اَلْأَطْلَس/ محمد حسن گنجي

عدد زار : 841
تاريخ النشر : ۱۳۹۵/۲/۲۹
اَلْأَطْلَس، اسم سلسلة جبال في شمال أفريقيا طولها 414,2كم، تمتد من جنوبي دولة المغرب حتى الجزائر و غربي تونس بموازاة ساحل المتوسط. تسميته: لايعرف على وجه الدقة أصل وجذر اسم الأطلس، إلا أن هذا الاسم كان شائعاً بين اليونانيين وأشار إليه أغلب الكتّاب القدماء. كتب هيرودوتس عن الأطلس: «مرة أخرى وعلى بعد مسير 10 أيام يوجد جبل ملحي وعين ماء وقطعة أرض مأهولة، وقرب المملحة جبل يسمى الأطلس ويبلغ ارتفاعه حداً، بحيث لايمكن رؤية قمته على الإطلاق...

 

 

 

اَلْأَطْلَس،   اسم سلسلة جبال في شمال أفريقيا طولها 414,2كم، تمتد من جنوبي دولة المغرب حتى الجزائر و غربي تونس بموازاة ساحل المتوسط.

تسميته: لايعرف على وجه الدقة أصل وجذر اسم الأطلس، إلا أن هذا الاسم كان شائعاً بين اليونانيين وأشار إليه أغلب الكتّاب القدماء. كتب هيرودوتس عن الأطلس: «مرة أخرى وعلى بعد مسير 10 أيام يوجد جبل ملحي وعين ماء وقطعة أرض مأهولة، وقرب المملحة جبل يسمى الأطلس ويبلغ ارتفاعه حداً، بحيث لايمكن رؤية قمته على الإطلاق، ذلك أنها مغطاة بالغيوم طوال الشتاء والصيف. ويسميه الأهالي عمود السماء، ويطلقون على أنفسهم اسم أطلانتس (الأطلسي)» (IV/260). وبحسب رواية ديودوروس، فإنه عقب وفاة هيپريون قُسمت مملكته بين أبناء أورانوس الذين كان أشهرهم أطلانتا (أطلس) وكرونوس. و من بينها كان نصيب أطلس مناطق ساحل المحيط الذي لم يكتفِ بتسمية تلك المنطقة بأطلانسين، بل أطلق اسم الأطلس أيضاً على أكبر جبل فيها. ويقال إنه بلغ بعلوم الفلك أيضاً درجة الكمال، وهو الذي طرح موضوع الكرة، ولهذا ساد التصور بأن كل السماوات قائمة على أكتاف الأطلس (II/278-279). يقول سترابون بهذا الشأن: بعد اجتياز عمود هرقل وحين تكون ليبيا إلى يسار الإنسان نصادف جبلاً يسميه اليونانيون أطلانتا ويسميه البربر دوريس (VII/156-157).

لم يستخدم السكان المحليون اسم الأطلس، والأطلس هو الاسم الذي أطلقه الأوروبيون عليه اتّباعاً منهم لليونانيين الذين كانوا يعدّون هذه السلسلة موطن الجبّار أطلس ( البستاني، 14/391).

واستناداً إلى رواية أخرى، فإن اسم الأطلس مأخوذ من اسم أجداد قبيلة آسيوية وصل أفرادها هذه البلاد لأول مرة؛ لكن أغلب الجغرافيين المسلمين ذكروا جبل الأطلس باسم دِرِن الذي هو في حقيقته اسم خاص بالأطلس الأعلى في المغرب والأطلس الصحراوي في الجزائر.

و قد أورد محمد بن موسى الخوارزمي في صورة الأرض اسم الأطلس الكبير ضمن جدول بجبال الإقليم الثالث (ص 46-47). و قد دعى البعض الآخر من الجغرافيين ومنهم ياقوت درن باسم بربر تبعاً لاسم سكانها (2/570). و عدّ قسم من الكتّاب المسلمين ومنهم أبو عبيد البكري والإدريسي وابن خلدون خطأً أن جبال الأطلس تمتد حتى نفوسة ومصر العليا (ظ: EI2,I/748). و قد نقل أبو الفداء من ابن سعيد بهذا الشأن ما يلي :«جبل درن و هو جبل عظيم مشهور ببلاد المغرب لايزال عليه الثلج ويظهر من مراكش وبينهما مرحلتان... وأول هذا الجبل عند البحر المحيط الغربي في أقصى المغرب، ويمتد مشرقاً حتى يصير طرفه الشرقي على ثلاث مراحل من الإسكندرية، ويسمى طرفه الشرقي المذكور رأس أوثان» (ص 65). ويرى ابن خلدون أن جبال درن مثل شريط يضم من أسفي إلى تازة، ويشمل في الحقيقة الأطلس الأوسط (ظ: EI2 ، ن.ص). ويرى ليون الإفريقي أن الأطلس الشمالي يمتد إلى مصر ويصفه بأنه متميز عن الأطلس الجنوبي (ن.ص).

جيولوجيا الأطلس وتضاريسه: تشكل سلسلة جبال الأطلس التي تضم القسم الرئيس من المغرب والجزائر وتونس، وفلواتها وسهولها وحدة جغرافية مستقلة خاصة في شمال أفريقيا تختلف تماماً عن بقية أجزاء قارة أفريقيا. وتوفر مناظر الجبال العارية والمناخ والنباتات المتوسطية وأخيراً موقعها الجغرافي في الحد الفاصل بين المناطق الاستوائية وماوراء الاستوائية، لهذه الوحدة هوية منفصلة عن بقية أفريقيا (GSE,II/472).

و من حيث الجيولوجيا، فإن منطقة الأطلس هي أوروبية أكثر من أن تكون أفريقية، ذلك أن هذه السلسلة من الجبال تعدّ جزءاً من الطي العظيم لألپ وهملايا الذي ظهر في الحقب الجيولوجي الثالث، واستمرت أقسامه الأخرى في أوروبا، فشملت پيرينه وسييرانفادا وألپ وأبنين والكربات، التي بدأت المراحل الأولى لتكونها في الحقب الجيوراسي وامتدت بفواصل إلى العصر الميوسيني ( آمريكانا، II/507 b).

وبصورة عامة، فإن منطقة الأطلس بأسرها تتشكل من صف من الطيات المتوازية انفصلت عن بعضها بواسطة الهضاب المرتفعة والوديان الواسعة والسهول الفاصلة بين الجبال. وتلاحظ فـي أقسامها الغربية فحسب نماذج من تكوينات جيولوجية للحقبيـن الأول والثانـي. و إن منطقـة الأطلس فـي هذا الجـزء هي أكثر سعة وارتفاعاً من الأماكن الأخرى، وكلما تقدمت نحو المشـرق قل عرض المنطقة وارتفاع جبالها. ويرى بعض الخبراء أن مرتفعات الأطلس والسـلاسـل الجنـوبيـة لإسبـانيـا شكلتا طوقاً جبلياً في النصف الغربي من البحر المتوسط يغلـق في المغـرب بـواسطـة جـبـل طـارق وفـي المشـرق بـواسطـة جزيـرة صقليـة، لكـن البحـث العلمـي حـول مواصفات هـذا الطـوق الجبلـي لم تنتـه بعد («الشرق الأوسط... »، 4).

وعادة ما تقسم سلسلة جبال الأطلس إلى ثلاثة أقسام محددة: غربي وشمالي وجنوبي:

1. القسم الغربي: إن ما يذكر بوصفه القسم الغربي يقع بأسره في بلاد المغرب (مراكش)، و قد تشكل من سلسلتين محددتين الأطلس الأعلى والأطلس الأوسط:

ألف ـ الأطلس الأعلى، الذي يسمى أيضاً الأطلس المرتفع والأطلس الكبير، هو سلسلة ضخمة تبدأ مشرفة على وادي السوس وتمتد من الجنوب الغربي نحو الشمال الشرقي بارتفاع معدله 500,2 متر وبطول 750كم، وتضم أكثر جبال الأطلس ارتفاعاً. و إن ارتفاع الكثير من قمم هذه السلسلة لايتجاوز 000,4 متر، و في هذه السلسلة تلاحظ قمة في الأطلس و هي طبقال1 (150,4 متراً). ويتلاشى الأطلس الأعلى في الامتداد الشرقي في الهضاب المرتفعة للمغرب (أبو النصر، 3). وعلى الرغم من وجود العرض الجغرافي والقرب من خط الاستواء، فإنه تلاحظ آثار انجمادات عصر الكواترنر (الحقب الرابع) على هيئة مجموعات وحفر وترسبات جليدية في المرتفعات، بينما لايلاحظ اليوم ثلج دائم في أي جزء منه (EI2,I/748)، ومناظره الكارستية كثيرة (GSE,II/472).

وبدوره ينقسم الأطلس الأعلى إلى قسمين: 1. القسم الشمالي الذي يتجاوز ارتفاع قممه 000,3 متر، وبسبب قربه من المتوسط، فإنه يحظى في سفوحه الشمالية بأكبر كمية من أمطار المنطقة، وبالنتيجة ينبغي مشاهدة أكثر غابات المنطقة كثافة بالبلوط والصنوبر والسرو في هذه السفوح المطلّة على البحر، بينما السفوح الجنوبية لنفس القسم جافة ومجردة من الغطاء النباتي؛ 2. القسم الجنوبي المعروف بالأطلس الصغير، أو أنتي أطلس. وهذا القسم أقدم من القسم الشمالي جيولوجياً وترجع مكوناته الجيولوجية إلى الحقبات الأولى عندما أُصيبت بتغييرات عند الطي الذي حدث في ألپ وهملايا. ويزيد ارتفاع بعض قمم هذا القسم عن 000,3 متر. وسفوحه المتجهة نحو الغرب و الشمال الغربي مغطاة بالغابات المذكورة، بينما سفوحه الشرقية والجنوبية جافة لاماء فيها و لا كلأ ( البستاني، 14/393-394).

ب ـ الأطلس الأوسط، ويمتد من الشمال الشرقي نحو الجنوب الغربي و يزيد ارتفاع قممه على 000,3 متر. ويبلغ ارتفاع أعلى قممه ناسور 343,3 متراً و هي بركانية الأصل (ن.ص). و في الشرق تفصل سلسلتا حُضنة و بلزمة سهل حضنة المنخفض (ارتفاعه 400 متر) عن سهول الجزائر المرتفعة (ارتفاعها 800 متر) (EI2,I/749).

ويفصـل الأطلس الأوسط المنطقـة القديمة لهضبـةمراكش ــ التي تحتوي على أهم ترسبات الفوسفات في المنطقة ــ عن حدود وهران ـ مراكش. وتحصل هذه السلسلة بسبب كونها أكثر المرتفعات إيغالاً في الشمال في مواجهة التيارات الهوائية المتوسطية الرطبة، على أمطار وفيرة، وبالنتيجة تكون منبعاً للأنهار المهمة والدائمية في مراكش مثل أم الربيع وسبو5 وملويـة6 ويشكل بـدوره ــ شأنه شأن الأطلس الكبيـر ــ فاصلاً يقسم المياه، حيث سفوحه الشمالية غنية بالمياه والغابات، وسفوحه الجنوبية جافة خالية من الغابات.

2. القسم الشمالي: يتكون هذا القسم من جبال الأطلس والذي يشاهد في كل من المغرب والجزائر وتونس، من سلاسل منفصلة ومنقطعـة نسبياً، تقع الواحدة تلـو الأخـرى علـى الخط الشرقـي ـ الغربي العام بموازاة ساحل المتوسط بارتفاع يقل عما هو عليه في الأقسـام الأخرى. وأهم سلاسل هذه الجبال من الغـرب حتى الشرق هي:

ألف ـ سلسلة جبال الريف وتقع في شمال المغرب وتمتد بشكل هلال من سبتة إلى مليلة بطول 250كم قبالة سواحل المتوسط. ويتجاوز ارتفاع قمم هذه الجبال 000,2 متر، وترتفع أعلى قمة فيه بمقدار 450,2 متراً عن مستوى سطح البحر. و من الناحية الجيولوجية، فإن جبال الريف لها وضع معقد، حيث أصيبت في الحقب الثالث بطيات عديدة، فاندفعت نحو الجنوب و كونت سلاسل مثل جبلة  و بوكوية في المغرب، وكذلك جرجرة ونوميديا (EI2 ، ن.ص).

ب ـ جبال أطلس التل، في الجزائر وتتكون من مجموعة من التلال والجبال القليله الارتفاع، وتمتد من الغرب نحو الشرق ويزداد ارتفاعها تدريجياً، بحيث يزيد في بعض الحالات على 000,2 متر، مثل اللاله خديجة بارتفاع 308,2 أمتار ( البستاني، ن.ص).

ج ـ مرتفعات المجرّدة، في تونس ويتجاوز ارتفاع بعض قممها 200,1متر (ن.ص).

3. القسم الجنوبي: ويضم هذا القسم، الأطلسَ الصحراوي الممتد من الجزائر نحو المشرق (تونس) والمغرب (مراكش) بارتفاعات تقل عن ارتفاع بقية سلاسل الأطلس، ويفصل الجزائر عن الصحراء الأفريقية. و قد قُدّر طول الأطلس الصحراوي بين 200,1-500,1كم. وأهم قممه من المغرب إلى المشرق هي القصور (202,2 متر) و عمور (677,1 متراً) وأولاد‌نائل (667,1 متراً) وأخيراً جبال الأوراس16 المهمة في الجزائر والتي فيها أعلى قمة في هذه البلاد بأسرها وتدعى شليه (331,2متراً) (ن.م، 14/395). وإلى شرقي جبال أولادنائل، حيث يقل ارتفاع الأرض، تفصل منطقة تشبه الهضبة هذا الجبل عن حوض شط حضنة الذي هو أرض منبسطة (أبو النصر، 6).

و من الأوراس حتى تونس يقل الارتفاع وهناك تشكلت مرتفعات حضنة ــ التـي هي في الواقع بقيـة مرتفعات الجزائـر ــ من اتصال أطلس التل والأطلس الصحراوي. و في تونس، فإن القسم الجبلي بأسره ــ عدا شمال هذه البلاد ــ ظهر من سلسلة الجبال التي تفرعت من الأطلس الصحراوي. وهناك تلاحظ بنايات ذات قباب مع تصدعات كثيرة وأحواض تبسة الواسعة التي تنتهي بسلاسل دورسال. و في هذا القسم، تتصل الإيوانات الجبسية بارتفاع 154,1 متراً في شامبي ببعضها في الشمال الشرقي والتي انفصلت عن بعضها غالباً بواسطة وديان عميقة، لتشكل سلسلة زغوان (298,1متراً) فحسب، وتستمر حتى خليج تونس (EI2,I/749).

و لايوجد في منطقة الأطلس بأسرها نهر دائم الجريان يمكن مقارنته بالأنهار الدائمية والوفيرة المياه في أفريقيا. فأغلب أنهار المنطقة التي تسمى بالوديان بصورت عامة، تظهر نتيجة أنهار فصلية يمكن أن تسبب في الشتاء فيضانات عظيمة وعلى العكس من ذلك، فهي في الصيف تختفي نهائياً، أو تتحول إلى جداول صغيرة تنتهي في الشطوط الداخلية («الشرق الأوسط»، 266). وأهم أنهار الأطلس الدائمية التي تصب في المحيط الأطلسي في الغرب، أو البحر المتوسط في الشمال هي: أم الربيع وسبو في المغرب ويصب كلاهما في المحيط الأطلسي، ويجري أم الربيع في واد واسع بين الأطلس الأوسط والأطلس الأعلى، ويصب في المحيط الأطلسي بمسافة قريبة في جنوب الدار البيضاء، أما سبو الذي ينبع من السفوح الشمالية للأطلس الأوسط، فيصب في نفس المحيـط فـي شمـال شرقـي الربـاط («أطلس بـريتانيكـا»، 148).

وأهم مجرى مائي يصب في البحر المتوسط هو ملوية التي تجري في مراكش، وبعد جريانه باتجاه الشمال الشرقي يصب في البحر المتوسط في الأراضي المغربية إلى الشرق من ميناء مليلة وبمسافة قصيرة عن الحدود السياسية بين المغرب والجزائر («الأطلس الكبير... »، 51). و في شرقي منطقة الأطلس في بلاد تونس، فإن المجردة هو النهر الدائمي الوحيد الذي يجري في الوادي الشرقي ـ الغربي الواقع بين التل الشمالي والتل المرتفع والذي يصب في خليج تونس في البحر المتوسط على امتداد شمال مدينة تونس («أطلس بريتانيكا»، 36).

المناخ: إن الموقع الجغرافي ومجاورة البحر المتوسط والصحراء الأفريقية والأهم من كل ذلك الانخفاضات والارتفاعات في جميع أرجاء منطقة الأطلس هي عوامل رئيسة أوجدت تنوع المناخ في المنطقة. ويمكن القول بصورة عامة إن المناخ المتوسطي يسود الامتداد الشرقي ـ الغربي في النصف الشمالي من منطقة الأطلس؛ بينما تظهر سمات الإقليم الصحراوي بشكل واضح في نصفها الجنوبي. و إن ما يؤدي إلى الاختلاف الإقليمي بين المناطق الجبلية المرتفعة والهضاب والسهول الداخلية المرتفعة أكثر من بقية العوامل هو امتداد سلاسل الجبال ومواقعها في مواجهة التيارات الهوائية السائدة في المنطقة.

و في الشتاء تستقطب المراكز ذات الضغط المنخفض التي تحدث فوق المتوسط، الهواء الرطب من الغرب والجنوب، وبالنتيجة تسبب التيارات الغربية في الجزائر الشرقية وتونس، والرياح الجنوبية في جبال الأطلس، أمطاراً وفيرة نسبياً. و في الصيف عندما يتكون مركز ضغط الأزور7 بجوار القارة، يهيمن الجفاف على أرجاء منطقة الأطلس ويندر تساقط الأمطار الصيفية داخل المنطقة. وتهطل أمطار المنطقة بأسرها في أشهر الخريف والشتاء، أو في الفصل البارد من السنة، و إن هذه بحد ذاتها إحدى السمات البارزة لمناخ البحر المتوسط. و إن ما يؤدي إلى نقصان الأمطار وزيادتها في المناطق المختلفة هو الارتفاع الجغرافي وأشكال الجبال ومواقعها بصورة عامة.

و في المناطق التي يكون فيها معدل سقوط الأمطار بمستوى 40 سنتيمتراً، أو أكثر في السنة تكون الزراعة الديمية ممكنة، وتوجد هذه الحالة في مناطق أطلس التل، حيث تتسرب الأمطار الشتوية إلى أعماق التربة وتؤدي إلى نموّ ودوام الأشجار ذات الجذور الطويلة، و في جميع أرجائها تُزرع الغلال ديمياً. أما المناطق التي تقلّ فيها الأمطار السنوية عن 40 سنتيمتراً و لايمكن فيها زراعة الغلال ديمياً، تحل مزارع الأعلاف والمراعي الغنية محـل مـزارع الغـلال، ويلاحـظ هـذا الوضع فـي مرتفعـات تونس والجزائر وكذلك في فلات المغرب، وتوفر مراعيها الواسعـة أرضيـة مناسبـة لأنشطـة تربيـة المواشي والحيـاة القَبَلية.

و في السفوح الشمالية والشمالية الغربية يتراوح معدل الأمطار السنوي بين 100 و 180 سنتيمتراً، ويصل مستوى الثلوج والأمطار في القمم المرتفعة بين 200 و 250 سنتيمتراً، لكن كمية الأمطار تقلّ كلما ابتعدنا عن المتوسط وحصلت السفوح الشمالية للجبال البعيدة عن المتوسط بدورها على أمطار أقل، بحيث يقال إن معدل الأمطار السنوي في المناطق الجنوبية المطلة على الصحراء هو 30 سنتيمتراً (GSE,II/473).

إن الصحراء الأفريقية لاتترك أثرها في إقليم الأطلس بسبب قلة الأمطار فحسب، بل إن المنخفضات الجوية المتوسطية تستقطب الهواء الصحراوي الجاف والحار في الصيف، ويؤدي هذا

الوضع إلى حدوث عواصف عاتية وحارة وخانقة وترابية تعرف بالشرقية في جميع أرجاء الأطلس، مما يجعل الحياة عسيرة ويتلف المزارع المخضرة خلال ساعات معدودة («معجم...2»، 270).

و في المناطق الجنوبية، حيث الأمطار أقل وفصل هطولها قصير، يتباين كثيراً مقدار الأمطار في السنوات المختلفة وهذا ما يجعل استمرار الأنشطة الزراعية أمراً عسيراً وبالنتيجة يسود المناخ الصحراوي في جميع أرجاء الحافة الجنوبية للأطلس، والتي تُعدّ في الحقيقة الحافة الشمالية للصحراء الأفريقية أيضاً (مذكرات المؤلف).

الغطاء النباتي والثروة الحيوانية: إن الغطاء النباتي الطبيعي للأطلس يعكس ظروفه الإقليمية، وبالنتيجة تلاحظ في منطقة الأطلس أنواع النباتات الطبيعية مما هو بحاجة إلى مياه وفيرة، أو تلك التي تنمو في الصحاري القاحلة. أما في المناطق الوفيرة الأمطار وبشكل خاص في السفوح المواجهة للبحر، و في الشمال والشمال الغربي وبشكل خاص في أطلس التل وأطلس الريف، توجد غابات كثيفة من النباتات المتوسطية مثل البلوط والفلين والصنوبر والسرو حتى ارتفاع 700,1 متر فوق مستوى سطح البحر، وكذلك أنشئت في مرتفعات الأطلس الصحراوي وأنتي أطلس غابات اصطناعية للصنوبر والسرو حتى ارتفاع 200,2 متر تؤخذ منها الأخشاب التجارية الثمينة (GSE، ن.ص). وفضلاً عن هذه الغابات، توجد شجيرات قصيرة مثل الزيتون وأنواع النخيل والعناب والأشجار دائمة الخضرة المعروفة بماكي3، كما تغطي المراعي وسهول السهبية وبقية نباتات المناطق الجافة كثيراً من السهول المرتفعة بين الجبال والفلوات الداخلية، للبلدان الثلاثة لمنطقة الأطلس ( لاروس الكبير).

والأمر الملفت للنظر في الغطاء النباتي للأطلس هو أن تدخل الإنسان أتلف الغطاء النباتي الطبيعي في أغلب الأماكن، وهذا أمر ملحوظ في المناطق الشمالية المأهولة بالسكان من المنطقة، ذلك أن البساتين الواسعة للفواكه والزيتون والحمضيات وبقية المحاصيل التجارية والغلال حلّت محل الغابات الطبيعية هناك (ن.ص؛ آمريكانا، II/507 b). و قد أدى  زوال الغطاء النباتي الطبيعي إلى انجراف التربة الخصبة بشدة، وبالنتيجة، فإنه وعقب كل زخات مطر شديدة، تجري السيول الخطرة في الوديان الجافة وتسبب خسائر فادحة.

أما الثروة الحيوانية في منطقة الأطلس، فقد كانت على الدوام عرضة لشتى المخاطر، و إن حيوانات مثل الأرانب وبنات آوى والضباع وغيرها مما نجا من الحوادث والكوارث المختلفة، فهو هجين من الفصائل الأوروبية والأفريقية. و قد صمدت القردة في شمالي الأطلس، أما أسود المنطقة مما كان يحظى بالاهتمام في ذروة الهيمنة الرومانية، فما تزال تشاهد هنا وهناك. بينما طيور المنطقة بأنواعها المهاجرة وكذلك زواحفها، فذات فصائل متنوعة (GSE، ن.ص).

تاريخها: أوضحت التنقيبات الأثرية في العقود الأخيرة والتي بدأت في أوائل القرن 20م، أنه كان يعيش في بلاد الأطلس منذ حوالي الألف 15 ق.م أناس مروا بمرحلتين ثقافيتين متميزتين: المرحلة الأولى، الثقافة الوهرانية4 التي تعود إلى الحقبة الأولى من العصر الحجري في المغرب (شمالي أفريقيا) و هي خاصة بسكان السواحل، و قد وجدت بقايا هذه الثقافة ممتدة حتى بلاد سيرناييك5. و إن إبداء رأي حول منشأ هذه الثقافة وأصلها أمر عسير، لكن يستفاد من البقايا البشرية التي عثر عليها في مشت العربي6 في غربي الجزائر أن الشعب الذي خلق هذه الثقافة يحتمل أن يكون قد قدم في حوالي الألف 15 ق.م من المغرب، أي من إسبانيا إلى أفريقيا، و في الألف 10 ق.م أبدع الثقافة السيرناييكية، وربما كان قد وصل في مسيره نحو المشرق، إلى مصر العليا أيضاً. وتدعى المرحلة الثانية التي تعود إلى الحقبة الثانية من العصر الحجري في المغرب، باسم ثقافة كاپسين7 (المنسوب إلى مدينة قفصة8 في تونس). وكانت هذه المرحلة قائمة بين الألف 10 والألف 5 ق.م، وكان مركزها الأصلي المناطق الشرقية من الجزائر في مرتفعات الأطلس وبقيتها في تونس وتقدمت نحو الشمال، وأخضعت الثقافة الوهرانية لتأثيراتها. وعُدّت الشعوب المرتبطة بهذه الثقافة بأنها من سواحل ليفانت (شرقي المتوسط)، لكن مع عدم وجود دلائل على تواجد هذا الشعب في مصر العليا، فإن القبول بأصالة مشرقية لهذه الثقافة أمر عسير (أبو النصر، 7).

عندما بدأت الفترة التاريخية للأطلس، أي عندما شقّ الفينيقيون طريقهم إلى هذه البلاد في الألف 1 ق.م، وجدوها تحت هيمنة الشعب البربري (ظ: ن.د، البربر) الذين يشكلون اليوم أيضاً العنصر الأساسي للسكان والذين حافظوا على مدى التاريخ الطويل لهذه البلاد، على ثقافتهم ولغتهم ومعتقداتهم وبشكل خاص بنيتهم الاجتماعية، وأبدوا مقاومة جديرة بالثناء في مواجهة المهاجمين الأجانب المتعددين والأقوياء. ويتكون المجتمع البربري من قبائل عديدة جميعها تعتبر نفسها أخلافاً لجدّ مشترك، وعلى هذا، فإنه تربطهم جميعاً علاقة القبيلة والدم. و إن التعاون والمعونة المتبادلة والاتحاد في مواجهة المهاجمين الأجانب والاستفادة الجماعية من الموارد المشتركة بين القبائل، يشكل أساس هذه الرابطة. و إن الاتحاد والانسجام بين قبائل البربر ظل راسخاً لقرون نتيجة لحكم القانون السائد والذي كان موضع احترام والتزام الجميع ( لاروس الكبير).

و في القرن 2م، شق الرومان طريقهم إلى بلاد الأطلس واستمرت هيمنة الروم على شمال أفريقيا حتى ظهور الإسلام. فقد انتزع المسلمون الذين كانوا قد استولوا بقيادة عمرو بن العاص على مصر والإسكندرية في 22ه‍/642م، بلاد الأطلس برمتها من سيطرة الرومان بعد 70 سنة من الكر والفر. وعلى مدى الزمان اعتنقت قبائل البربر المختلفة الإسلامَ الواحدة تلو الأخرى (طه، 55,76). ومنذ ذلك الحين و ما تلاه، ظلت بلاد الأطلس ولقرون بأيدي المسلمين إلى أن شن البرتغاليون والإسبان عدوانهم على جنوب جبل طارق، و مع بداية فترة الاستعمار الأوروبي للعالم هيمن الفرنسيون على جميع أرجاء بلاد الأطلس في 1830م بعد جهود متواصلة، ومنذ ذلك الحين استمر استغلال ثروات هذه البلاد من قِبل الأوروبيين. و في فترة الهيمنة الفرنسية بدأ نظام الحياة القبلية للبربر بالتفكك في مواجهة الحضارة الأوروبية وظهرت حركة هجرة كبيرة بين سكان الأطلس وفرنسا.

و قد قاوم العنصر الأصلي لسكان بلاد الأطلس، أي البربر جميع الغزوات الخارجية التي كان الموقع الجغرافي (بين أفريقيا وأوروبا وآسيا) قد خلقها، و متى ما فتروا عن المقارعة لجأوا إلى الجبال، و حافظوا على ثقافتهم ولغتهم ومعتقداتهم وبالدرجة الأولى على نظامهم الاجتماعي.

وعلى مدى التاريخ الطويل لمنطقة الأطلس، أدى النفوذ المتعاقب للثقافات الأوروبية في المغرب والآسيوية في المشرق إلى ظهور نزاعات بين القبائل المحلية للبربر كانت على علاقة بأسلوب الحياة أكثر من كونها  اختلافات قبلية وعرقية. وبعبارة أخرى، فإن رواج استقرار بعض القبائل البربرية في قواعد المدن خلق اختلافاً في أسلوب حياة سكان المدن و القبائل الرحل التقليدية، أو بين سكان السهول وسكان الجبال. وبطبيعة الحال، فإن سبب الخلاف كان البلدان السهلية التي كانت قد استولى عليها سكان المدن، بينما كانت فيما مضى تشكل مشتىً للرحل الجبليين.

و مع التطورات التي لابد منها والناجمة عن اتساع نطاق الحضارة الغربية وفرض النظام والانضباط في المدن والبلدان السهلية الخصبة، لم ترضخ القبائل الجبلية للقوانين المدنية وبشكل خاص دفع الضرائب، بل أقدمت على نهب المدن والقرى مما أدى إلى حدوث الاضطرابات والفوضى عقب نيل الاستقلال. و من ناحية أخرى، فقد كان هناك طوال التاريخ نزاع بين بربر الأطلس الأصليين والغزاة الأجانب من يونانيين وروم وعرب وفرنسيين، إلا أن البربر حافظوا إلى حد ما على وضعهم الاجتماعي والثقافي عن طريق اتباعهم سياسة الكر والفر واللجوء إلى الوديان الجبلية، أو الصحارى التي يصعب اجتيازها.

والآن، فإنه على الرغم من وجود الوحدة الجغرافية التي تلاحظ في جميع أرجاء الأطلس من المحيط الأطلسي حتى السواحل الشرقية من تونس، فإن هذه المنطقة قسمت إلى 3 دول مستقلة هي المغرب والجزائر وتونس، حيث تواجه كل واحدة منها قضاياها الخاصة التي ورثتها من التراث الثقافي للبربر («دائرة المعارف...»، 237).

 

المصادر:   أبو الفداء، تقويم البلدان، تق‍ : رينو و دوسلان، باريس، 1840م؛ البستاني؛ الخوارزمي، محمد، صورة الأرض، تق‍ : هانس فون مجيك، فيينا، 1345ه‍/1926م؛ ياقوت، البلدان؛ مذكرات المؤلف؛ وأيضاً:

Abun-Nasr, J. M., A History of the Maghrib, Cambridge, 1971; Americana ; Britannica Atlas, Chicago, 1996; A Dictionary of Geography, ed. F. J. Monkhouse and J. Small, Beirut, 1983; Diodorus of Sicily, Bibliotheca historica, tr. C. H. Oldfather, London 1967; EI2; Grand Larousse ; Great World Atlas, London, 1981; GSE; Herodotus, The History, tr. G. Rawlinson, New York; Larousse Encyclopedia of World Geography, London, 1967; The Middle East and North Africa, London, 1986; Strabo, The Geography, tr. H. L. Jones, London, 1949; Ŧāha, ªAbdulwāħid Dhanūn, The Muslim Conquest and Settlement of North Africa and Spain, London, 1989.

 

آخر تعليق
اسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق :
آخر تعليق
MemberComments
Priority
البريد الإلكتروني
Description
Send