المأدبة»، 210-211E، تيمايوس، 27D-28A,52A-B ، فيليبوس، 59C؛ عن دوافع أفلاطون في طرح مسألة المثل، ظ: پنر2، كافة أرجاء الكتاب).

نظرية المعرفة:  ترتبط نظرية المثل لدى أفلاطون ارتباطاً وثيقاً بنظرية المعرفة لديه، وكما أسلفنا، فإن المعرفة، أو العلم الحقيقي يحصل فقط عن طريق النظر في عالم المثل. كذلك رأينا أن أفلاطون يقسم عالم الوجود إلى قسمين رئيسين: القسم المحسوس والقسم المعقول، أو القابل للتفكر. وفي مواجهته للعالم المحيط به و إدراكه ظواهره، يجتاز الإنسان 4 مراحل على التوالي: 1. التصور، أو الظن؛ 2. التصديق؛ 3. الفهم؛ 4. التعقل، أو التفكر الذي هو المعرفة. والخطر الرئيس في هذا الأمر هو الاعتقاد. والاعتقاد بدوره على صنفين: الاعتقاد الحقيقي، أو الصحيح والاعتقاد الخاطئ. والاعتقاد الصحيح إن كان مصحوباً بتقرير استدلالي حول الموضوع يمكن أن يُرشد إلى المعرفة.

وإن أول أشكال إدراكنا للعالم المحيط بنا وأكثرها نقصاً هو الظن، أو التصور؛ أي إدراك الصور والظلال والأشباح. والظن شكل من أشكال الاعتقاد الغامض وغير اليقيني، ودافعه هو مشاهدة هيئة، أو ظاهر، أو شكل خارجي لشيء ، أو موضوع ما.

والمرحلة الثانية لتوسيع نطاق المعرفة هو التصديق الذي له سمة تناقض تماماً مع الظنّ. وفي هذه المرحلة يستشعر يقين أكبر، وكأن الإنسان بلغ ما يسمى الأشياء المحسوسة. وموضوع التصديق بحسب تعبير أفلاطون هو العالم المحيط وعالم الطبيعة بأسره ومصنوعات الإنسان. أما الظن والتصديق فكلاهما يتعلقان بمرحلة الاعتقاد. وفي مرحلة الظن، فإننا ندرك الواقعية بشكل سلسلة من الأمور المنفصلة والمستقلة عن بعضهما في الظاهر، لكل واحد منها وضع وصفة خاصة به، ولانعلم ما إذا كانت هذه الأشياء واقعية، أم هي صور عن الواقع فحسب. فمثلاً المعرفة التي لدينا في هذه المرحلة عن موضوع معين مثل العدالة، أو الخير لايُعرف إن كانت قد حصلت عن طريق المسموعات والمقروءات، أم عن طريق التجربة والبحث العقلي والشخصي. وفي مرحلة الظن، أو التصديق، فإننا نكتفي بالإشارة إلى شكل خاص، أو أسلوب معين فحسب في مواجهة الأسئلة المتعلقة بماهية الأشياء، أو الموضوعات. فمثلاً لتعريف مفهوم العدالة نستطيع الإجابة فقط بالإشارة إلى شكل القوانين وأساليب الحكومة والمنظمات  السياسية لبلد معين. وهذا النوع من المعرفة ليس يقينياً.

ولما كانت حالتا التصور والتصديق تجعلنا نواجه مصاعب وحيرات، فإن التفكير يتقدم إلى مرحلة أخرى هي الفهم. وهذه المفردة تعني الإدراك. وربما أمكن أن يُعدّ اتجاه عالم، أو باحث نموذجاً لذلك. ويقدم أفلاطون الفرعين العلميين المشهورين في عصره فحسب، أي علمي الحساب والهندسة على أنهما الأرضية المحددة لهذا الاتجاه الفكري (الفهم)، ويبحث السمتين المميَّزتين لهما دون أن يظهر العلاقة بينهما: الأولى أنه يتعامل مع الأشياء المحسوسة، لكنه في خلال ذلك يستخدمها كعلامات، أو رموز لأشياء تبدو غير محسوسة؛ الثانية أنه ينبري للاستدلال بواسطة «المفروضات». فعالم الحساب، أو عالم الهندسة يتعامل مع أشياء محسوسة ومرئية، لكنه خلال البحث لايفكر بها، بل يفكر بالعلامات والصور التي اختارها لها؛ فمثلاً عالم الهندسة خلال عمله يتعامل مع المثلث، أو الدائرة بذاتيهما، ويرسم دائرة تكون لديه رمز، أو علامة تلك الدائرة. ومن جهة أخرى، وكما أسلفنا، فإن الموجودات الواقعية لدى أفلاطون والتي تشكل الأشياء علامات وأمثالاً لها هي الأمثال، أو الأصول الأولية. وعالم الهندسة أيضاً يبدأ بمفروضات ويتقدم ليس لأجل أن يحصل على تلك النماذج الأصلية، أي المثل، بل إن هدفه هو بلوغ النتيجة؛ فهو يأخذ المثلث، أو الدائرة، أو الأشكال المشابهة لها مما هو معروف له بشكـل ما ويتقبلها كمفروضات، وعندهـا ــ وباستخـدام شكل عيني محسوس ــ يستدل للحصول على النتيجة من غير أن يكون له اهتمام ورغبة بهذا المثلث، أو تلك الدائرة المعينة. وفي الحقيقة، فإن عالم الهندسة يسعى ــ بحسب تعبير أفلاطون ــ إلى إدراك ذلك النـوع مـن الأشيـاء التي يستطيـع الإنسان رؤيتهـا بـ «عين الروح» فحسب. لكن هذه المرحلة من الاتجاه الفكري أيضاً ليست كافية، ذلك أنها تتعامل مع المفروضات؛ والمفروضات ليست غير واقعية وتتمتع بشكل من أشكال الوجود، لكنها غير كاملة. وعالما الحساب والهندسة يتعاملان مع أشكال من الوجود وكأنها مستقلة ومنفصلة عن بعضها تماماً. ومفروضاتهما بحاجة إلى «إثبات» ليظهر في الحقيقة أن جميع أجزاء عناصر متعلقة بكل واحد متصلة ببعضها. وإن المعرفة الكاملة هي إدراك الأشياء في ارتباطها بأصل أولي غير مفترض. وإن جهود الفكر الإنساني هي دائماً على طريق بلوغ هذا الهدف.

والمرحلة الرابعة من المعرفة هي التفكر، أو التعقل الذي هو المعرفة، أو العلم الحقيقي. وهذا هو الهدف الأخير الذي برغم أنه لايمكن بلوغه، إلا أنه ينبغي السعي إلى نيله. وكما نُقل في البدء من «الرسالة السابعة»، فإن المعرفة الحقيقية هي «الشهود الذي يحدث فجأة بعد جهود حثيثة». وفي مرحلة التعقل لايوجد أي عنصر حسي، أو محسوس، كما أن أي نوع من المفروضات غير مطروح (ظ: «الجمهورية»، 510-511).

وكما أسلفنا، فإن أكمل مراحل المعرفة تحصل عن طريق الديالكتيك وهي في الحقيقة الهدف النهائي من تعليم جميع العلوم الأخرى. وموضوع المعرفة لدى أفلاطون على نوعين؛ والدافع لهذه الثنائية سؤالان أساسيان؛ ما هو ذلك الكائن الدائم الذي لاتطاله أية صيرورة إطلاقاً؟ وما الشيء الذي هو دائماً صائر، أو حادث وليس كائناً على الإطلاق. فما هو الكائن دائماً بذاته قابل للإدراك عن طريق التفكير والتعقل، وإن ما هو موضوع الاعتقاد ويحصل عن طريق الإدراك الحسي وارتسام صور الأشياء في الذهن وليس عن طريق تعقلها، هو دائماً في «صيرورة وقابل للفناء» وليس هو «كائناً» حقيقياً على الإطلاق (تيمايوس، 27D-28A).

وهكذا، فكما أن الكينونة تقع بإزاء الصيرورة، فكذلك الحقيقة تقع بإزاء الاعتقاد (ن.م، 29C). ومن جهة أخرى، فإنه يؤكد في محاورة تيمايوس نفسها التي هي نتاج المرحلة النهائية للفكر الفلسفـي الأفلاطوني ــ وربما يكـون تاريخها التقريبي بيـن السنـوات 360-347 ق.م ــ عـلى أن معـرفة الإنسـان وعلمـه محدودان دائماً. «إننا لانستطيع على الإطلاق أن نقدم تعاريف حول الآلهة وتكوين العالم تكون دائماً كافية وذات دقة تامة، بل ينبغي لنا أن نقتنع ببلوغ النتائج هي أقرب لأن تكون احتمالاً، إذ لاينبغي لنا أن ننسى أننا جميعاً بشر وجدير بنا أن نتقبل ما هو محتمل، وأن لانتجاوز هذا الحد (الاحتمال) في بحثنا» (ن.م، 29D). وهذا يعني أن علينا دائماً أن لانبعد عن أذهاننا الخطأ المحتمل خلال بحوثنا المَعرفية. ويمكن أن نجد نظريات أفلاطون الأكثر شمولية حول نظرية المعرفة وعلم الوجود في البحثين المشهورين «مثال الكهف»، و«مثال الخط» في «الجمهورية» (504A-511E,514A-521B,539D-541B؛ عن أحدث الدراسات بهذا الشأن، ظ: «أفلاطون ...1»، 179-203,205-227).

علم الكون:   لنظريات أفلاطون حول العالم المادي وكيفية تكونه ارتباط وثيق بنظرية المثل. وقد قيل إن المثل لديه تُعدّ موجودات حقيقية فحسب؛ بينما عالم الظواهر المحسوسة هو حد أوسط بين الوجود والعدم مهمته الانتقال من الوجود إلى العدم ومن العدم إلى الوجود، أي الصيرورة (ظ: «الجمهورية»، 476A,477A,493E، «المأدبة»، 211E). وعلى هذا، فإن العالم المادي لايتمتع على الإطلاق بوجود أصيل، أو حقيقي (تيمايوس، 28D)، ولاتظهر المثل فيه إطلاقاً بشكل خالص وكامل، بل تظهر دائماً ممتزجة بالمادة وهي دائماً غامضة و متفرقة، والعالم المحسوس ملآن بالتضاد والنقصان.

ومحاورة تيمايوس التي هي واحدة من أواخر كتابات أفلاطون، تتناول حصرياً كيفية تكوين العالم وتركيبته. ويسمي أفلاطون تصويره هذا للعالم أسطورة (ن.م، 29D). وكان تيمايوس أحد مواطني لوكري1 (في جنوب غربي إيطاليا) ومن أتباع مدرسة فيثاغورس، وكان أفلاطون قد تعرف إليه في إحدى رحلاته إلى إيطاليا (عنه، ظ: پاولي، مادة تيمايوس2). وهو المتحدث الرئيس في هذا المؤلَّف، ويُطرح بادئ الأمر هذا السؤال: ترى هل أن العالم كان له وجود دائماً ولم تكن له بداية، أم أنه مخلوق وكانت له بداية؟ والجواب هو أن العالم مخلوق، ذلك أنه مرئي وملموس وله جسم، ومحسوس (ص 28B). ومن جهة أخرى، فإن كل مخلوق ينبغي بالضرورة أن يكون قد خُلق من قبل علة ما. إذن، فنظام عالمنا مخلوق من قبل رب «خالق»، أو «أب» يسميه أفلاطون «صانعاً». وإن كشفه بحد ذاته مهم، حتى لو أننا نجحنا فيه، فإن الحديث عنها ليس ممكناً للجميع (ص 29).

والصانع خلال خلقه للعالَم كان يهتم بما هو خالد، أي عالم المثل؛ ذلك أن العالم هو أجمل المخلوقات وصانعه أفضل العلل (ن.ص). إذن، فالعالم الذي خلق بهذا الشكل، صنع وفق نموذج هو مُدرَك بواسطة العقل والفكر وموجود بذاته. والصانع، أو الرب هو الخير والخير لا يحسد شيئاً إطلاقاً، ولأنه لم يكن لديه حسد، كان يريد لكل شيء قدر المستطاع أن يكون مثله، أي خيراً، لاشرّ فيه. وعندما تناول ما هو مرئي وجده في فوضى وحركة مضطربة، لذا حوّل الفوضى نظماً (ن.م، 28C-30D). لكن لما كان التصوير يجب أن يكون كالصانع حياً وذا عقل، فقد خلق روحاً كونية ذاتها غير قابلة للتقسيم ومزجها بالذات الجسمانية «قابلة للتقسيم»، وأنتج جوهر الوجود الذي هو الذات الثالثة والحد الوسط بين «هذا نفسِه» والآخر؛ وهكذا، فإن العالم واحد وفريد وفي صورة حيوان ذي روح وعقل، وهو معلول للتفكير المسبق، أو العناية الإلٰهية. ثم إن الصانع صنع العناصر بمنحه أشكالاً هندسية للأجزاء الموجودة فيها خلال ذلك الاضطراب الأولي وأحاطها بالروح الكونية وخلق نظام الكون كموجود حيّ (ن.م، 34B-35A). ومن هنا يسمي أفلاطون الكون «الرب المحسوس» الذي هو صورة عن الرب المعقول (ن.م، 92C).

والآن ينبغي للعالم المخلوق أن يكون بشكل جسم ومرئياً وملموساً أيضاً. وهكذا، صنع الرب جسم العالم في البدء من النار والتراب، لكن هذين الاثنين لم يكونا ليستطيعا أن يتخذا شكلاً من غير وجود عنصر يربطهما ببعضهما، فوضع الرب الماء والهواء بينهما ومنح كلاً منها مقداراً متساوياً وصنع جسد العالم من هذه العناصر (ن.م، 32B، أيضاً ظ: 36: استخدام أفلاطون لمفاهيم رياضية وهندسية مثل المثلثات والمربعات والمكعبات في شرح تركيب العناصر الأربعة). والآن، فإن هذا الموجود الحي (الكون) ينبغي أن يكون له أفضل الأشكال وهو الشكل الكروي. وقد وضع الرب الروح في مركزه ونشرها في جميع أرجاء جسد الكون. وعندها قرر أن يكون الكون قدر المستطاع دائماً، أي تصويراً لخلود عالم المثل. وهكذا، فقد ظهرت صورة متحركة للخلود برغم كونها خالدة، إلا أنها تتحرك بانسجام مع الأعداد، أو الأرقام، بينما الخلود بذاته واحد، أو وحدة. وهذه الصورة هي التي ندعوها الزمان؛ فقبل خلق الزمان لم يكن هناك ليل ونهار وشهر وسنة؛ فهذه بأسرها أجزاء الزمان. ونحن ننسب خطأً «كان» و«كائن» و«سيكون» إلى «الجوهر الخالد»، بينما ذلك الجوهر هو «الكائن» فحسب؛ و«الكائن» جدير به (ن.م، 37D-E). وقد ظهر الكون والزمان بموجب نموذج «الطبع الأزلي». وقدر المستطاع متماثلان له في لحظة واحدة. وعندها خلقت الشمس والقمر والكواكب الخمسة التي تسمى السيارات ليصبح قياس الزمان أمراً ممكناً؛ ووضعها الصانع في مدارات؛ وكان القمر أولاً ومداره أقرب مدار إلى الأرض، ثم جعل الشمس في المدار الثاني، ووضع فوقها الزهرة والكواكب الأخرى (ن.م، 38B-C). وهكذا، يصبح الكون جسداً حياً مركباً من أربعة أنواع من الأحياء: جيل سماوي، أي الكواكب التي تسمى «أرباب الأرباب» (ن.م، 41A)، ومهمتها خلق بقية الأجيال مثل الطيور والأسماك والأحياء فوق الأرض. ثم انبرى الرب لصنع أفراد الأرواح من نفس الخميرة التي كان قد صنع الروح الكونية منها.

وكان ما قاله أفلاطون حتى الآن عن تكوين الكون ودافعه توضيحاً لأنشطة العقل، لكن في الحقيقة، فإن هذا الكون هو حصيلة مزج بين «الضرورة» و«العقل». وإن العقل الذي كان متحكماً بالضرورة أقنعها لتهدي غالباً الأشياء المخلوقة بأفضل صورة.  وهكذا، فعندما استسلمت الضرورة للإقناع العقلي، ظهر كوننـا في البدء. لكن ولكي نعـرف كيف أُنجز هذا العمل، علينا ــ حسب تعبير أفلاطون ــ أن نضع في الحسبان شكل، أو وجه «العلة الحائرة»؛ وخلال هذا نتناول مرة أخرى طبائع النار والتراب والنار والهواء والتي تسمى الأصول، أو المبادئ، أو العناصر (ن.م، 48).

وهنا يجدر أن نشير إلى أن بعض الباحثين في آثار أفلاطون منذ القدم وجدوا لديه علامات على النزعة الثنوية، حيث بحثوا عن مصدرها في المعتقدات الشرقية وبشكل خاص الإيرانية واستنتجوا أن أفلاطون كان يعتقد بوجود علتين، أو مبدأين في العالم هما الخير والشر؛ بينما يعدّ أفلاطون الربّ خيراً محضاً ومطلقاً؛ ويرى أن سبب القبائح والفظائع والمساوئ هو وجود عنصر جسماني، أو مادي في الكون يطلق عليه في تيمايوس اسم «الفضاء، أو المكان3» (ن.م، 48E ff.). وقد سمي هذا العنصر الجسماني الذي هو شيء بلاشكل، لكنه يقبل كل الأشكال «المادة الأفلاطونية» ( عن المادة الأفلاطونية، ظ: هاپ، 85 ff.). لكن من جهة أخرى، يعلن أفلاطون في أحد المواضع بصراحة : لاينبغي أن نقول إن إلٰهين معارضين لبعضهما يديران العالم («السياسي»، 270A؛ عن بحث وافٍ للنزعة الثنوية لدى أفلاطون، ظ: فستوجير، 39-79).

الأنثروبولوجيا وعلم النفس:  يرتبط علم الإنسان وعلم النفس ببعضهما لدى أفلاطون ارتباطاً وثيقاً، فهو يبحثهما من منظارين: أسطوري وفلسفي ـ علمي. ففي توضيح الأسطوري يقال إن الصانع لما انتهى من تركيبة الكون والآلهة المخلوقة أمر الآلهة المخلوقة أن يخلقوا الموجودات الفانية، فخلقوا أولاً جسم الإنسان والأجزاء القابلة للفناء من الروح، لكن الرب نفسه جعل الجزء الخالد من الروح في جسم الإنسان. وعلاقة روح الإنسان بجسمه مثل علاقة روح الكون بجسده، أو علاقة الجزء بالكل، أو الأصل بمشتقه (تيمايوس، 41 ، أيضاً ظ: فيليبوس، 30A).

كما أن روح الكون واسطة بين المثال وعالم الظهور، وأول شكل للظهور هو وحدة المثال في كثرة الموجودات، فالروح أيضاً برغم أنها ليست مثالاً، لكنه لها نفس المهمة؛ فمن جانب هي مرتبطة بالمثال، بحيث لايمكن التفكير بدونها، ومن جهة أخرى، لها من الارتباط الجوهري بمثال الحياة مما لايجعل معه للموت إليها سبيلاً. يقول أفلاطون في تعريفه الروح: هي الحركة التي تستطيع أن تحرك نفسها («القوانين»، 896A، أيضاً ظ: فيدروس، 245D-246B). والتماثل الآخر بين الروح والمثال يكمن في أن ماهيتها بلا بداية ولانهاية وبلا تكثر ولاتركيب («الجمهورية»، 611B ff.). والروح هي أشبه شيء بالأمر الإلٰهي وهي لاتموت ومعقولة وبشكل واحد وغير قابلة للانحلال ودائماً في ذاتها وقائمة بذاتها؛ بينما الجسد شيء إنساني قابل للموت، على عدة أشكال، غير معقول، قابل للانحلال وليس قائماً بذاته على الإطلاق ( فيدون، 80B).

وفي البدء، خلق صانع العالم أرواحاً بعدد الكواكب ووضع كل روح في كوكب، ثم انتقلت من هناك إلى أجساد البشر، لكن جميع الأرواح كانت في بادئ الأمر ذكوراً. وكل روح ظلت بعيدة عن التلوث بالشهوات الجسمانية، تعود مرة أخرى إلى كوكبها بسعادة، أما الروح التي لاتسيطر على الشهوات الجسمانية، فتتخذ في ولادتها الأخرى حالة أنثوية وإذا ما استمرت في حياتها الأرضية بتدنسها الشهواني والجسماني، فإنها ستحل بعد الموت في أجسام الحيوانات (تيمايوس، 41D ff.، أيضاً ظ: ..(90E ff وكان أفلاطون يؤمن بشدة بعقيدة التناسخ (عن تفاصيل مصير الأرواح بعد الموت، ظ: «الجمهورية»، 613E ff.: أسطورة «إير1»، أيضاً ظ: «السياسي»، 272E، غورغياس، 523 ff.، فيدون، 109B ff.,ll3D ff.). وإجمـالاً، فـإن الـروح من وجهـة نظر أفلاطون، وبشكل خاص قسمها العقلي والمفكر، خالدة غير قابلة للفناء.

التذكر من جديد:  هذه المعلومة هي أساس نظرية المعرفة لدى أفلاطون. وكان السوفسطائيون يقولون: إن ما هو معروف لايمكن تعلمه، وما هو مجهول لايمكن البحث عنه. بينما يقول أفلاطون: إن ما هو مجهول لنا اليوم كان يوماً ما معروفاً وقد نسينـاه (فيدروس، 249B ff.، مينون، 80D ff.، خاصة فيدون، 72E ff.). فمثلاً كيف يمكننا تعليم المعارف الرياضية وأمثالها لمن هو غريب عنها من غير أن يكون لها وجود في ذهنه مسبقاً؟ أو بعبارة أخرى، إذا لم تكن المفاهيم الكلية المستقلة عن المحسوسات معروفة لدينا، فكيف تستطيع الأشياء المحسوسة أن تذكرنا بالمفاهيم الكلية؟ ومن البديهي أننا لانستطيع انتزاع المفاهيم الكلية من تلك الأشياء بذاتها. ولأن هذه المعارف والمفاهيم لها وجود قبل كل إدراك حسي، ونحن لم نحصل عليها في حياتنا الأرضية، فلابد أننا جئنا بها معنا من حياة سابقة لامحالة (ن.م، 72E,82A,114D، مينون، 86B). وعلى هذا، يصرح أفلاطون أن البحث والتعليم هو تذكّر من جديد (ن.م، 81D). وبالنتيجة، لم يكن بإمكاننا الاطلاع على ماهية الأشياء، أي المثل المحجوبة عن إدراكنا الحسي، من غير أن تكون الروح على اطلاع بها في حياة سابقة ( فيدون، 73C ff.). وعلى هذا، فخطأ ما يقوله بعض أساتذة التربية والتعليم من أنهم يستطيعون وضع معرفة في روح ــ مثل وضع الإبصار في عين عمياء ــ لم تكن فيها من قبل، بينما القدرة والاستعداد للتعلم موجودان في الروح من قبل («الجمهورية»، 518C).

أجزاء الروح:  لما لم يكن للروح قبل تعلقها بالجسد أي ارتباط جوهري به، بل كانت تعيش في عالم الأرواح طاهرة نقية، يمكن القول إننا ــ نحن البشر ــ وكأننا مسجونون في أجسادنا بشكل ما. وهذا التعبير الذي يحتمل أن يكون أفلاطون قد اقتبسه عن نظرية «الأورفيوسيين2» الذين «كانوا يعتبرون الجسد سجن الروح» ( فيدون، 62B). لذا يشبِّه أفلاطون الوضع الحالي للروح التي ابتليت بالجسد وشهواته بحالة غلاوكوس3 (إلٰه البحر لدى اليونانيين) الذي التصقت به الأصداف والطحالب وتعلقت بشكل لايمكن معه معرفة وجهه الحقيقي (تيمايوس، 42A ff. ، 69C، أيضاً ظ: «الجمهورية»،611). وهكذا، فإن للروح وجهين: وجه قابل للفناء وغير معقول، ووجه خالد ومعقول (تيمايوس،69C ff.، 72D، «السياسي»، 309C، أيضاً ظ: «القوانين»، 961D).

ومن جهة أخرى، يرى أفلاطون أن للروح ثلاثة أجزاء: جزء عاقل وجزء غضبي وجزء شهوي. والرأس هو موضع الجزء العاقل، والصدر، أو القلب هو موضع الجزء الغضبي، والقسم الأسفل من الجسم هو موضع الجزء الشهوي («الجمهورية»،  441C-444D، أيضاً 548C,550B، أيضاً 580D ff. ، تيمايوس، 69C ff.). والجزءان السفليان من الروح لايوجدان في الإنسان فقط، بل في الحيوانات والنباتات أيضاً (ظ: ن.م، 77B). وتتضح أهمية هذه الأجزاء الثلاثة للروح أكثر ما تتضح في الفلسفة السياسية لأفلاطون ودولته المنشودة.

فلسفة الأخلاق:  ليس جزافـاً إذا ما قلنا إن فلسفة أفلاطون ــ بنظرة ما ــ أخلاقية بأسرها (الأخلاق الفردية والاجتماعية). وكما سنورد، فإن فلسفة سياسة أفلاطون بمعناها الواسع أيضاً أخلاقية. ولهذا يمكن تسميته أول مؤسس لفلسفة «ما ينبغي ومالاينبغي». ويعود منشأ فلسفة الأخلاق لدى أفلاطون إلى أفكار سقراط وكذلك إلى أسلوبه وطبيعته. وكان سقراط يؤكد دائماً أن الفضيلة هي المعرفة، وعلى هذا، فهي قابلة للتعلم. وهو يعرّف الفلسفة في موضع ما، فيقول: الفلسفة بلوغ المعرفة (يوثيديموس، 288D)؛ لكن يُطرح هنا سؤال: أية معرفة صحيحة، بحيث ينبغي لنا أن نبلغها؟ والجواب هو: هي المعرفة النافعة لنا. والمعرفة هي تلك التي يتحد فيها صنع واستخدام ما تمت معرفته (ن.م، 288-289). وهنا تتضح الخصلة العملية للمعرفة. وهكذا، فمن وجهة نظر أفلاطون، فإن المعرفة الأخلاقية هي دافع للفعل الأخلاقي، أو السلوك والتعامل الأخلاقيين. والهدف النهائي لحياة البشر هو السعادة. والوسيلة لبلوغ السعادة هي الحصول على الخيرات، أو الأشياء الحسنة، ذلك أن جميع البشر يسعون إلى الحصول على الأشياء الجيدة («المأدبة»، 204E ff.). وهذه أفكار مشتركة بين أفلاطون وأستاذه سقراط.

ومن جهة أخرى، وكما أشرنا، فإنه في التسلسل الصعودي لمراتب المثل، يقع مثال الخير، حيث هو الخير الأفضل. والآن يمكن التساؤل: إذا كان الهدف النهائي من حياة البشر هو الحصول على السعادة، فما الوسيلة إلى بلوغ ذلك؟ يقول أفلاطون اتباعاً منه لسقراط: هذه الوسيلة هي آريته1 (الفضيلة). ولهذه المفردة ومفهومها دور أساسي في كافة أرجاء فلسفة الأخلاق لدى أفلاطون وكذلك فلسفة السياسة لديه. وكانت هذه المفردة تستخدم في الأصل بمعنى التفوق في الحرب، ثم بمعنى المهارة في أي نوع من الأعمال والأفعال، وأخيراً لمصطلح فلسفي بمعنى الفضيلة الأخلاقية. ومفهومها الضمني هو كل ميزة وكمال. وهذا المفهوم لدى أفلاطون هو الحالة الصحيحة والنظم الباطني وانسجام الروح وسلامتها. فلكل واحد من الأعمال والأنشطة الإنسانية فضيلة خاصة. وبرغم أن الفضيلة هي في الواقع واحدة لا أكثر، لكن الفضائل الأخلاقية الرئيسة لدى أفلاطون هي عبارة عن المعرفة، أو الحكمة، الشجاعة، أو الشهامة، العدالة، أو القسط، ضبط النفس، أو العفة والتي تضاف إليها التقوى، أو التدين أيضاً (ظ: پروتاغورس، 330B). وهذه الفضائل منسجمة مع أجزاء الروح على النحو التالي: الحكمة، أو المعرفة مرتبطة بالجزء العاقل من الروح، والشجاعة مرتبطة بالجزء الغضبي، وضبط النفس مرتبط بكلا جزئيها؛ ويمكن للعدالة أن تكون مشتركة بين جميع أجزاء الروح.

النظام الأخلاقي لأفلاطون وكما أشرنا، فإن نظام «ما ينبغي وما لاينبغي» والذي يقدم تبلوره العيني في الفلسفة السياسية وبشكل خاص ما يعرضه في هيكلية مدينته الفاضلة. والفضائل الأخلاقية لديه شكل من الأحكام والفرائض، أو الواجبات الأخلاقية التي يوصل الاعتقاد بها ــ  وبشكل خاص استخدامها في الحياة الفردية والاجتماعية ــ الإنسان مرتبة الكمال. ومن بين الفضائل الأخلاقية الأربع الرئيسة، تحظى العفة وكذلك العدالة بأهمية خاصة لدى أفلاطون في الحياة الفردية والاجتماعية والسياسية، والعفة هي شكل من أشكال النظم وكف النفس في مواجهة بعض اللذائذ والشهوات، أو بعبارة أخرى أن يكون سيد نفسه («الجمهورية»، 430E ، أيضاً ظ: 389D-E). ويوجد في روح الإنسان عاملا الخير والشر. وعندما يستولي عامل الخير على الشر، فالإنسان سيد نفسه، لكن عندما يُقهر عامل الخير بسبب التربية السيئة، أو مصاحبة السوء من قبل عامل الشر، يصبح الإنسان عبد نفسه وغير منضبط (ن.م، 431).

ولدى تعريفه العدالة ومفهومها، يواجه أفلاطون مصاعب، حيث يخصَّص الكتاب الأول من «الجمهورية» لبحث مفهوم العدالة والتعاريف المختلفة لها من قبل المتحدثين ولايصل إلى نتيجة؛ لكن يقدَّم في الكتاب الرابع تعريف مقبول للعدالة: العدالة تعني أن يقوم كل واحد بأداء عمله الخاص وأن لايمارس جميع الأعمال (ص 433A)، أو بعبارة أخرى، العمل بما هو خاص بالشخص وملك له عدالة (ص 434). وتتضح أهمية هذا التعريف في فلسفة السياسة وهيكلية المدينة الفاضلة لأفلاطون.

فلسفة السياسة والمدينة الفاضلة:  أشرنا إلى أن روح فلسفـة أفـلاطـون ــ بالمعنـى الخـاص الـذي يعطيه للسياسـة ــ سياسيـة. كمـا أن روح الحيـاة لديه هـي العدالة. والعدالة أيضـاً ــ للفرد وللمجتمع ــ فضيلة أخلاقية. وماهية العدالة هي الحق الطبيعي لكل إنسان ليتمتع بجميع نعم ومسرات الحياة بحسب المواهب والاستعدادات والمنجزات والمعطيات المتنوعة لبني البشر في مجال أنشطة الحياة الفردية والاجتماعية. وإن هدف تحقق العدالة هو السرور والرضا عن الحياة، أو بحسب تعبير أفلاطون السعادة. وهكذا، فإن السياسة والأخلاق مرتبطان ببعضهما ارتباط وثيق غير قابل للفصل لدى أفلاطون؛ لكن قبل كل شيء، يجب أن نتذكر أن أفلاطون في فكره السياسي رجل مثالي. وليس بجزاف إذا ما اعتبرناه أكبر مثالي في مجال السياسة في تاريخ العالم. واتباعاً منه لأستاذه سقراط، فإن لأفلاطون اتجاهاً نقدياً حاداً لجميع الأنظمة السياسية والهيكليات الحكومية والدولية في عصره. ومن هنا، فإن جهوده هي لطرح وتأسيس مجتمع يستطيع البشر فيه بتحقيقهم العدالة في داخل أنفسهم وخارجها أن يبلغوا الهدف النهائي للحياة، أي السعادة في هذا العالم والعالم الآخر.

والأمر المثير للاهتمام يكمن في أن أفلاطون برغم اعتقاده بعدم أصالة العالم المحسوس والحياة في هذا العالم وتأكيده على أصالة العالم الآخر ماوراء عالم الظواهر (أي عالم المثل المعقول) يصر على تحسين الحياة الفردية والاجتماعية للبشر في هذا العالم المادي، وكأنه يعدّ الحياة في ذلك العالم تتمة ومكملة للحياة في هذا العالم ويحاول طرح مشروع وتأسيس مجتمع مثالي، أو مدينة فاضلة، أو بحسب تعبير شهاب الدين السهروردي «ناكجا آباد» (المدينة التي لامكان لها). لكن من جهة أخرى، فإن السؤال الرئيس هو هل إن أفلاطون يقدم مبدئياً فلسفة سياسة، أو سياسة فلسفية، أم لا؟ فمنذ العصور القديمة وحتى اليوم ظهرت استنتاجات متباينة وأحياناً متناقضة بشأن الفلسفة السياسية لدى أفلاطون. ويكمن اختلاف الاستنتاجات والرؤى فيما إذا كان ما يطرحه أفلاطون كسياسة، فلسفة سياسة، أم فلسفة أخلاق؟ وكان استناد سقراط وتأكيده دوماً على الجانب الأخلاقي الفردي والاجتماعي. ويؤكد أفلاطون أيضاً على هذا الجانب. والخصال الأخلاقية الفردية والاجتماعية مكملة لبعضها. وحين تتحقق الأخلاق في المجتمع (الدولة) يصبح تحققها في الأفراد أيضاً أمراً ممكناً. فالفرد العادل ــ مـع الأخذ بنظر الاعتبار مفهوم العدالـة ــ سيكون كدولة عادلة («الجمهورية»، 534E-535، أيضاً ظ: 368D-369A). وفي موضع يقول أفلاطون: هناك نوعان من الأمور يتعلق بهما نوعان من الفن: ما هو مرتبط بالروح يدعى السياسة؛ وما هو مرتبط بتمريض البدن يدعى الرياضة والطب (غورغياس، 464B). إذن فالسياسة تطبيب الروح.

و الأفكار السياسية لأفلاطون موزعة في عدة مؤلفات له. وإن إحدى ميزات أسلوب أفلاطون في الكتابة هي أنه في كل واحدة من محاوراتـه ــ وفضـلاً عـن موضوعهـا الرئيـس والأسـاسي ــ يتطرق إلى مسائل أخرى أيضاً. ومن هنا يأتي تبعثر أفكاره السياسية في مؤلفاته. لكن وفضلاً عن هذه الميزة، فإنه يمكننا أن نجد أهم نظرياته السياسية في 3 مؤلفات: «الجمهورية»، «السياسي»، و«القوانين». وكانت التواريخ التقريبية لتأليفها أيضاً 380، أو 370 وأواسط سنة 360 والسنوات التي سبقت 347 ق.م (أي سنة وفاته).

وكما أشير مراراً، فإن فلسفة أفلاطون بأسرها ممزوجة بالسياسة. وإن هذا الاتجاه نحو السياسة هو موروث التعاليم السقراطية التي محورها الأصلي العلم، أو المعرفة. ويسمي أفلاطون السياسة بالفن الملكي ويرى أنه لايستطيع جميع الأثرياء نيل العلم السياسي على الإطلاق ولاجميع الخلق («السياسي»، 300E)، ذلك أن القيام بحكم البشر أكبر العلوم وأصعبها (ن.م، 292D). ولما كان أفلاطون يسعى إلى الحصول على رجل الدولة الحقيقي والتعريف به وبأفضل شكل للحكم، وكذلك لأنه لايسمي المساهمين في الحكومات الموجودة ــ عدا أولئك المطلعين على العلـم السياسي ــ رجال الحكم، بل «السياسيين الحزبييـن، أو أصحاب التيارات» (ن.م، 303C). وخلال ذلك توجد 3 أشكال للحكم: الملكي وحكم القلة، أو النخبة المقتدرة وحكم الجميع، أو سيادة الشعب (الحكم الديمقراطي). والحكم الملكي يتضمن السلطنة والاستبداد. كما أن حكم القلة يتضمن الأرستوقراطية والأوليغاركية. وحكم الشعب أيضاً هو الحكم الديمقراطي بجميع محاسنه ومساوئه والذي يسميه أفلاطون «حكم الجميع» ويرى أنه ناتج عن الأوليغاركية والذي يتحول إلى الاستبداد («الجمهورية»، 558).

وكل شكل من أشكال الحكم هذه ينقسم إلى نوعين، فتؤسس 6 أنواع من الحكم، إما تلتزم بالقانون، أو لاتلتزم به، ففن التشريع فن ملوكي؛ وأفضل حالة ليست هي أن يكون القانون هو الحاكم، بل الأفضل أن يحكم رجل يتمتع بذكاء، أو عقل عملي، بطريقة ملكية («السياسي»، 294A)، ذلك أن القانون لايستطيع إطلاقاً أن يعين أفضل، أو أنبل وأكثر الأوضاع عدلاً للفرد، أو للجميع، ويقرر ما هو أفضل للجميع، لأن عدم التشابه بين الناس وأفعالهم وأنه لايوجد في حياة البشر شيء ساكن على الإطلاق يمنع أي علم من إعلان ونشر أية قاعدة بسيطة لكل شيء وإلى الأبد (ن.م، 294B). فالحكومة الملكية إذا ما التزمت وتقيدت بالقواعد التي نجدها في محاورة «القوانين» هي أفضل أشكال الحكم، وإذا كانت غير مقيدة بقانون، فهي أكثر الحكومات قمعاً ويصعب العيش فيها («السياسي»، 302-303). وإن مهمة رجل الدولة، أو السياسي الحقيقي هي «نسج» خصال البشر العفيفين والشجعان، أي عندما يجمعهم الفن الملكي من خلال الوئام الفكري والمحبة في حياة واحدة، فإنه يكمل أفضل «نسيج» وأعظمه ويلبسه لجميع سكان «المدينة» ــ من الرقيـق والأحـرار ــ رداء، ولايستبعد أي شيء مما يتعلق بسعادة دولة ما عن نظره (ن.م، 311C). وهكذا، فإن المعيار الوحيد للحكومة، أو الدولة الحقيقية هو أنه يحسن صنعها قدر المستطاع باستخدام المعرفة والعدالة (ن.م، 293D، إن مطالعة جميع هذه المحاورات أمر نافع جداً في التعليم).

«الجمهورية» والمدينة الفاضلة:  تمت الإشارة إلى أن أفلاطون في محاورة «الجمهورية» كان قد خطط لمدينة مثالية، أو بحسب تعبير الفارابي للمدينة الفاضلة. وهو هناك كأنما يروي أسطورة (ص 376D). دولة مدينته كلامية، أو مثالية فحسب ولايمكن العثور عليها في أي مكان من العالم. كما سمى مدينته المثالية بـ «دولة المدينة الجميلة».

إن تكون المجتمع الإنساني هو أمر ضروري، والضرورة أم الاختراع، وأول ضروريات حياة البشر الطعام والمسكن واللباس (ن.م، 369؛ أيضاً ظ: ماركس، 28).

ولكي يتمكن البشر من «أن يصنعوا تاريخاً»، ينبغي أن يستطيعوا العيش؛ لكن وبغية العيش، فإنهم يحتاجون قبل كل شيء إلى الأكل والشرب والمسكن والملبس وكذلك الأشياء الأخرى. إذن، فأول فعل تاريخي هو إنتاج وسائل سدّ هذه الاحتياجات. وكما يقول أفلاطون، فإن المجتمع إنما يظهر عندما لايستطيع أي من البشرأن يسد احتياجاته لوحده. وخلال التعايش يظهر تقسيم العمل، ذلك أن الجميع لايستطيعون ممارسة جميع الأعمال. فكل عمل وحرفة إنما يتم إنجازها بشكل أفضل وأكثر دقة عندما يخصص أشخاص معينون أوقاتهم وطاقاتهم لها. وعلى هذا، فينبغي أن يقسم المجتمع إلى فئات، أو طبقات. وهنا يعدد أفلاطون 3 طبقات رئيسة في المجتمع المثالي: الأولى الأشخاص الذين ينبغي أن ينبروا لممارسة الأعمال الإنتاجية وتوفير وصناعة المواد والأدوات اللازمة لتمشية أمور الحياة وتلبية الاحتياجات المادية للمجتمع؛ ثم أولئك الذين ينبغي لهم أن يصونوا المجتمع والبلاد و يدافعوا عنهما في مواجهة هجمات الأعداء الخارجيين وأعمال التمرد والاضطرابات الداخلية. ثم الطبقة الأسمى والأهم من جميع أولئك هي الأشخاص المطلعون والمتمرسون في فن السياسة وعلمها، أي قيادة المجتمع وتنظيم الأمور وإدارتها؛ ويسمى هؤلاء الحراس، أو الأنصار («الجمهورية»، 374A ff.، أيضاً ظ: 412,429B,547D). ويقدم أفلاطون وصفاً أسطورياً للتركيبة الروحية للطبقات الثلاث: البشر جميعهم إخوة، لكن الرب خلقهم أطواراً، فالبعض الذين لهم القدرة على الحكم مُزجت طبيعتهم بالذهب؛ والبعض الآخر، أي الأنصار صنعوا من الفضة؛ وأخيراً خُلقت جبلة الفلاحين والحرفيين من النحاس والحديد (ن.م، 414-415).

وأهم عمل في مجتمع أفلاطون المثالي هو تعليم المواطنين وتربيتهم، أي تثقيفهم. إذ ينبغي تعليم الأطفال وتربيتهم ليكونوا مستعدين لأداء وظائفهم الحقيقية. وإيداع حديثي الولادة في دور التربية، بحيث إنهم لايعرفون آباءهم وأمهاتهم وأن هؤلاء لايعرفونهم أيضاً (ن.م، 460 ff.). وأن زعماء المجتمع أيضاً ينبغي لهم أن يحددوا جدارة الأفراد لممارسة أعمالهم ووظائفهم ليمارس كل فرد منهم العمل الجدير به (ن.م، 413C ff. ، أيضاً ظ: 415B). وخلال ذلك، يحظى تعليم وتربية أبناء الطبقة العليا من المجتمع بأهمية خاصة. وعليهم أن ينبروا قبل كل شيء لممارسة الرياضة والكمال الجسماني (الجمنازية) وتعلم الموسيقى. فالرياضة ليست تربية للجسم فحسب، بل هي تربية للروح أيضاً. فمزج الرياضة والموسيقى يؤدي إلى اتساع الجسم والروح بشكل متناسق (ن.م، 410B ff.، 591B ff.). لكن الرياضة والموسيقى يجب أن يتم تعلمهمـا وتعليمهما بأشكالهما التقليدية ويجب أن يُتجنب فيهما أي نوع من الحداثة، ذلك أن أي نوع من الحداثة فيهما سيؤدي إلى تغير في التقاليد السياسية والاجتماعيـة الأساسية (ن.م، 424C).

وعلى الحراس أن يقيموا أسسهم الفلسفية على الموسيقى وأن يتجنبوا بشدة أعمال اللهو العديمة القاعدة والمنفلتة، ذلك أن روح الشهوة إذا شقت طريقها، فإنها تتسرب إلى الخصال والعادات شيئاً فشيئاً وأخيراً ستدمر جميع الحقوق الفردية والاجتماعية (ن.م، 424D). والأمر المثير للاهتمام والذي كان على الدوام مدعاة لتعجـب الآخرين وتأنيب أفلاطون هـو أن يُطرد ــ بتوصيـة من أفلاطون ــ الشعراء وبشكل خاص كتّاب المسرح من المدينة الفاضلة لأفلاطون، لأنهم يقلدون الحقيقة والواقعية. وهناك انفصام قديم بين الشعر والفلسفة (ن.م، 607B). فالفلسفة تتعامل مع الحقيقة، بينما يتعامل فن الشعر مع ظلال الحقيقة. وليس الشعراء في الحياة ــ سواء الفردية، أم الاجتماعية ــ قادة للتربية والتعليم على الإطلاق (ن.م، 599-600A).

لكـن ومع ذلك، يثنـي أفلاطـون علـى هوميـرس ــ الشاعـر الملحمـي اليوناني الكبير ــ وأخيراً يُسمح حتى لشعراء الغناء والغزل بأن يعودوا من منافيهم إلى المدينة الفاضلة شريطة أن يتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم وعن أشعارهم؛ كما يُسمح للمدافعين عن الشعر ممن هم ليسوا شعراء بأن يدافعوا عن الشعر بلغة النثر ويظهروا أن الشعر ليس آسراً للقلب فحسب، بل هو مفيد للدول وحياة البشر أيضاً (ن.م، 607D، عن نظريات أفلاطون حول الشعر والشعراء، ظ: ن.م، الكتابان III,X، السوفسطائي، 235C ff.، 265D ff.، «القوانين»، 669A ff.)

وأهم مهام المدينة الفاضلة هو تربية «الحراس» وتعليمهم. فينبغي لهم منذ العشرين من عمرهم ومابعدها أن يتلقوا علوماً مثل الرياضيات والحساب والفلك وأن ينبروا منذ الثلاثين من عمرهم وما بعدها لتعلم الديالكتيك، وأن يعيَّنوا وهم في الخامسة والثلاثين في المناصب القيادية، وأخيراً وهم في الخمسين يصبحون في عداد الحكام («الجمهورية»، 536D ff.). كما ينبغي أن يكون للحراس أسلوب حياة خاص؛ إذ يجدر بهم أن يتجنبوا أي شكل من أشكال الملكية الخاصة، سوى في أكثر الحالات ضرورة. فلا يجب أن تكون لديهم بيوت يملكونها وأن يُمنحوا راتباً محدداً من قبل المواطنين يضمن معيشتهم لسنة كاملة. وعليهم أن يأكلوا الطعام مع بعضهـم؛ فـ «الأكل الجماعي» كان تقليداً شائعاً جداً وبشكل خاص في إسبرطة وكريت، وكان الرجال والشبان ممن تزيد أعمارهم على 20 سنة مكلفين بالمشاركة فيه. وكـان أفلاطـون قـد اختار هـذا التقليـد ــ شأنـه شأن التقاليـد الأخرى ــ من إسبرطة لحراس مدينته الفاضلة. وكان الحراس محرومين من امتلاك الذهب والفضة والاحتفاظ بهما؛ ذلك أن المعدن الإلٰهي موجود داخلهم ولاينبغي لهم أن يلوثوا العنصر الإلٰهي الموجود داخلهم بتلك الأخلاط الأرضية (ن.م، 416D-E). كما يجب أن تكون حياة النساء والأطفال شيوعية بين الحراس، ولاينبغي لأي أب، أو أم أن يعرف أبناءه، وكذلك الحال بالنسبة للأبناء. ويؤكد أفلاطون على منفعة هذا الأمر، لكنه يرى أن إمكانيته العملية مثار للتساؤل (ن.م، 457B-D). والمشرعون يختارون الرجال اللائقين للنساء اللائقات. وينبغي أن يكونوا ذوي طباع متجانسة قدر الإمكان؛ وأن يعيشوا في بيوت مشتركة ولهم طعام مشترك، ولايملك أي منهم شيئاً خاصاً به. وتصبح الضرورة الهيامية دافعاً للصلات الجنسية. فالشهوة والفحشاء في مدينة مباركة أمر غير مقدس يقوم الحكام بالنهي عنه ومنعه. والزواج بينهم هو أكثر الأعمال قدسية (ن.م، 458C-E). وعندما يولد الأبناء يجب أن يُدقق بشدة على أن لاتعرف أم ابنها (ن.م، 460C).

وخلال ذلك، فإن الأمر المثير للاهتمام هو أن أفلاطون يدافع بشدة عن المساواة بين النساء والرجال. النساء شأنهن شأن الرجال يجب أن يتلقين التربية والتعليم. عليهن أيضاً أن يتعلمن الموسيقى والرياضة وكذلك فن القتال. عليهن أن يشاركن كالرجال في الملاعب الرياضية (ن.م، 452A-B). لايوجد في التركيب الوجودي للمرأة أي نقص خاص يؤثر في جدارتها للمشاركة في الأعمال الاجتماعية وكذلك الحكومية. وقد منحت المواهب الطبيعية للرجال والنساء بشكل متساو. يمكن لمشاغل النساء أيضاً أن تكون نفس مشاغل الرجال برغم أن النساء أدنى من الرجال في جميعها (ن.م، 455A-E)، بل إن المرأة يمكن أن تصبح فيلسوفة (ن.م، 456). وعلى هذا، فإن للنساء والرجال من الجدارة بنفس القدر الذي يمكنهم من أن يكونوا حراساً. والفرق الوحيد بينهما هو في القدرة، أو القوة والضعف (ن.ص).

والهدف الرئيس لأفلاطون في تنظيمه مدينته الفاضلة هو تربية وتعليم الفلاسفة للحكم، أو لحكم الفلاسفة، وهذه أيضاً أُمنية. وإن مسألة أن يتسلم فيلسوف ما الحكم مرة بشكل حقيقي ليس أمراً مستحيلاً، لكنه عسير (ن.م، 499D)، ويرتبط بـ «النصيب الإلٰهي» (ن.م، 493A)، أو «الإلهام الإلٰهي» (ن.م، 499C)، أو الحظ والمصادفة الإلٰهية (ن.م، 592A). ومهما يكن، فإن أفلاطون يقول ما لم يصبح الفلاسفة في المدن ملوكاً، ومالم يسعَ الذين ندعوهم الآن ملوكاً وحكاماً إلى الفلسفة بجد، وما لم يظهر تقارن بين هذين الاثنين، أي القدرة السياسية والفلسفة وما لم تُركن جانباً وبشكل إجباري الطبائع العامة التي تُتبع الواحدة بمعزل عن الأخرى، فلن يكون هناك خلاص من الشرور في الدول، أو الجنس البشري (ن.م، 473D). وهكذا، فإن أكثر الحراس كمالاً يجب أن يكونوا فلاسفة (ن.م، 503B، أيضاً ظ: «الرسالة السابعة»، 326B).

«للجمهورية» ولمدينة أفلاطون الفاضلة بشكل خاص ــ فضلاً عن الشراح والمفسرين ــ كان  ومايزال هناك معارضون أيضاً. ففريق يراها مجتمعاً مغلقاً وطبقياً يجوز فيه الكذب من الحكام لتحقيق المنافع. فالكذب الحقيقي مذموم من الآلهة والبشر، لكن الكذب على الأعداء نافع وأحياناً مثل دواء شاف («الجمهورية»، 382؛ عن المواقف تجاه مدينة أفلاطون المثالية في العصر الحديث، ظ: پوپر، أيضاً ليفنسون، جميع أرجاء الكتابين).

ومن المثير للدهشة والاهتمام أن أفلاطون يذم في مواضع أخرى ممارسة الفلاسفة للأعمال الاجتماعية والسياسية ويقول إن من أمضى عمراً في الفلسفة والمواضيع المتعلقة يبدو مضحكاً عندما يحضر في المحاكم كالخطباء والمحامين، ذلك أن من يترددون على المحاكم هم من حيث الأصل والنسب كالعبيد أمام الأحرار من الرجال إذا ما قورنوا بمن ترعرع في الأعمال الفلسفية. فلايجتمع الفلاسفة منذ فترة الشباب وما بعدها على الإطلاق في الأسواق، أو المحاكم، أو المجالس البلدية. وفيما يتعلق بالقوانين والفرامين أيضاً لاينبرون للمباحثة، أو المناظرة وبعد انتشار القوانين لايرونها ولايهتمون بجارهم الجنب، فلا يكتفون بأن لايعلموا ماذا يفعل، بل أن لايعلموا عما إذا كان إنساناً، أم حيواناً، أو موجوداً آخر. والفيلسوف يبحث بهذا الشأن وهو ما هو الإنسان وما هي طبيعته الخاصة التي تميزه عن الآخرين. وفي الحقيقة، فإن جسم الفيلسوف لوحده هو الذي له موضع وبيت في المجتمع. لكن فكره ــ مع الأخذ بنظر الاعتبار جميع الأمور التافهة وعديمة الأهميـة في حياة البشر ــ لايعدها شيئاً وهو دائماً يبحث في الطبيعة الكلية لكل واحد من الموجودات ولايهبط بنفسه إلى مستوىِ كل ما هو في متناول اليد ( ثيايتيتوس، 172A-174B). ويقال في موضع آخر من «الجمهورية» أيضاً: إن من يكون فكره مركزاً على الوجود الحقيقي، ليس فارغاً ليتطلع بعينه إلى الأسفل نحو الأعمال الدنيئة لبني البشر، أو أن يكون مشحوناً بالحقد والبغضاء والحسد، فينبري لمجادلتهم، بل إنه يركز بصره على ما هو دائم وغير قابل للتغير والأشياء التي لاتضر شيئاً ولايضرها شيء، بل تعيش بتناسق مع أمر العقل على الدوام. فهو يسعى إلى أن يجعل نفسه مثلها قدر المستطاع (ص 500C).

«القوانين» والفلسفة السياسية:  قيل فيما مضى إن أفلاطون في السنوات والأشهر الأخيرة من حياته كان يكتب محاورة «القوانين»؛ بينما يمكن تسمية «الجمهورية» دائرة معارف العلوم الفلسفية التي تاجها نظرية المثل ومحورها الأساسي مفهوم العدالة وتُصور فيها مدينة مثالية تبدو إمكانية تحقيقها عسيرة حتى على أفلاطون نفسه ويمكن أن نجد أقل الإشارات إليها في «القوانين». ويقترب أفلاطون في هذا الكتابة من الواقعيات الأرضية لحياة البشر بشكل أكبر، برغم أنه لايهمل هنا أيضاً أهدافه الباحثة عن الكمال. وينبغي أن لاننسى أن أفلاطون كان على الدوام ينظر إلى المجتمع البشري ومصيره من وجهة نظر فيلسوف مثالي، لكن أفلاطون المثالي الكهل الذي كان قد كتب  «الجمهورية»، لم يكن نفس أفلاطون الهرم ومؤلف «القوانين». وكان قد كتب هذه المحاورة بين السنوات 350و340 ق.م وربما حتى الأشهر الأخيرة من حياته. وكانت المشاهدات والتجارب المختلفة والمريرة جداً أحياناً قد غيرت نظرة أفلاطون إلى حياة البشر والمجتمع البشري وبشكل خاص حكمه حول طبائع البشر وإمكانية سعادة وفلاح الإنسان في هذا العالم تغير كثيراً، وربما يمكن القول إنه أصبح أكثر واقعية، بل وأكثر تشاؤماً. فالمدينة الفاضلة في «الجمهورية» التي لها جذور في السماء لايمكن تحققها على الأرض ولايسكنها، سوى الآلهة، أو أبناء الآلهة («القوانين»،739D).

لكن الحقيقة هي أن البشر موجودات ناقصة وعاجزة أسيرة لشهواتها ومطامعها وظنونها ومعتقداتها اللافكرية واللاعقلانية غالباً. وعلى هذا، فعليهم أن لايتوقعوا وجود مجتمع مثالي كهذا، أو يبحثوا عنه، بل عليهم في أفضل التوجهات أن يتطلعوا إليه كنموذج برغم عدم إمكانية العثور عليه،  وأن يسعوا إلى إقامة مجتمع يكون قدر الإمكان قريباً من ذلك المجتمع المثالي (ن.ص). فأينما تنظر، فالناس يكتنفهم الشر والأنانية والعناد. ومن هنا يأتي الحكم المتشائم لأفلاطون بحق البشر. وفلاننسى أن أفلاطون لم يكن رجل دولة، أو سياسياً من صنف رجال الدولة اليونانيين الكبار آنذاك مثل پيريكليس وفيليب والإسكندر. فلم يكن هؤلاء يعبأون بالمعايير والمبادئ الأخلاقية بمعناها الأفلاطوني، بينما الرؤية السياسية لأفلاطون هي عين رؤيته الأخلاقية، وأخلاقياته هي عين آرائه السياسية التي يشير إليها مراراً في «القوانين» (كنموذج، ظ: ص 727A,728B، أيضاً 773D,797,731D ff.).

ويتقدم أفلاطون في كلامه إلى أن يقول: إن الشؤون الإنسانية لاتستحق أن نأخذها كثيراً على محمل الجد، لكننا للأسف مضطرون لفعل ذلك (ن.م، 803B، قا: 728D ff.). ولأفلاطون حول البشر تعبير ملفت للانتباه جداً، حيث يقول: كل واحد منا نحن الكائنات الحية دمية بيد الآلهة. وما إذا كنا خُلقنا كألعوبة لها، أم لسبب وهدف جادين، أمر يتجاوز حدود فهمنا؛ لكن ما نعلمه يقيناً هو أننا نمتلك عواطف كالخيوط، أو الحبال تجرنا إلى كل جانب وفي الجهات المتضادة وتضطرنا إلى أعمال تتعارض مع بعضها. فنحن نتقدم ونتراجع عند الحدود، أي الموضع الذي يتصادم فيه الشر والخير والرذائل والفضائل (ن.م، 644D ، ظ: 803C,804B,903D). فلماذا نحن هكذا؟ وجواب أفلاطون هو أنه يوجد شكلان من الروح: الروح الطيبة والروح الشريرة. وكما أسلفنا، فإن للروح في الفكر الأفلاطوني أهمية أساسية وهي منبع كل حركة والباعث عليها؛ كما أنها علة الخير والشر والجمال والقبح والعدل والظلم وكل الأضداد الأخرى. الروح هي الباعث على كل شيء في السماء والأرض والبحر. وفي الإنسان تكون لحركات الروح أسماء مختلفة: التمني، التأمل والتفكير، الدقة والاهتمام، الحزم والتدبير، الاعتقاد الصحيح والخاطئ، السرور والحزن، والاطمئنان والخوف، الحب والكراهية، وحركات أخرى من أمثال ذلك. وعلى هذا، فإن الروح الإنسانية هي حشد من الأضداد (ن.م، 896D-897A). لكن وكما جرى التأكيد على هذه النقطة، فإن أسمى وأنبل هدف لأفلاطون من حياة البشر في هذا العالم هو تربية الروح وتمريضها. ومن كل الأشياء التي يسميها الإنسان ممتلكاته، فإن الروح هي أكثرها قداسة. والروح أكثر ملكيات الإنسان خصوصية. ويوجد في الإنسان عنصران يصنعان وجوده بأسره، أحدهما هو الأقوى والأفضل وكالسيد، والآخر أكثر عجزاً وأدنى ومثل الرقيق. فعلى الإنسان أن يعظم ما هو سيد في نفسه ويفضله على ما هو عبد فيها. والروح في الإنسان هي سيدته (ن.م، 726-727) وقد تجلى هذا المبدأ الأخلاقي لدى أفلاطون بوضوح في «القوانين». وجهودنا هي لأجل تحقيق المعايير الأخلاقية قدر المستطاع. وهذه المعايير «وإن لم تكن كاملة» ينبغي أن تتبلور في مجموعة من القوانين.

هيكلية دولة المدينة في «القوانين»:  تسمى مدينة أفلاطون المثالية في «القوانين» باسم مغنيسيا1 التي تقع في مركز جزيرة كريت والتي يصورها أفلاطون في منتصف القرن 4 ق.م (عن هيكلية المدينة، ظ: مارو، «مدينة كريتي ...2»، كافة أرجاء الكتاب). ومغنيسيا مدينة صغيرة قسمت إلى 040,5 قسماً، أو سهماً غير قابل للنقل بين 040,5 فرداً من الرجال الساكنين فيها. وسبب اختيار هذا العدد هو أنه يقبل القسمة على جميع الأرقام من 1حتى 12 (عدا رقم 11)، وهو أفضل الأعداد لغرض الإدارة والتنظيم (ظ: «القوانين»، 737E-738)؛ يختص 420 سهماً إقليمياً منها بكل واحدة من القبائل الاثنتي عشرة فيها. ولكل واحدة من هذه القبائل قرية تقع حولها بيوت القرويين.

وفضلاً عن ذلك، فقد شيدت أيضاً بنايات أخرى للأغراض الإدارية والقانونية والثقافية والدينية. وأساس الحياة الاقتصادية في المدينة هو الزراعة وليس التجارة. ويتألف المجتمع المدني من عدة طبقات: المواطنون الأحرار ونسائهم وأولادهم، والرقيق، والأجانب المقيمون فيها والزوار الأجانب. ولايوجد في هذه المدينة فقر ولاثراء فاحش. وتُمارس أغلب الأنشطة الإنتاجية والاقتصادية بأيدي العبيد (عن دراسة حول العبيد، ظ: ن.م، 776B-778A؛ أيضاً مارو، «قانون الرقيق ...3»، كافة أرجاء الكتاب). كما أن التجارة والحرف المتنوعة هي بأيدي الأجانب المقيمين في المدينة (لمزيد من التفصيل، ظ: «القوانين»، 736C-745,778A-779D,842B-850D,919D-920C). وتتركز الجهود الرئيسة في تنظيم المدينة من وجهة نظر أفلاطون على خلق الانضباط في الحياة الشخصية (ن.م، 779D-780A,788,909D-910A). ويُعترف بالملكية الخاصة، لكن الضرائب تلحق بنسبة 100٪ بالثروة الزائدة عن مقدار معين (ن.م، 744E-745B). إلى جانب حياتهم الأسرية، ينبغي أن يشارك المواطنون ونساؤهم في مراسم تناول الطعام بشكل جماعي (ن.م، 779D-78lD).

ونظام الحكم في مغنيسيا شكل من الحكم بين الحكمين الملكي والديمقراطي (عن انتخاب الحكام، ظ: ن.م، 756E ff.، «السياسي» 300E ff.). وهذا النظام شكل من أشكال الأرستوقراطية. ويفضل أفلاطون حكم الفرد الواحد الذي يتمتع بالفضيلة والحكمة (ظ: «القوانين»، 708E ff.)، لكن من النادر العثور على شخص كهذا. بطبيعة الحال، فإن المساواة في السلطة السياسية ــ بأسلوب ديمقراطي ــ أمر مقبول؛ لكن المساواة غير المحددة الخالية من التمايز تعادل عدم المساواة، وكلتاهما تجعلان الدولة مشحونة بالحرب والصراع بين المواطنين (ن.م، 757A). وأغلب العامة يفتقرون عادة إلى الحكمة، أو الحكمة السياسية (ظ: «السياسي»، 297B،292E-293A، أيضاً ظ: «الجمهورية»، 494A)؛ لكن أفضل وسيلة لتقسيم السلطة السياسية هو الانتخابات العامة من جهة، أو الاختيار بالقرعة من جهة أخرى. ويجب أن يتم انتخاب محافظي المدن والمجالس الشعبية والمحاكم، والأهم من كل ذلك «حراس القانون» بدقة متناهية («القوانين»، 752E).

وأعلى مؤسسة سياسية في دولة مدينة مغنيسيا هي «المجلس الليلي» والذي يتألف من أكثر أفراد المجتمع حكمة وعلماً (ن.م، 968A). ويـذكـر هـذا الـعنـوان بـ «الـحـراس» فـي مـحـاورة «الجمهورية». ولأعضاء هذا المجلس تقريباً نفس مهام «الحكام الفلاسفة» في «الجمهورية»، لكنهم ليسوا أولئك. وبطبيعة الحال، فإن من مهامهم أيضاً أن ينبروا لدراسة العلوم  والبحوث الفلسفية ليتمكنوا من الاطلاع على أسباب صدور القوانين الموضوعة، ويتمكنوا أكثر من كل شيء أن يبلغوا معرفة المعايير والقيم الأخلاقية غير القابلة للتغيير.

وأبرز خصائص «القوانين» لأفلاطون هو الأهمية والدور الذي حدده للنساء في المجتمع، وربما أمكن أن نعدّ هذه المسألة أهم إبداع في الأفكار السياسية والاجتماعية لأفلاطون. فالنساء يستطعن وينبغي لهن أن يمارسن التربية والتعليم ويشاركن في الرياضة والموسيقى وكذلك في تعلم فنون القتال (كما كان قد قيل في «الجمهورية» أيضاً)، بل وينبغي لهن أيضاً أن يحصلن علـى المعرفة السياسية ويتسنمن مناصب حكومية («القوانيـن»، C-D 770، أيضاً 780A ff.،804D ff.،833C-D). لكن لتحقيق هذا الهدف، عليهن أن يبلغن سن الأربعين، لأن وظائفهن قبل ذلك الإنجاب وتربية الأولاد. ويستطيع الرجال ممارسة الأنشطة السياسية من سن الثلاثين سنة (ن.م، 785B). وليست مواهب النساء وقدراتهن أقل من الرجال، وإن عدم الانتفاع بهن يعني حرمان المجتمع من نصف ذخائره (ن.م، 805A,806C ، عن الحكم الكلي لأفلاطون بشأن النساء، ظ: 776B-778A).

و«القوانين» هي قبل كل شيء مجموعة من القوانين والقواعد والبرامج العملية المتنوعة وأحياناً المتشددة جداً الخاصة بجميع شؤون الحياة الفردية والاجتماعية لسكان مغنيسيا. ولايوجد في هذه المحاورة حديث عن الحكام الفلاسفة؛ برغم أنه ينبغي للمشرعين وبشكل خاص أعضاء المجلس الليلي أن يكونوا على معرفة تامة بالبحوث الفلسفية وأن يتعلموها من فلاسفة البلدان الأخرى إذا لزم الأمر. كذلك قلما نجد في «القوانين» إشارة إلى نظرية أفلاطون الأساسية حول المثل، برغم أن ومضات من كواكب المثل تتراءى في ثنايا بحوثها. وبطبيعة الحال، فإن ذلك لايعني أن البحوث الميتافيزيقية غير موجودة في «القوانين»، بل على العكس، فإن هذه المحاورة مشحونة بها، لكن ليس بالشكل الذي نجده عليه في بقية كتابات أفلاطون وبشكل خاص في «الجمهورية».

وإحدى الخصائص المهمة لمحاورة «القوانين» هي إيقاعها الحماسي الديني. وللآلهة فيها مكانة خاصة، حتى إنه ربما أمكن القول إن مجتمع «القوانين» أقيم على أساس ديني، فعبادة الآلهة والثناء عليها والالتزام بجميع العادات والتقاليد الخاصة بها هي من أهم واجبات ومهام المواطنين ومما لايمكن التغاضي عنه. وأغلب أقسام الكتاب العاشر من «القوانين» يظهر آخر أفكار ونظريات أفلاطون الهرم في بحوث الإلٰهيات. فهو يحمل بشدة في هذا الكتاب على الماديين والملحدين ويعرضهم لسياط النقد ويسعى بشكل جاد إلى إثبات هذه الأمور خاصة: إن أساس الكون عقلاني ويغلب فيه العقل والفكر والعناية الإلٰهية على الطبيعة والمادة. والأجرام السماوية التي تتحرك بموجب نظام عقلاني هي في عداد الآلهة. وعناية الآلهة وعدلها يحكمان في كل مكان وأنها لاتتخلى عن البشر، فتكافىء أهل الفضيلة وتعاقب أهل الرذيلة. ولايمكن خداع الآلهة بالعبادة الريائية والقرابين واستدرار عطفها وعنايتها. وقد  وضع أفلاطون في هذا الكتاب مجموعة من القوانين الجزائية الصارمة ضد الملاحدة وغير الأتقياء. فإنهم يلاقون الجزاء بأشكال مختلفة وبحسب درجات ذنوبهم؛ فيسجنون أولاً، وإذا واصلـوا ــ بعد إطلاق سراحهم من السجـن ــ أعمالهم الطالحة ومعتقداتهم السيئة وانعدام التقوى وأدينوا مرة أخرى، فعقابهم الموت (ص 907-910 ، عن التفاصيل، ظ: 884-891,899-903).

وكما أشير، فإن أفلاطون في«القوانين» يعترف بحق الملكية الشخصية ويؤكد على حمايتها، وهنا لم يعد يرد حديث عن شيوعية النساء والأولاد والملكية الجماعية، كما كان قد ورد في «الجمهورية». وبطبيعة الحال، فإنه هنا أيضاً مايزال يتطلع إلى مجتمع مثالي، لكنه يتناول أيضاً «أفضل مجتمع في المرتبتين الثانية والثالثة». فالمجتمع والدولة المثالية وأفضل مجموعة قوانين هي أمور إنما يمكن تحقيقها عندما تكون الملكية بين الأصحاب عامة، كما يقول المثل. لكن ليس معلوماً ما إذا كان العثور على مجتمع كهذا في مكان ما أمراً ممكناً، أم أنه يمكن أن يكون له وجود أصلاً؛ وعلى أية حال، فإن الملكية الخاصة ستزول في مجتمع كهذا بأية وسيلة كانت. لكن وكما أشير، فإن الآلهة، أو عدداً من أبناء الآلهة فحسب سيكونون سكان مجتمع كهذا (ن.م، 739).

ومن بين بحوث «القوانين»، فإن حكم أفلاطون حول الإيرانيين وإيران ونظام حكمها ودولتها مثير للاهتمام. ففي عهد قورش، كان حياة الإيرانيين مزيجاً عقلانياً من الحرية والانقياد؛ وقد حكموا كثيراً من الشعوب الأخرى وجعلوهم يتمتعون بالحرية إلى حد ما، ولم يكن الملك ليحسد أحداً من رعاياه العقلاء، ولم يكن ليعرض عن سماع النصح. وكان يسمح بحرية الكلام والخطاب ويبجل كثيراً أولئك الذين كان بإمكانهم أن يكون لهم نصيب في رسم السياسة. ولذا، فإن الإيرانيين وببركة الحرية المتاحة والصداقة والانسجام بين الأفكار، حققوا في تلك الفترة تطورات كبيرة في جميع المجالات، لكن من جهة أخرى، وبرغم أن قورش كان قائداً مرموقاً ووطنياً، لكنه لم يهتم إطلاقاً بمسألة التربية والتعليم وكان قد حرم أبناءه منهما (ص 694-695، قا: 701E؛ أيضاً ظ: غورغينمانز1، كافة أرجاء الكتاب).

أفلاطون في العالم الإسلامي:  ترك أفلاطون في الفكر الفلسفي الإسلامي تأثيراً كبيراً، برغم أنه كان عن طرق غير مباشرة وغالباً بواسطة النقول التي ترجع مصادرها إلى كتابات العصر الهليني. وأهم المصادر العربية عن أفلاطون وسيرته وكتاباته هي: 1. الفهرست لابن النديم (ص 306-307) الذي يرجع المصدر الرئيس إلى كتابات الفيلسوف الأفلاطوني، ثيون الإزميري الذي عاش في القرن 2م والذي ضاع نصها اليوناني، حيث يورد ابن النديم اسمه ويستند إليه؛ 2. طبقات الأطباء والحكماء لابن جلجل (ص 23-24)؛ 3. صوان الحكمة لأبي سليمان السجستاني (ص 128-134)؛ 4. حوالي نصف من كتاب الكلم الروحانية في الحكم اليونانية لابن هندو؛ 5. مختار الحكم لابن فاتك (ص 126- 178)؛ 6. الملل والنحل للشهرستاني (2/146-153)؛ 7. تاريخ الحكماء للقفطي (ص 17-27)؛ 8. عيون الأنباء لابن أبي أصيبعة (1/49-54).

وخلافاً لمؤلفات أرسطو التي كانت قد ترجمت كلها تقريباً إلى العربية، إما بشكل مباشر عن النص اليوناني، أو عن ترجمات سريانية، يبدو أن أياً من كتابات أفلاطون الأصيلة لم تترجم بشكل كامل إلى العربية. وقد وردت أسماء كثير من محاورات أفلاطون بشكلها المعرَّب في المصادر وبشكل خاص في الفهرست لابن النديم وتاريخ الحكماء للقفطي، وأُشير إلى أن أشخاصاً عرّبوها، أو اختصروها وفسروها. ويبدو أن ما ورد في المصادر العربية حول أفلاطون وكتاباته وبشكل خاص آرائه مستقىً من كتابات الطبيب والفيلسوف اليوناني المعروف، جالينوس (129-199م) تحت عنوان «خلاصة محاورات أفلاطون» كانت في 8 كتب فُقد أصلها اليوناني (ظ: «أفلاطون العربي2»، ج I؛ روزنثال، «حول معرفة ...3»، 387-422). واليوم، فإن المجموعة الكاملة لما هو متوفر حول كتابات أفلاطون، أو مستقى منها، أو ملخَّص لها (باللغة العربية) يوجد في كتاب أفلاطون في الإسلام بتحقيق عبد الرحمان بدوي.

وكما أشير، فبرغم أن أياً من نصوص محاورات أفلاطون، إما لم يترجم إلى العربية أصلاً، وإن كان قد ترجم، فهو اليوم مفقود، لكننا يمكن أن نجد بوضوح التأثير العميق والشامل لفلسفة أفلاطـون على الأفكار الفلسفية الإسلامية. وبين الفلاسفة المسلمين ــ وحتى غيـر المسلمين من المؤلفين بالعربيـة ــ يقف الأفلاطونيون إلى جانب أتباع الفلسفة الأرسطية الذين يُسمَّون المشائين. وقد اعتبر الجرجاني الإشراقيين من كان أستاذهم أفلاطون (ص 41)، ولهذا سمى هنري كوربن هؤلاء أفلاطوني إيران (II/25).

إن التعاليم والنظريات الفلسفية الأصيلة لأفلاطون وما نُسب إليـه من قبل الفلاسفة الأفلاطونيين المحدثين منذ العصر القديم ــ وبشكـل خـاص في الفترات المتأخـرة للحكمة اليونانيـة ــ تركت تأثيرات مختلفة في أفكار الفلاسفة المسلمين. وقليلاً ما تلاحظ هذه التأثيرات لدى الفلاسفة المسلمين ذوي النزعة الأرسطية، بينمـا يعدّ الإشراقيـون أفلاطون ــ إلـى جانب بعض الفلاسفـة اليونانيين الذين سبقوا سقراط ــ من أبرز مصادر إلهامهم. بل إن بعض المتفلسفين المسلمين يعدّون النظرة العالمية لدى  أفلاطون وأرسطـو متماثلة. وقد حـاول أبونصـر الفارابـي (تـ 339ه‍/950م) ــ بأسلوب الفيلسوف اليوناني، أمونيوس ساكاس (القرن 3م) أستـاذ أفلوطيـن وبقية الفلاسفـة الأفلاطونييـن المحدثيـن ــ في كتابـه الشهير الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون الإلٰهي وأرسطوطاليس أن يظهر الاتجاه الواحد والانسجام بين فلسفتي أفلاطون وأرسطو. والأمر الملفت للنظر، هو أنه يذكر في أغلب المصادر الإسلامية بعنوان «أفلاطون الإلٰهي» الذي هو نفس العنوان الذي منحته إياه مدرسة الأفلاطونيين المحدثين.

وخلال ذلك، فإن الأكثر لفتاً للانتباه هو أن أبرز الفلاسفة المسلمين ذوي النزعة الأرسطية ابن رشد (ن.ع) كتب شبه تفسير مختصراً لـ «جمهورية» أفلاطون كان مصدره بحدس هو أقرب لليقين ترجمة لنفس الخلاصة المذكورة لجالينوس عن مؤلفات أفلاطون. ولم يعثر حتى الآن على النص العربي الذي كتبه ابن رشد، وتوجد له فحسب ترجمتان لاتينية وعبرية (ظ: روزنثال، «تفسير ...»، مخ‍ (.

وقد ورد اسم أفلاطون ونظرياته، أو النظريات المنسوبة إليه في أثولوجيا المنسوب خطأً إلى أرسطو (ظ: ن.د، أثولوجيا، أيضاً أفلوطين؛ أيضاً ظ: «أثولوجيا»، 23-25، 109، 145). ويعدّ جميع الإشراقيين أنفسَهم أتباعاً لأفلاطون وملهَمين منه. فشهاب الدين السهروردي (تـ 587ه‍/1191م) يصف أفلاطون في أحد المواضع بالحكيم المعظم (ظ: مجموعة ... ، 1/502). ويقول في موضع آخر: إن ما قلته حول علم الأنوار وما أُسس عليه هو ذوق إمام الحكمة ورئيسها أفلاطون وفيه قوة ونور (ظ: «حكمة ...»، 10، أيضاً 156-157).

أهم تعاليم أفلاطون من وجهة نظر الفلاسفة المسلمين، نظرية المثل. ومواقفهم واستنتاجاتهم بهذا الشأن متفاوتة بين الدفاع الكامل عنها وبين دحضها واستنكارها. كما أن مصادر معلوماتهم بهذا الشأن غير مباشرة. فالمشائيون بشكل عام يرفضون هذه النظرية، بينما يسعى الإشراقيون، أو من تأثر بهم بشكل عام إلى إثباتها. وابن سينا من أشد المعارضين لها (ظ: ص 310-324)، إلا أن شهاب الدين السهروردي يدافع بتأكيد وإصرار عن نظرية المثل ويسعى إلى إثباتها (ظ: ن.م، 92-93). و يلاحظ تأثير أفلاطون أيضاً في إخوان الصفاء، فهم يذكرون عدة كتابات لأفلاطون ويستندون إلى موضوعاتها (ظ: ن.د، 6/ 299). وإن صدر الـديـن الشيـرازي (تـ 1050ه‍/1640م). هو الآخر من المعتقدين الأشداء بنظرية المثل ومن أنصارها، ويسعى بلهفة إلى الدفاع عنها و إثباتها (ظ: الأسفار، 2/46-81، 6/188-189، الشواهد ... ، 154- 178).

وفي الختام، ففضلاً عما ورد في متن المقالة، وللمزيد من الاطلاع نورد فيما يلي مختارات من أهم وأحدث المصادر والدراسات حول أفلاطون:

Böhme, R., Von Sokrates zur Ideenlehre, Bern, 1959; Burnet, J., Platonism, Berkeley, 1928; Crombie, I. M., An Examination of Plato’s Doctrines, London, 1962-1963; Cushman, R.E., Therapeia, Plato’s Conception of Philosophy, Chapel Hill, 1958; Diés, A., Autour de Platon, Paris, 1927; Field, G. C., The Philosophy of Plato, Oxford, 1949; Frazer, J. G., The Growth of Plato’s Ideal Theory¸ London, 1930; Friedländer, P., Platon¸ Berlin, 1957-1960; Grube, A., Plato’s Thought¸ London, 1958; Horneffer, E., Der junge Platon, Giessen, 1922; Jaeger, W., Paideia, 1944-1947; Leisegang, H., »Platon«, Pauly ; Liebruck, B., Platon’s Entwicklung zur Dialektik, Frankfurt, 1949; Mueller, G. E., Plato the Founder of Philosophy  as  Dialectic,  New  York,  1965;  Oehler, K.,»Der entmythologisierte Platon«, Zeitschrift für Philosophische Forschung, 1965, XIX/393-420; Robin, L., Platon, Paris, 1935; Ross, D., Plato’s Theory of Ideas, Oxford, 1951; Shorey, R., The Unity of Plato’s Thought¸ Chicago, 1960; Taylor, A. E., Plato, 1955; Wilamowitz - Moellendorff, U., Platon, Berlin/Frankfurt, 1959;  Zeller, E.,  Die  Philosophie  der  Griechen  in ihrer geschichtlichen Entwicklung, Hildesheim, 1963, II(1)/389-982.

أحدث ببليوغرافية أفلاطون:

Brisson, L. and H. Ioannidi, »Platon 1975-1980«, Lustrum, 1983, XXIII/31-320, »Platon 1980-1985, Addenda à Platon 1950-1980«, ibid, 1988, XXX/11-294; Cherniss, H., »Plato 1950-1957«, ibid, IV/5-308, 1959, V/323-648, 1960.

المعاجم والقواميس:

Ast, E., Lexicon Platonicum sive vocum Platonicum index, 1835-1836; Brandwood, L., A Word Index to Plato¸Leeds, 1976; De Places, E., Lexique de la langue philosophique et religieuse de Platon, Paris, 1964; Gigon, O. and L. Zimmermann, Platon, Lexikon der Namen und Begriffe, Bern, 1975.

 

 

المصادر:   ابن أبي أصيبعة، أحمد، عيون الأنباء، تق‍ : أغوست مولر، القاهرة، 1299ه‍/1882م؛ ابن فاتك، مختار الحكم و محاسن الكلم، تق‍ : عبد الرحمان بدوي، بيروت، 1980م؛ ابن جلجل، سليمان، طبقات الأطباء والحكماء،تق‍ : فؤاد سيد، بيروت، 1405ه‍/1985م؛ ابن سينا، الشفاء، الإلٰهيات، تق‍ : قنواتي وسعيد زايد، القاهرة، 1380ه‍/1960م؛ ابن النديم، الفهرست؛ ابن هندو، علي، الكلم الروحانية من الحكـم اليونانية، القاهرة، 1318ه‍ ؛ أبو سليمان السجستاني، محمد، صوان الحكمة، تق‍ : عبد الرحمان بدوي، طهران، 1974م؛«أثولوجيا»، المنسوب لأرسطو، أفلوطين عند العـرب، تق‍ : عبـد الرحمـان بـدوي، الكويـت، 1977م؛ أرسطـو، متافيزيـك، تج‍ : شـرف الدين خراساني (شرف)، طهـران، 1366ش؛ أفلاطـون فـي الإسـلام، تق‍ : عبد الرحمان بدوي، طهران، 1353ش؛ الجرجاني، علي، التعريفات، القاهرة، 1306ه‍ ؛ خراساني (شرف)، شرف الدين، نخستين فيلسوفان يونان، طهران، 1370ش؛ السهروردي، يحيى، «حكمة الإشراق»، مجموعۀ مصنفات، تق‍ : هنري كوربن، طهران، 1355ش، ج2؛ م.ن، مجموعة في الحكمة الإٰلهية، تق‍ : هنري كوربن، إستانبول، 1945م؛ الشهرستاني، محمد، الملل والنحل، تق‍ : عبد العزيز محمد الوكيل، القاهرة، 1387ه‍/1968م؛ صدر الدين الشيرازي، محمد، الأسفار، قم، 1316ه‍ ؛ م.ن، الشواهد الربوبية، تق‍ : جلال الدين الآشتياني، مشهد، 1346ش؛ القفطي، علي، تاريخ الحكماء، تق‍ : ليبرت، لايبزك، 1903م؛ وأيضاً:

 

Aristotle, Metaphysica ; id, Physica ; Berve, H., Abhandlungen der Akademie der Wissenschaften und der Literatur, Mainz, 1956; The Cambridge Companion to Plato, ed. R. Kraut, Cambridge, 1999; Corbin, H., En Islam iranien, Paris, 1971; Diogenes Laertios, biōn kai gnōmōn¸én philosophiai eudokimèsanton ; Festugière, A. J., »Platon et l’Orient«, Etudes de philosophie grecque, Paris, 1971; Gaiser, K., Platons ungeschriebene Lehre, Stuttgart, 1968; Görgenmanns, H., Beiträge zur Interpretation von Platons Nomoi, München, 1960; Happ, H., Hyle, Studien zum aristotelischen Materiae-Begriff , Berlin, 1971; Idee und Zahl, Studien zur platonischen Philosophie, Heidelberg, 1968; Justi, F., Iranisches Namenbuch, Hildesheim, 1963; Lagerborg, R., Die Platonische Liebe, 1926; Levinson, R. B., In Defence of Plato, Cambridge, 1953; Marrow, G. R., Plato’s Cretan City, Princeton, 1960; id, Plato’s Law of Slavery in its Relation to Greek Law¸Urbano, 1939; Marx, K., »Deutsche Ideologie«, Werke, Berlin, 1962; Pauly ; Penner , T., The Ascent from Nominalism, Dordrecht, 1978; Plato, Apologia ; id, »Epistole B«, »Epistole Z«, Epistolai ; id, Euthydèmos ; id, Euthyphron ; id, Gorgias ; id, Kharmidès ; id, Kratylos ; id, Lysis ; id, Menon; id, Nomoi ; id , Parménidés ; id, Phaidon ; id, Phaidros ; id, Philèbos ; id, Politeia ; id, Politikos ; id, Prōtagoras ; id, Sophistès ; id, Symposion ; id, Theaitètos ; id, Timaios ; Plato Arabus, ed. P. Kraus and R. Welzer, Cairo, 1951; Platon Politeia, ed. O. Hoeffe, Berlin, 1997; Popper, K., The Open Society and its Enemies, New York, 1963; Riginos, A., Platonica, the Anecdotes Concerning the Life and Writings of Plato, Leiden, 1976; Robin, L., La Théorie platonicienne de l’amour, Paris, 1964; Rosenthal, R., Averroes’ Commentary on Plato,s Republic, Cambridge, 1969; id, »On the Knowledge of Plato’s Philosophy in the Islamic World«, Islamic Culture, 1940, vol. XIV.

آخر تعليق
اسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق :
آخر تعليق
MemberComments
Priority
البريد الإلكتروني
Description
Send