اَلْإسْكَنْدَر/ ‌مجدالدين‌ كيواني

عدد زار : 325
تاريخ النشر : ۱۳۹۵/۲/۱۲
اَلْإسْكَنْدَر، أو الإسكندر الثالث‌ (356-323 ق‌.م‌)، ابن‌‌فيليب‌ الثاني المقدوني، يعرف‌ في المصادر الإسلامية بالإسكندر المقدوني، أو الإسكندر الرومي، أو الإسكندر ذي القرنين‌؛ من‌ القادة و الملوك الشهيرين‌ في تاريخ‌ العالم‌ القديم‌، و الفاتح‌ لرقعة واسعة تمتد من‌ الساحل‌ الشرقي للمتوسط وحتى‌ مابعد نهر السند. لانجد من‌ بين‌ الشخصيات‌ التاريخية الكبرى‌، سوى‌ شخصيات‌ قليلة امتزجت‌ حياتها بالعجائب‌ و المبالغات‌ و الأساطير كما هو الحال‌ بالنسبة إلى‌ الإسكندر. يشتمل‌ ما وصلنا عن‌ تاريخ‌ الإسكندر والأساطير حوله‌ ــ أو مايرتبط باسمه‌ بشكل‌ ما ــ على‌ قسمين: 1. المصادر الأوروبية، 2. المصادر الإيرانية ...

اَلْإسْكَنْدَر،   أو الإسكندر الثالث‌ (356-323 ق‌.م‌)، ابن‌‌فيليب‌ الثاني المقدوني، يعرف‌ في المصادر الإسلامية بالإسكندر المقدوني، أو الإسكندر الرومي، أو الإسكندر ذي القرنين‌؛ من‌ القادة و الملوك الشهيرين‌ في تاريخ‌ العالم‌ القديم‌، و الفاتح‌ لرقعة واسعة تمتد من‌ الساحل‌ الشرقي للمتوسط وحتى‌ مابعد نهر السند.
لانجد من‌ بين‌ الشخصيات‌ التاريخية الكبرى‌، سوى‌ شخصيات‌ قليلة امتزجت‌ حياتها بالعجائب‌ و المبالغات‌ و الأساطير كما هو الحال‌ بالنسبة إلى‌ الإسكندر. يشتمل‌ ما وصلنا عن‌ تاريخ‌ الإسكندر والأساطير حوله‌ ــ أو مايرتبط باسمه‌ بشكل‌ ما ــ على‌ قسمين: 1. المصادر الأوروبية، 2. المصادر الإيرانية ــ الإسلامية. والإسكندر في المصادر الأوروبية ــ بغض‌ النظر عن‌ مبالغات‌ المؤرخين‌ و الرواة و أساطيرهم‌ و التي لفت‌ شخصيته‌ بالغموض‌ إلى‌ حدما ــ يمتلك ملامح‌ واضحة و محددة نسبياً؛ وأما شخصية الإسكندر التاريخية في المصادر الإيرانية ـ الإسلامية فقد تعرضت‌ للتحريف‌ و الاضطراب‌ الكثير، بحيث‌ أن‌ عنصر الأسطورة يطغى‌ في هذه‌ المصادر على‌ الحقيقة التاريخية لحياته‌.
و يمكن‌ القول‌: إن‌ الاضطراب‌ و الإبهام‌ الموجودين‌ حول‌ شخصية الإسكندر في المصادر الإيرانية ـ الإسلامية، وليدان‌ 3 عوامل‌: 1. أسطورة قرابة الإسكندر مع‌ أسرة الكيانيين‌ في إيران‌، 2. اختلاط شخصية الإسكندر مع‌ شخصية ذي القرنين‌ القرآنية، 3. احتمال‌ أن‌ يكون‌ ذو القرنين‌ و قورش‌ الكبير مؤسس‌ الأسرة الأخمينية شخصية واحدة. علماً أن‌ الإسكندر استناداً إلى‌ بعض‌ الروايات‌ القديمة هو ابن‌ داراب‌، أو دارا الكبير الذي كان‌ من‌ الملوك الكيانيين‌، و نتيجة زواج‌ هذا الملك من‌ ابنة فيليب‌ المقدوني. و الملاحظة الثانية هي أن‌ شخصية الإسكندر المقدوني كانت‌ قد امتزجت‌ مع‌ شخصية تعرف‌ بذي القرنين‌ قبل‌ ظهور الإسلام‌ وذلك في تاريخ‌ مجهول‌. علماً أن‌ الأخير كان‌ على‌ مايبدو يجمع‌ بين‌ السلطتين‌ الدنيوية و الدينية، و بعد أن‌ نزلت‌ في القرآن‌ الكريم‌ آيات‌ بشأن‌ ذي القرنين‌ (الكهف‌/ 18/83- 98)، افترضت‌ هاتان‌ الشخصيتان‌ في التواريخ‌ و التفاسير الإسلامية كشخصية واحدة في الغالب‌ (مثلاً، ظ: أبوالفتوح‌، 3/ 449؛ البلعمي، 709-711؛ فخر‌الدين‌ الرازي، 21/163؛ الثعلبي، 359؛ القرطبي، 11/45-47). و الملاحظة الثالثة هي‌ أن‌ ذا القرنين‌ و قورش‌ الأول‌ من‌ الأسرة الأخمينية تم‌ تصورهما كشخص‌ واحد حسب‌ بعض‌ الدراسات‌ الأخيرة (آزاد، مخ‍ ‍(.
و مما يجدر ذكره‌ أن‌ احتمال‌ كون‌ الإسكندر المقدوني وذي‌القرنين‌ الوارد ذكره‌ في القرآن‌، شخصية واحدة ضعيف‌ جداً، إلا إذا قلنا بوجود إسكندرين،‌ أو شخصيتين‌ تمثلان‌ ذا القرنين‌ اتباعاً لفرضية فريق‌ من‌ المؤرخين‌ السلف‌ (مثلاً ظ: ابن‌ كثير، 4/ 418؛ خواندمير، 1/ 209). و من‌ جهة أخرى‌، فإن‌ التأثير التاريخي للإسكندر ذي القرنين‌ في الأدب‌ و الثقافة الإيرانية ـ الإسلامية  واسع‌ إلى‌ درجة أن‌ مزيجاً من‌ كلا الشخصيتين‌ (الإسكندر بن ‌‌فيليب‌ و ذي‌القرنين‌ في القرآن‌) يطالعنا في الآثار الأدبية والصوفية و الأخلاقية، و في الثقافة الشعبية أيضاً.
إن‌ الاستعراض‌ التاريخي للإسكندر الذي ظهر‌ من‌ مقدونية، وهاجم‌ إيران‌ و أسقط الحكم‌ الأخميني الذي استمر 300 سنة، سيكون‌ ناقصاً إلى‌ حدما ــ بل‌ محيـراً ــ دون‌ الإشارة إلى‌ قصة قرابته‌ مع‌ الكيانيين‌، و توحده‌ مع‌ ذي القرنين‌، و كذلك توحد ذي القرنين‌ مع‌ قورش‌ الكبير. إن‌ درجة التمازج‌ بين‌ الإسكندر وذي‌القرنين‌ في التاريخ‌ و الأدب‌ الإيراني ـ الإسلامي ليست‌ بالدرجة التي يمكن‌ معها تجاهلها. و على‌ سبيل‌ المثال‌ فقد قدم‌ الإسكندر المقدوني باعتباره‌ ملكاً يونانياً مقتدراً و فاتحاً لإيران‌، وقدم‌ ذا القرنين‌ باعتباره‌ شخصية قرآنية. و بعبارة أخرى‌، رغم‌ أن‌ المقارنة المكثفة لما قيل،‌ أو كتب‌ حول‌ هاتين‌ الشخصيتين‌ التاريخيتين‌ ـ الأسطوريتين‌ نثبت إلى‌ حدما أنهما كانا شخصيتين‌ منفصلتين‌ من‌ جهات‌ مختلفة، ولكن‌ يبدو أنه‌ لايوجد في الأفكار الموجدة للأساطير، وغير المنتقِدة، سوى‌ إسكندر واحد، يظهر لنا حيناً ملكاً سفاحاً وتوسعياً، وحيناً ملكاً شبيهاً بالأنبياء يخرج‌ مع‌ الخضر النبي في طلب‌ ماء الحيوان‌.
إن‌ الروايات‌ المتعلقة بالإسكندر في المصادر الإيرانية، إما أنها أخذت‌ من‌ الأصل‌ البهلوي، أو من‌ المصادر غير البهلوية (اليونانية والسريانية و ربما المصادر الأخرى‌). و قد كتبت‌ في الأساس‌ بعض‌ هذه‌ الروايات‌ من‌ قبل‌ الإيرانيين‌ (الزرادشتيين‌ عادة) في العهد الساساني في كتب‌ مثل‌ خوتاي نامك، و انتقلت‌ بعد الإسلام‌ إلى‌ المؤلفات‌ البهلوية مثل‌ دينكرت‌ و بندهش‌ و أرداويراف‌ نامه‌، ثم‌ أصبحت‌ من‌ مصادر المؤرخين‌ الإيرانيين‌ و العرب‌. علماً أن‌ مثل‌ هذه‌ الأخبار التي لاتتعدى‌ المصادر البهلوية الساسانية قليلة نسبياً. و القسم‌ الآخر من‌ الروايات‌ المرتبطة بالإسكندر هي عبارة عن‌ القصص‌، و الروايات‌ المختلفة، و شبه‌ الأسطورية، أو المبالغ‌ فيها، و التي كتبت‌ باليونانية بعد الإسكندر، و ترجمت‌ فيما بعد إلى‌ اللغات‌ السريانية و البهلوية و العربية و الأرمنية و غيرها، وأضيفت‌ إليها أشياء كثيرة، و شقت‌ طريقها الى‌ المصادر الفارسية والعربية.
و قد وصف‌ الإسكندر في الأخبار و الإشارات‌ التي كتبها‌ الإيرانيون‌ أنفسهم‌ (الزرادشتيون‌ عادة) بأنه‌ رجل‌ مدمر وظالم‌ وذو طبيعة شيطانية، حيث‌ أسقط الدولة الأخمينية وقتل‌ أمراء إيران‌ وكبارها، و سبب‌ الكثير من‌ الدمار، و أحرق‌ كتب‌ الإيرانيين‌ الدينية ( أرداويراف‌ نامه، الفصل‌ 1: 3-7؛ دينكرت‌، 413,423,435,437,441,446 ؛ وست 28). و لذلك، فقد ذكر الإيرانيون‌ الإسكندر باعتباره‌ ملعوناً، و عدوه‌ من‌ طبقة الجبابرة المدمرين‌ والمثيرين‌ للفتن‌ و الملوك السيئين‌ أمثال‌ الضحاك وأفراسياب‌ (كارنامه ...،5، 71؛ «شهرستانها‌...» البند‌ 5). كما يبدو أن‌ المراد من‌ «كرساني الغاصب‌» في هوم‌ يشت‌ أفستا (البند 24) الذي كان‌ يطالب‌ بالحكم‌، و يحول‌ دون‌ نشر أحكام‌ الدين‌، هو الإسكندر المقدوني.
ولكن‌ هناك طائفة أخرى‌ من‌ الروايات‌ الإيرانية صورت‌ الإسكندر بشكل‌ آخر. تمتلئ هذه‌ الروايات‌ بالخيال‌ و الأساطير والمبالغات‌ و الإشادة به‌. فهو يبدو لنا في هذه‌ الروايات‌ نبياً عارفاً بالله، و مؤمناً و داعياً إلى‌ دين‌ الله‌، كما أنه‌ في نفس‌ الوقت‌ بطل‌ مقدام‌ و فاتح‌ للعالم‌. و هو في موضع‌ أمير حسن‌ السيرة من‌ سلالة الكيانيين‌، نراه‌ يبكي بسبب‌ موت‌ دارا؛ و في موضع‌ آخر يبدو لنا مسلماً موحداً، مقيماً للصلاة، و إيرانياً صحيح‌ النسب‌ (ظ: بهار، 2/130). يتوجه‌ إلى‌ حرم‌ الكعبة (الفردوسي، 7/1846)، و يُشاهَد على‌ قمة جبل‌ مع‌ إسرافيل‌ (م‌.ن‌، 7/1890)، و أخيراً، يبدو في موضع‌ آخر مسيحياً متديناً يقسم‌ بالصيلب‌ و زنار شماس‌ و روح‌ القدس‌ (م‌.ن‌، 7/1865).
إن‌ مصدر الأخبار المختلقة، و غالبية الأساطير حول‌ الإسكندر، هو كتاب‌ ألفه‌ رجل‌ مجهول‌ في مصر حوالي سنة 200م‌ ــ أي بعد الإسكندر بخمسة قرون‌ ـ ثم‌ نسب‌ إلى‌ الفيلسوف‌ و المؤرخ‌ المعاصر للإسكندر كليستنس‌ (ابن‌ أخت‌ أرسطو). عرف‌ هذا الرجل‌ المختلق‌ للأساطير في التاريخ‌ باسم‌ كليستنس‌ المزيف‌ (باج‌، 53؛ أيضاً ظ: صفا، حماسه‌ سرائي، 89 -90). و بالطبع‌ فإن‌ أساس‌ هذه‌ الروايات‌ المختلقة يعود إلى‌ عصر الإسكندر نفسه‌، حيث‌ نقل‌ قادته‌ و جنده‌ سيرته‌ ممزوجة بالكثير من‌ المبالغات‌ والأخيلة، و على‌ رأسهم‌ أونيسكريت‌ أحد قادة جيش‌ الإسكندر، وكليستنس‌ (360-327 ق‌.م‌) اللذان‌ كانا من‌ أهالي أولينس‌، ورافقا الإسكندر في حملاته‌ على‌ الشرق‌. و قد أصبحت‌ هذه‌ الروايات‌ الخاطئة فيما بعد موضوعاً لرواية كليتارخ‌ أحد قادة الإسكندر التاريخية (پيرنيا، 1/82).
و قد حول‌ كليستنس‌ مشاهداته‌ اليومية في أسفار الإسكندر الحربية إلى‌ كتاب‌ تاريخي، و كان‌ ينوي من‌ خلال‌ هذا الكتاب‌ أن‌ يجعل‌ شهرة مخدومه‌ تطبق‌ الآفاق‌، ولكن‌ عندما‌ ادعى‌ الإسكندر الألوهية بالقرب‌ من‌ الصغد، تحدث‌ نافياً هذا الادعاء ( تشمبرز ...، I/245). و اعتبر مؤلَّفه‌ أسمى‌ من‌ إنجازات‌ الإسكندر (بيرنيا، 2/1744). فقد تاريخ‌ كليستنس‌ بعد فترة حتى‌ ألف‌ ذلك المصري المجهول‌ مجموعة باليونانية استناداً إلى‌ الروايات‌ المزيفة و المبالغ‌ فيها التي وصلت‌ إليه‌ من‌ أونيسكريت‌ و كليستنس‌، و أضاف‌ إليها روايات‌ لاأساس‌ لها. وقد أصبحت‌ هذه‌ القصة فيما بعد مصدراً لحشد من‌ الأساطير اللاتينية و البهلوية و السريانية والأرمنية والعبرية و العربية و الحبشية و عدد آخر من‌ اللغات‌ حول‌ الإسكندر.
و في أواخر‌ عصر الساسانيين‌، ترجم‌ النص‌ اليوناني لكليستنس‌ المزيف‌ إلى‌ البهلوية، و منها إلى‌ السريانية. و رغم‌ أن‌ ترجمته‌ البهلوية، فقدت‌ بعد فترة، لكن‌ بقيت‌ الترجمة السريانية لهذا النص‌ و التي كانت‌ قد تمت‌ على‌ مايقول‌ نولدكه من‌ قبل‌ سرياني نسطوري (ظ: EI2 ، مادة إسكندرنامه‌؛ أفشار، 164-165). ويبدو أن‌ هذه‌ الترجمة السريانية أصبحت‌ بعد عدة قرون‌ مصدراً للترجمات‌ العربية لأخبار الأسكندر على‌ حد قول‌ نولدكه (ن‌.صص‌).
و خـلال‌ قرون‌ طويلة حدثت‌ إضافات‌ لكل‌ من‌ هذه‌ الترجمـات‌ متأثـرة بالعــادات‌ و التقاليـد و المعتقـدات‌ المحليـة و قـد اكتسبت‌ بعض‌ الأحداث‌ طابعاً إسلامياً في الترجمات‌ العربية لهذه‌ الأساطير؛ كما أضيفت‌ أشياء كثيرة عندما ترجمت‌ هذه‌ القصص‌ بعد الإسلام‌ من‌ العربية إلى‌ الفارسية لتظهر من‌ كل‌ هذه‌ الأساطير، إسكندرنامه،‌ أو «أخبار الإسكندر» على‌ قول‌ صاحب‌ مجمل‌ التواريخ‌ (ص‌ 506)، و نظمها شعراً شعراء من‌ أمثال‌ الفردوسي والنظامي (صفا، حماسة‌سرائي، 90؛ أيضاً ظ: ن‌.د، إسكندرنامه‌). كما أن‌ روايات‌ المؤرخين‌ العرب‌ و الإيرانيين‌ بعد الإسلام‌ حول‌ الإسكندر مأخوذة في الغالب‌ من‌ هذه‌ الأخبار و من‌ المحتمل‌ أن‌ تكون‌ منقولة أيضاً من‌ كتب‌ الإسكندر باللغات‌ الأخرى‌، و على‌ سبيل‌ المثال‌ فقد استند النظامي في منظومة «إسكندر نامه» إلى‌ المصادر اليهودية و النصرانية و البهلوية (ص‌ 69).
و تقدم‌ لنا الكثير من‌ المصادر الفارسية و العربية شجرات‌ أنساب‌ مختلفة عن‌ الإسكندر. ومع‌ كل‌ ذلك، فقد ذكر اسم‌ والد الإسكندر (فيليب‌) في معظمها على‌ الأشكال‌ التالية: فيلفوس‌، فيلقوس‌، فيلاقوس‌، فيلبس‌ و بيلبوس‌. و تطالعنا في شجرات‌ الأنساب‌ هذه‌ فضلاً عن‌ اسم‌ فيليب‌ أسماء مثل‌ مطريوس‌، ومصيريم‌ وهرمس‌ و ميطون‌ و عيص‌ و غيرها و لانلاحظ أثراً لها في التواريخ‌ اليونانية و الرومية للأسكندر و من‌ الواضح‌ أنها اختلقت‌ فيما بعد. و إن الروايات‌ المنقولة في غالبية هذه‌ المصادر مثل‌ تاريخ‌ الطبري (1/577)، و مروج‌ الذهب‌ للمسعودي (1/ 318)، وزين‌‌الأخبار للگرديزي (ص‌ 602-603)، و المنتظم‌ لابن‌ الجوزي (1/424-425)، و الكامل‌ لابن‌ الأثير (1/284)، و التواريخ‌ المتأخرة عنها تبعاً لها مثل‌ مجمل‌ فصيحي (فصيح‌، 1/51)، تنحدر بنسب‌ الإسكندر إلى‌ إبراهيم‌ الخليل،‌ أو سيدنا نوح‌.
إن‌ ارتباط شجرة نسب‌ الإسكندر باليهود، أو تلبسه‌ بالزي‌ الملكي المسيحي ناجم‌ دون‌ شك عن‌ خلق‌ أسطورة مسيحية تستند إلى‌ مخطوطات‌ مركز أرشيف‌ ملوك الإسكندرية، و نظم‌ أجزاء منها بهمة شخص‌ يدعى‌ يعقوب‌ ساروك الشاعر السرياني المسيحي في أوائل‌ القرن‌ 6م‌، وكل‌ ذلك يدل‌ على‌ أن‌ مثل‌ هؤلاء المترجمين،‌ أو جامعي أخبار الإسكندر أضافوا قسماً من‌ الروايات‌ والأساطير الدينية اليهودية و المسيحية إلى‌ الأصل‌ اليوناني. وتدل‌ القرائن‌ على‌ أن‌ مترجم‌ إسكندرنامه من‌ العربية إلى‌ السريانية كان‌ قسيساً مسيحياً (باج‌، .(60,62,77
و بغض‌ النظر عن‌ بعض‌ الاختلافات‌ الجزئية، فإننا نلاحظ في التواريخ‌ العربية و الفارسية السالفة 3 أنواع‌ من‌ النسب‌ للإسكندر:
1. النسب السامي ـ المسيحي: كما سبقت‌ الإشارة أنه عندما وصلت‌ أسطورة الإسكندر إلى‌ بعض‌ الأقوام‌ السامية اليهودية، أو المسيحية، فإن‌ كلاً أظفى‌ عليها صبغة رواياته‌ و معتقداته‌ المحلية والدينية. و عندما كان‌ الإسكندر يقترب‌ من‌ بيت‌‌المقدس‌، استقبله‌ الأحبار اليهود و عرضوا عليه‌ كتاب‌ دانيال‌ الذي كان‌ قد تنبأ به‌ وبفتوحاته‌ (م‌.ن‌، 74-73؛ أيضاً ظ: العهد القديم‌، سفردانيال‌، الإصحاح 7). ثم‌ إن‌ الإسكندر احترم‌ اليهود و مقدساتهم‌ و مارس‌ مراسيم‌ الفداء في مذبحهم‌ (البيروني، آثار ...،60؛ أبوالفدا، 1/60) واكتسب‌ شعبية بين‌ هؤلاء القوم‌ و اعتبر اليهود الإسكندر منقذهم‌ واعتبروا أباه‌ من‌ نسل‌ عيص‌ بن‌ إسحاق‌ بن‌ إبراهيم‌ تجليلاً له‌. وبا‌لإضافة إلى‌ ذلك، فإن‌ وجود منقولات‌ من‌ الكتاب‌ المقدس‌ في نص‌ قصة الإسكندر يدل‌ على‌ أن‌ المترجم‌ السرياني لهذه‌ القصة كان‌ من‌ النسطوريين‌ المسيحيين‌ (أفشار، 164) و هذا مايشير بحد ذاته‌ إلى‌ المحاولات‌ التي كانت‌ تبذل‌ لربط الإسكندر بالأصل‌ السامي.
2. النسب‌ المصري: أدى‌ التعامل‌ الحسن‌ للإسكندر مع‌ الكهنة المصريين‌ و احترامه‌ لمعابدهم‌ إلى‌ أن‌ يعتبروه‌ ابن‌ الإلٰه‌ آمون‌ وفكّرت‌ على‌ إثر ذلك مجموعة من‌ المصريين‌ باختلاق‌ أصل‌ مصري له‌. و استناداً إلى‌ شجرة النسب‌ التي اختلقها المصريون‌ للإسكنـدر، فعندما حُـرم‌ ملك مصـر نيكتانيبو ـــ أو نقطينابـوس‌ على‌ قول‌ البيروني (تحقيق‌ ...، 68). إثر هجوم‌ أردشير الثالث‌ الأخميني على‌ مصر من‌ العرش‌ و التاج‌، توجه‌ إلى‌ الملك المقدوني فيليب‌ على‌ أمل‌ أن يحظى‌ بالمساعدة منه‌. و خطف‌ هناك قلب‌ ألمبياس‌ إمرأة فيليب‌ بزي منجم‌ و بمساعدة السحر وحصلت‌ له‌ روابط معها، وكان‌ الإسكندر ثمرة هذا الارتباط غير المشروع‌ (ن‌.ص‌، باج‌، 85؛ پيرنيا، 2/1214، قا: 2/1177). و قد ذكر صاحب‌ مجمل‌ التواريخ‌ اسم‌ ملك مصر على‌ أنه‌ بختيانوس‌، و اسم‌ المرأة التي ارتبط معها الملك المصري أولمفيد ابنة فيلقوس‌ (ص‌ 31). و قد نقل‌ ابن‌‌العبري أيضاً هذه‌ الرواية بعينها تقريباً (ظ: تاريخ‌ ...،89).
3. النسب‌ الإيراني : فمن‌ بين‌ شجرات‌ الأنساب‌ التي عددتها المصادر العربية و الفارسية للإسكندر، تعتبر تلك التي اعتبرت‌ االإسكندر من‌ سلالة الملوك الكيانيين‌ الأبرز و الأطراف‌ بينها. ويرى‌ البعض‌ أنه‌ لما كان‌ تحمل‌ الهزيمة أمام‌ الإسكندر صعباً على‌ الإيرانيين‌، و لم‌‌يكن‌ بمستطاعهم‌ أن‌ يسلموا الدولة الأخمينية المقتدرة بيد شاب‌ أجنبي، فقد أشاعوا أن‌ الإسكندر كان‌ من‌ سلالة الملوك الإيرانيين‌. و على‌ أساس‌ شجرة النسب‌ الإيرانية هذه‌ التي نقلها المؤرخون‌ مع‌ اختلافات‌ يسيرة، فإن‌ الملك الكياني دارا تـزوج‌ من‌ ابنـة الملك الرومي فيلقـوس‌ ــ و التـي ذكر اسمها بأشكال‌ مختلفة (الطبري، 1/574؛ اليعقوبي، 1/115؛ مجمل‌، ن‌.ص‌؛ الفردوسي، 5/ 1779؛ البيروني، ن‌.ص‌) ــ بعد تغلبه‌ عليه‌. و لكنه‌ أعادها إلى‌ أبيه‌ عندما وجد نتن ريحها و لم‌‌يستطع‌ معالجتها بنبات‌ السندر، أو الاسكندروس‌ (الطبري، 1/574-575؛ الدينوري، 53-54؛ الگرديزي، 603؛ فصيح‌، 1/25؛ أيضاً ظ: الفردوسي، 5/1779-1781). و لم‌‌يخبر ملك الروم‌ أحداً بذلك، و بعد أن‌ وضعت‌ ابنته‌ حملها، أطلق‌ عليه‌ اسم‌ نبات‌ السندر، أو الإسكندر (ن‌.صص‌؛ الثعلبي، 359) و أعلن‌ أن‌ الأسكندر ابنه‌ هو. و هكذا، اعتبر الإيرانيون‌ الإسكندر من‌ خلال‌ نسبته‌ إلى‌ دارا الأول‌، بطلاً من‌ الأبطال‌ الإيرانيين‌، و‌ استحق أن يكسب حبهم و بالطبع‌ فإن‌ هذه‌ الصورة تختلف‌ عن‌ تلك التي رسمت‌ عنه‌ في روايات‌ الإيرانيين‌ الدينية (كريستن سن‌، 217).
و قد نقل‌ معظم‌ المؤرخين‌ السابقين‌ روايات‌ أخرى‌ أيضاً عن‌ نسب‌ الإسكندر. فقد نقل‌ البناكتي خلال‌ استعراضه‌ لروايات‌ الطبري و الدينوري، قصة أخرى‌ تحكي‌ أن‌ والد الإسكندر بازر‌ ابن‌ البان‌ كان‌ ملك الإسكندرية و قد حارب‌ أفليسون‌ بن‌ فوقا. وبعد الصلح‌، خطب‌ بازر ابنة أفليسون‌، و لكنها سقطت‌ من‌ عينه‌ على‌ إثر مكيدة دبرها خدمه‌. و أمر بازر الفتاة التي حملت‌ منه‌ أن‌ تذهب‌ إلى‌ مدينتها. فوضعت‌ البنت‌ حملها في الطريق‌ و لفّت‌ الوليد في خرقة و ألقته‌ على‌ قارعة الطريق‌. فوجدت‌ امرأة عجوز الطفل‌ بعد أن‌ دلتها عنزة عليه‌، و حملته‌ إلى‌ البيت‌ و سمته‌ الإسكندر. وبعد فترة، عثرت‌ عليه‌ أمه‌ صدفة و بعثته‌ إلى‌ أبيه‌ و أوكل‌ أبوه‌ الملك إليه‌ (ص‌ 41-42) و نقل‌ خواندمير أيضاً هذه‌ القصة نفسها بقليل‌ من‌ الاختلاف‌ (1/209-210). و نقل‌ النظامي في شرف‌‌نامه‌ في معرض‌ رده‌ على‌ نسبة الإسكندر إلى‌ دارا الأول‌، عدداً آخر من‌ الروايات‌ في هذا الباب‌ و يرى‌ أن‌ والد الإسكندر هو فيلقوس‌ اليوناني نفسه‌ (ص‌ 80 ـ82).
و لم‌‌يذكر في المصادر العربية و الفارسية شيء عن‌ طفولة الإسكندر، سوى‌ أن‌ والده‌ أوكل‌ أمره‌ إلى‌ أرسطو لكي يتعلم‌ الأدب‌ و الحكمة. فخدمه‌ الإسكندر لخمس‌ سنوات‌ ليبلغ‌ في العلم‌ والفلسفة أعلى‌ الدرجات‌ (الشهرستاني، 2/137). و استناداً إلى‌ ماذكره‌ الگرديزي (ص‌ 604)  و ابن‌ الجوزي (1/427) فقد كان‌ أرسطو يتولى‌ منصب‌ الوزارة للإسكندر، و كان‌ كل‌ مايفعله‌ الأمير المقدوني بإشارته‌. فكان‌ أرسطو يحذره‌ عندما يخرج‌ من‌ مسار العدالة و الاعتدال‌. و يحذره خاصة في مكاتباته‌ من‌ القتل‌ والنهب‌ (ابن‌‌الأثير، 1/291؛ الدينوري، 64؛ حمزة، 40-41). و اعتبرت‌ بعض‌ المصادر أرسطو زميلاً للأسكندر في الدراسة و قد أصبح‌ فيما بعد وزيراً له‌ في عهد ملكه‌ (النظامي، 86، 93).
إن‌ ما تم‌ الاستناد إليه‌ في الغالب‌ من‌ حوادث‌ حياة الإسكندر في جميع‌ التواريخ‌ القديمة تقريباً هو حربه‌ مع‌ الإيرانيين‌. والاختلاف‌ الرئيس‌ بين‌ روايات‌ هذه‌ التواريخ‌ و ما جاء في المصادر الأوروبية في هذا المجال‌، هو أن‌ المنافس‌ الإيراني للإسكندر الذي هو في التواريخ‌ الأوروبية داريوس‌ الثالث‌ آخر ملك أخميني، يحل‌ محله‌ عادة «داراي دارا» أو «دارا الثاني» أو «دارا الأصغر» آخر الملوك الكيانيين‌. و لذلك نرى‌ دارا و الإسكندر إلى‌ جانب‌ بعضهما، أو في مواجهة أحدهما الآخر دوماً في آثار الأدب‌ الفارسي.
و على‌ أي حال‌، فإن‌ سلطنة الإسكندر كانت‌ متزامنة مع‌ عهد دارا بن‌ دارا. و مع‌ الأخذ بعين‌ الاعتبار أن‌ الإسكندر كان‌ ابن‌ دارا (ب‌) أو دارا الأكبر حسب‌ الروايات‌ المذكورة، فقد كان‌ في الحقيقة أخاً ثانياً لدارا (ابن‌ الأثير، 1/283) من‌ أم‌ أخرى‌. و قد ذكر أبوالريحان‌ هذا الاختلاق‌ للنسب‌ باعتباره‌ قصة يختلقها العدو لعدوه‌ ( آثار، 60-61). لم‌‌يكن‌ الإسكندر يفكر في شيء سوى‌ استرداد بلاد أبيه‌ دارا الأول‌ (الدينوري، 54-55). كان‌ الملوك اليونانيون‌ قبل‌ الإسكندر يدفعون‌ الخراج‌ لبلاط إيران‌ (اليعقوبي، 1/115)، و لكن‌ الإسكندر كان‌ يتملص‌ من‌ دفع‌ الخراج‌ المرسوم‌، وعندما لم‌‌تجد المراسلات‌ و التهديدات‌ الكلامية بين‌ دارا و بينه‌ نفعاً، اشتعلت‌ نار الحرب‌ بينهما. و خلال‌ الحرب‌، طعن‌ بالخنجر من‌ الخلف‌ دارا اثنان‌ من‌ حراسه‌ الهمدانيين‌ (الطبري، 1/574). وعندما استولى‌ الإسكندر على‌ إيران‌، بدأ بارتكاب‌ الفظائع‌ و أسر من‌ وجهاء إيران‌ 7 آلاف‌ نسمة وكان‌ يقتل‌ منهم‌ 21 فرداً يومياً (حمزة، 39)، و قتـل‌ أناساً من‌ الأسرة المالكـة و الموابذة و وجهاء إيـران‌ ( بندهش‌، 140) و ألقى‌ الكتب‌ الدينية في البحر («شهرستانها»، الفقرة 5). و قد ذكر الطبري أن‌ موضع‌ تلاقي هذين‌ الملكين‌ كان‌ في أرض‌ الجزيرة (شمال‌ العراق‌) على‌ رواية، أو في خراسان‌ في ماوراء الخزر (1/573، 576). و يتطابق‌ الموضع‌ الأول‌ إلى‌ حدما مع‌ موضع‌ وقوع‌ حروب‌ إيسوس‌ و غوغمل‌، و ينطبق‌ الثاني تقريباً  على‌ الموضع‌ الذي قتل‌ فيه‌ داريوس‌ الثالث‌ على‌ يد قادته‌ الخونة. و على‌ حد قول‌ الدينوري فبعد أن‌ هجم‌ الإسكندر على‌ العراق‌. تآمر في الحروب‌ التي خاضها مع‌ دارا، مع‌ رجلين‌ من‌ أهالي همدان‌ بأن‌ يخونا داريوس‌؛ فما كان‌ منهما إلا أن‌ هاجما الملك من‌ الخلف‌ في معمعة الحرب‌، و أردياه‌ قتيلاً (ص‌ 57) وبعثار رأسه‌ إلى‌ الإسكندر على‌ رواية الطبري (1/573).
و قد رويت‌ الأحداث‌ في بعض‌ التقارير على‌ مايلي: كان‌ الإسكندر ينوي أسر دارا حياً، و لكنه‌ لم‌‌يصل‌ إليه‌، إلا بعد أن‌ سقط إثر ضربة قاتلة وكان‌ يلفظ أنفاسه‌ الأخيرة. فاحتضن‌ الإسكندر رأسه‌ و قد غلبه‌ الحزن‌، و أوصاه‌ دارا بامرأته‌ و أولاده‌ وطلب‌ منه‌ أن‌ يتزوج‌ من‌ ابنته‌ روشنك (م‌.ن‌، 1/574؛ الدينوري، 57، 58؛ حمدالله‌، 96). عاقب‌ الإسكندر، ماهيار و جانوسيار قاتلي دارا (الفردوسي، 7/1812) على‌ عملهما الخياني ثم‌ طلب‌ من‌ أمه‌ التي كانت‌ تعيش‌ في الإسكندرية أن‌ تذهب‌ إلى‌ بابل‌ عند روشنك وتبعثها بأفضل‌ جهاز إلى‌ فارس‌ لدى‌ الإسكندر، ففعلت‌ ذلك (الدينوري، 58).
و فيما يتعلق‌ بمعارك الإسكندر بعد التغلب‌ على‌ دارا، فقد قدمت‌ التواريخ‌ الفارسية و العربية القديمة أخباراً مختصرة للغاية و أحياناً دون‌ ترتيب‌ خاص‌ و هي بالطبع‌ تتطابق‌ في الكليات‌ مع‌ ماذكر بالتفصيل‌ في التواريخ‌ الأوروبية. و قد قيل‌ إن‌ الإسكندر سلك طريق‌ الهند بعد فتح‌ إيران‌ و توجه‌ بعد قتل‌ فور ملك الهند إلى‌ السودان‌، و منها إلى‌ ساحل‌ عدن‌، و من‌ عدن‌ إلى‌ مكة، ثم‌ إلى‌ المغرب‌، و منها إلى‌ بلاد الروم‌، و حينئذ قصد بلاد المشرق‌. واجتاز أرض‌ الصقالبة و الخزر، و اجتاح‌ ديار الأتراك. و قطع‌ من‌ هناك الصحراء بين‌ تركستان‌ و الصين‌ و أخضع‌ ملك الصين‌ لأمـره، و حينئذ جاء دور فرغانـة و سمرقند و بخارى و آمويـه‌ (= آمل‌) ومرو. و بعد أن‌ أخضع‌ الإسكندر هذه‌ المناطق‌ لسيطرته‌ سار إلى‌ الجبل‌ و حلوان‌ و أخيراً بلغ‌ العراق‌ و أقام‌ في طيسفون‌. وبعد سنة، توجه‌ إلى‌ الشام‌ ثم‌ ذهب‌ إلى‌ بيت‌‌المقدس‌ (الدينوري، 58-63؛ اليعقوبي، 1/115-116؛ المسعودي، 1/319-320؛ ابن‌‌ الجوزي، 1/425).
ذكر أن‌ الإسكندر دمر خلال‌ هذه‌ الاجتياحات‌ مدناً و شيد أخرى‌. و من‌ جملة ذلك أنه‌ بنى‌ 12 مدينة تحمل‌ اسمه،‌ أي الإسكندرية في مناطق‌ مثل‌ أصفهان، و خراسان‌ و بابل‌ (الطبري، 1/ 578؛ المسعودي، 1/ 319؛ ابن‌‌الأثير، 1/ 288؛ حمزة، 40). و مع‌ كل‌ ذلك، فإن‌ الأخبار المتعلقة ببناء الإسكندر للمدن‌ غير صحيحة على‌ مايرى‌ حمزة الأصفهاني، ذلك لأنه‌ كان‌ هادماً لامعمراً. فقد تحولت‌ بابل‌ بأمره‌ إلى‌ تل‌ من‌ التراب‌ (ن‌.ص‌) و دمر المدينة التي كان‌ قد بناها طهمورث‌ (م‌.ن‌، 47؛ أيضاً ظ: مجمل‌، 40، 55). وقتل‌ الكثير من‌ الإيرانيين‌، و دمر الأماكن و الأسوار و معابد النار (الگرديزي، 58؛ فصيح‌، 1/16). و أحرق‌ الكتب‌ (ابن‌‌الجوزي، ن‌.ص‌، ابن‌ الأثير، 1/285). و تطالعنا في المصادر الإسلامية بالإضافة إلى‌ سفكه‌ للدماء، روايات‌ عديدة عن‌ مكائده‌، و نقضه‌ للعهود (مثلاً ظ: الدينوري، 57، 58؛ ابن‌ الأثير، 1/290، حمدالله‌، ن‌.ص‌؛ ابن‌ الجوزي، 1/424). و تلاحظ في التواريخ‌ التي كتبت‌ بقلم‌ اليونانيين‌ و الروم‌، نماذج‌ من‌ نقض‌ الإسكندر للعهود وحيله‌.
و مع‌ كل‌ ذلك فإن‌ هناك روايات‌ تشير إلى‌ أن‌ الإسكندر كان‌ يأمر في إيران‌ بترجمة كل‌ كتاب‌ يحصل‌ عليه‌ في الفلسفة و الطب والفلك و الزراعة و الفروع‌ العلمية الأخرى‌ إلى‌ اليونانية وإرسالها إلى‌ بلاد الروم‌، عدا الكتب‌ الدينية للزرادشتيين‌ والموابذة، فيما كانت‌ الكتب‌ المتبقية تلهمها النار (الطبري، 1/577؛ حمزة، 41، 43؛ الگرديزي، 59؛ ابن‌ الأثير، 1/284؛ مجمل‌، 61؛ المستوفي، 97). كتب‌ الگرديزي قائلاً: كان‌ في إصطخر بفارس‌ موضع‌ باسم‌ دژنبشت‌ (دارالكتب‌) ملىء بالكتب‌ الدينية و الفلسفية و الحساب‌ والهندسة و العلوم‌ الأخرى‌ فأمر الإسكندر بترجمتها كلها وإرسالها إلى‌ روما و وضعها في مقدونيا، ثم‌ أمر بحرق‌ دار‌الكتب‌ تلك بكل‌ مافيها من‌ كتب‌، حتى‌ لم‌‌يبق‌ عندالعجم‌ من‌ كتاب‌، سوى‌ القليل‌ مما كان‌ قد بقي في يد المجهولين‌... (ن‌.ص‌).
يبدو أن‌ اشتهار الإسكندر بكسب‌ العلم‌ و حبه‌ له أدت‌ إلى‌ أن‌ يصبح‌ في الكثير من‌ كتب‌ التاريخ‌ و الأخلاق‌ محور عدد من‌ حكايات‌ وعظية، و لطائف‌ حكمية و فلسفية و جمل‌ قصار. إن‌ نسبة الكثير من‌ هذه‌ اللطائف التي حكيت‌ على‌ لسان‌ الإسكندر إلى‌ شخصه‌ يشك فيها إلى‌ حد كبير. يبدو لنا الإسكندر في عدد من‌ الحكايات‌ التي يلعب‌ فيها دوراً، كملك حكيم‌ عاقل‌ و ثاقب‌ النظرة، و يظهر في مواضع‌ أخرى‌ رجلاً تقياً، عارفاً بالله‌، وكاتماً للأسرار (لنموذج‌، ظ: المسعودي، 1/320، 322؛ ابن‌ بابويه‌، 372؛ الشهرستاني، 2/ 138-139؛ ابن‌ الجوزي، 1/425، 426؛ العياشي، 2/ 348؛ ابن‌‌الأثير، 1/ 288-289؛ حمدالله‌، ن‌.ص‌). و من‌ المحتمل‌ أن‌ صانعي ورواة هذه‌ الحكايات‌ و العبارات‌ الحكمية و الفلسفية أرادوا من‌ خلال‌ وضع‌ الإسكندر في محور كلامهم‌ أن‌ يضفوا عليها ميزة و بقاء.
و نحن‌ نطالع‌ في الآثار الأدبية الفارسية عادة و في كل‌ موضع‌ اسم‌ الاسكندر، لاذي القرنين‌. إلا أن‌ ما جاء في الأخبار من‌ فتوحات‌ و نزعة توسعية و مصاحبة للخضر، و بحث‌ عن‌ ماء الحيوان‌ و غير ذلك نسب‌ كله‌ إلى‌ الإسكندر. و من‌ الواضح‌ أن‌ الشعراء و الأدباء اعتبروا هذين‌ الاسمين‌ شخصاً واحداً، ‌أو أنهم‌ لم‌يعيروا أهمية لكونهما شخصاً واحداً، أو شخصين‌. و أما سبب‌ عدم‌ استخدام‌ لفظ ذي القرنين‌ على‌ نطاق‌ واسع‌ و خاصة في الشعر، فيمكن‌ أن‌ يعود إلى‌ كون استخدام‌ هذا اللفظ في الشعرمحدوداً. وعلى‌ أي حال‌، فإن‌ تأثير قصة الإسكندر في الأدب‌ الفارسي كان‌ على‌ شكلين‌: الأول‌، على‌ شكل‌ كتابة مجموعات‌ منثورة و منظومة يكون‌ فيها الإسكندر البطل،‌ أو الشخصية الرئيسة؛ و الآخر، على‌ شكل‌ خلق‌ مضامين‌ و ملاحظات‌ حكمية وفلسفية، أو أدبية وشاعرية يكون‌ فيها الإسكندر رمزاً لبعض‌ الخصال‌ و المبادئ و وجهات‌ النظر.
و تعد القصص‌ المفصلة التي لها عنوان‌ إسكندرنامه‌ أشهر مجموعة كتبت‌ بالنثر الفارسي في ضوء أخبار الإسكندر مثل‌ إسكندرنامه‌ التي تبقت‌ منذ القرن‌ 5 و إسكندرنامه‌ أخرى‌ وصلتنا من‌ العهد الصفوي وكلاهما بنثر حسن‌ (صفا، 198؛ بهار، 3/262، 263، ها 1). و قد بلغت‌ الحواشي و التعليقات‌ على‌ أصل‌ أخبار الإسكندر في هذين‌ الكتابين‌ حداً بحيث‌ فقدت‌ تقريباً أي نوع‌ من‌ القيمة والنظام‌ و المنطق‌ التاريخي. و تعتبر أخبار الإسكندر مادة عدد من‌ كتب‌ الإسكندرنامه بالشعر الفارسي أيضاً أشهرها للفردوسي، والأخرى‌ من‌ نتاج‌ قريحة النظامي الگنجوي (لتوضيحات‌ أكثر، ظ: ن‌.د، إسكندرنامه).
و بالإضافة إلى‌ المجموعات‌ و المنظومات‌ الفارسية التي تتضمن‌ قصة الإسكندر بشكل‌ كامل‌، فإن‌ ما شاع‌ عن‌ هذا الملك  شبه‌ التاريخي و شبه‌ الأسطوري منذ القدم‌ بين‌ الإيرانيين‌، جاء بشكل‌ متناثر في كتب‌ النظم‌ و النثر. فقد صنع‌ الأدباء و الشعراء الفرس‌ مضامين‌ بديعة اعتماداً على‌ أخبار الإسكندر دون‌ أن‌ ينتظروا إثبات‌ هذه‌ الأخبار المتناقضة و المبالغ‌ فيها، أو إبطالها، أو يعيروا أساساً أهمية إلى‌ صحتها وسقمها. فلم‌‌يكن‌ هؤلاء الشعراء والكتاب‌ يهمهم‌ أن‌ يميزوا في الأخبار بين‌ الإسكندر الصحيح‌ وغير الصحيح‌. و لذلك، فإن‌ الإسكندر في أثارهم‌ هو ذو القرنين‌، و ذا القرنين‌ هو الإسكندر. فنحن نرى‌ الخضر و هو يصاحب‌ الإسكندر يتجه إلى‌ الظلمات‌ بحثاً عن‌ ماء الحيوان، ونرى‌ سد الإسكندر ماثلاً في الصين‌ بسهولة، و يصبح‌ الإسكندر السفاك للدماء نموذجاً و رمزاً للمروءة و السماحة و العدالة و الرحمة. ويتعامل‌ الشاعر مع‌ عين‌ ماء الحيوان‌ و مرآة الإسكندر و كأنهما حيقيقتان‌. و قد تجاوز الشعراء المتصوفة، و متصوفة الشعراء حد التشبيهات‌ و الاستعارات‌ المتداولة، فنهلوا الكثير مما قرؤوا عن‌ الإسكندر و عبروا عنه‌ بلغة التصوف‌ الرمزية، و بذلك زادوا من‌ غنى‌ الأدب‌ الصوفي الفارسي. إن الشهرة الأسطورية للإسكندر وبروزه‌ الواسع‌ إلى‌ حد بعيد من‌ جهة، و ضرورة كون‌ المشبه‌ به‌ هو الأعرف‌ و الأجلى‌ في التشبية، أو الأعرف‌ و الأجلى‌ في أحد طرفي صنعة التمثيل‌ من‌ جهة أخرى‌، كل‌ ذلك أدى‌ إلى‌ أن‌ تتم الاستفادة من‌ الإسكندر و الأحداث‌ و الأشياء و الأشخاص‌ المرتبطيـن‌ بتاريخ‌ حياته،‌ أو أسطورتها، فـي الصناعات‌ البديعية ــ التشبيه‌، و المبالغـة، و إرسـال‌ المثـل‌ و غيـر ذلك ــ بوضعها أركاناً‌ أصلية لكل‌ من‌ هذه‌ الصناعات‌، و أن‌ يستفيد الشعراء من‌ قصة الإسكندر في وصف‌‌ الممدوحين، و تنبيه‌ المخاطبين‌، و بيان‌ الأفكار الشعرية، و تجسيم‌ ملاحظاتهم‌ الأخلاقية و الفلسفية العميقة بشكل‌ أفضل‌ (لنموذج‌، ظ: ناصرخسرو، 246، 338؛ الخاقاني، 22، 232، 248، 280، 309؛ حافظ، 4، 117، 147؛ صائب‌، 118، 121، 823).

 

المصادر:   آزاد، أبوالكلام‌، ذوالقرنين‌ يا كورش‌ كبير، تج‍ ‍: باستاني پاريزي، طهـران‌، 1342ش‌؛ ابن‌الأثيـر، الكامـل‌؛ ابن‌ بابويـه‌، كمال‌ الديـن‌ و تمـام‌ النعمـة، تق‍ ‍: حسين‌ الأعلمـي، بيروت‌، 1412ه‍/1991م‌؛ ابن‌ الجوزي، عبدالرحمان‌، المنتظـم‌، تق‍ ‍: محمد عبدالقادر عطا و مصطفى‌ عبدالقادر عطا، بيروت‌، 1400ه‍ ؛ ابن‌‌كثير، إسماعيل‌، تفسير القرآن‌ العظيم‌، بيروت‌، دارالفكر؛ أبوالفتوح‌ الرازي، الحسين‌، روح‌ الجنان‌، قم‌، 1404ه‍ ؛ أبوالفداء،‌ المختصر في أخبار البشر، بيروت‌، 1375ه‍ ‍؛ أرداويراف‌ نامه‌، تج‍ : ژاله آموزگار، طهران‌، 1372ش‌؛ أفشار، إيرج‌، «حديث‌ إسكنـدر»، يغمـا، طهـران‌، 1343‌ش، س17، عـد 4؛ أفستا؛ البلعمـي، محمـد، تاريـخ‌، تق‍ ‍: محمد تقي بهار، طهران‌، 1341ش‌؛ البناكتي، داود، تاريخ‌، تق‍ ‍: جعفر شعار، طهران‌، 1348ش‌؛ بندهش‌، تق‍ : مهرداد بهار، طهران‌، 1369ش‌؛ بهار، محمد تقي، سبك شناسي، طهران‌، 1337ش‌؛ البيروني، أبوالريحان‌، آثار الباقية، تج‍ ‍: أكبر دانا‌سرشت‌، طهران‌، 1352ش‌؛ م‌.ن‌، تحقيق‌ ماللهند، بيروت‌، 1403ه‍ ؛ پيرنيا، حسن‌، إيران‌ باستان‌، طهران‌، 1313ش‌؛ تاريخ‌ إيران‌ باستان‌، برواية ابن‌ العبري، تق‍ : يوسف‌ بنيان‌ و محمد جواد مشكور، طهران‌، 1326ش‌؛ الثعلبي، أحمد، قصص‌ الأنبياء، بيروت‌، 1401ه‍/1981م‌؛ حافظ، ديوان‌، تق‍ ‍: پرويزناتل‌‌خانلري، طهران‌، 1362‌ش؛ حمدالله‌ المستوفي، تاريخ‌ گزيده‌، تق‍ ‍: عبد‌ا‌لحسين‌ نوائي، طهران‌، 1362ش‌؛ حمزة الأصفهاني، تاريخ‌ پيامبران‌ وشاهان‌، تج‍ ‍: جعفر شعار، طهران‌، 1367ش‌؛ الخاقاني، ديوان‌، تق‍ : ضياء‌الدين‌ سجادي، طهران‌، 1357ش‌؛ خواندمير، غياث‌ الدين‌، حبيب‌ السير، طهران‌، 1363ش‌؛ الدينوري، أحمد، الأخبار الطوال‌، تج‍ : محمود مهدوي الدامغاني، طهران‌، 1364ش‌؛  «شهرستانهاي إيران‌» مع‌ مجموعة نوشته‌هاي  پراكنـدۀ صادق‌ هدايت‌، طهـران‌، 1334ش‌؛ الشهرستانـي، محمد، الملل‌ و النحـل‌، تق‍ : محمد سيد كيلاني، القاهرة؛ صائب‌ التبريزي، كليات‌، طهران‌، خيام‌؛ صفا، ذبيح‌‌‌الله‌، حماسه سرائي در‌إيران‌، طهران‌، 1352ش‌؛ الطبري، تاريخ‌؛ العهد القديم؛ العياشي، محمد، التفسير، تق‍ ‍: هاشم‌ الرسولي المحلاتي، طهران‌، مكتبة العلمية الإسلامية؛ فخرالدين‌ الـرازي، التفسير الكبير، بيـروت‌، دارإحياء التـراث‌ العربي؛ الفردوسـي، الشاهنامه، تق‍ ‍: سعيـد نفيسي، طهـران‌، 1314ش؛ فصيح‌ الخوافـي، أحمـد، مجمـل‌ فصيحـي، تق‍ ‍: محمود فرخ‌، مشهد، 1341ش‌؛ القرآن‌ الكريم‌؛ القرطبي، محمد، الجامع‌ لأحكام‌ القرآن‌، بيروت‌، 1965-1966م‌؛ كارنامۀ أردشير بابكـان‌، تق‍ ‍: بهرام‌ فره‌‌وشي، طهـران‌، 1354ش‌؛ كـريسن سن‌، آرتـور، كيانيـان‌، تج‍ : ذبيـح‌ الله‌ صفا، طهـران‌، 1336ش‌؛ الگـرديـزي، عبـدالحـي، زيـن‌‌الأخبــار، تق‍ : عبدالحي‌حبيبـي، طهران‌، 1363ش‌؛ مجمل‌ التواريـخ‌ و القصص‌، تق‍ : محمد تقي بهار، طهران‌، 1318ش‌؛ المسعودي، علي، مروج‌ الذهب‌، تق‍ ‍: يوسف‌ أسعد داغر، بيروت‌، 1385ه‍ ؛ ناصرخسرو، ديوان‌، تق‍ : مجتبى‌ مينوي و مهدي محقق‌، طهران‌، 1353ش‌؛ النظامي الگنجوي، شرف‌ نامه‌، تق‍ ‍: وحيد دستگردي، طهران‌، 1316ش‌؛ اليعقوبي، أحمد، تاريخ‌، النجف‌، 1358ه‍ ؛ و أيضاً:

Budge, E. A. W., The History of Alexander the Great, Cambridge, 1889; Chambers's Encyclopaedia, London, 1968; Dinkard, tr. E. W. West, Oxford, 1892; EI2; West, E. W., introd. & tr. Pahlavi Texts, Oxford, 1897, vol. V.
 

 

آخر تعليق
اسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق :
آخر تعليق
MemberComments
Priority
البريد الإلكتروني
Description
Send