اَلْإقالَة / علي تولّائي

عدد زار : 630
تاريخ النشر : ۱۳۹۵/۲/۱
اَلْإقالَة، مصطلح فقهي وقانوني بمعنى نقض الاتفاق بتراضي الطرفين. والإقالة لغة تعني الفسخ، وإن استخداماتها الخاصة في موضوعات مثل البيعة والعهد (ظ: ابن منظور، مادة قيل)، تدل على استحكام متعلقها. وفي المعنى الاصطلاحي، فإن الإقالة تستخدم في العقود اللازمة فحسب (ظ: الشريف المرتضى، 367)، حيث إنها في هذا الاستخدام الاصطلاحي تتميز تماماً عن خيار الفسخ...

اَلْإقالَة،   مصطلح فقهي وقانوني بمعنى نقض الاتفاق بتراضي الطرفين. والإقالة لغة تعني الفسخ، وإن استخداماتها الخاصة في موضوعات مثل البيعة والعهد (ظ: ابن منظور، مادة قيل)، تدل على استحكام متعلقها. وفي المعنى الاصطلاحي، فإن الإقالة تستخدم في العقود اللازمة فحسب (ظ: الشريف المرتضى، 367)، حيث إنها في هذا الاستخدام الاصطلاحي تتميز تماماً عن خيار الفسخ. وفضلاً عن ذلك، فإن التراضي أيضاً بوصفه الركن الأساسي في الإقالة يفصلها عن سائر موارد الفسخ، مثل «الرد بواسطة العيب» (ظ: ابن قدامة، 4/245).
تستخدم الإقالة في العقود المالية من قبيل البيع والإجارة، إلا أنها لاتسري في العقود اللازمة مثل النكاح الذي لايمكن فسخه بالخيار، ولاتسري في الإيقاعات أيضاً (ظ: الشهيد الثاني، 3/436؛ ابن عابدين، 4/146؛ الطباطبائي، 192). كما عمّم البعض الإقالة باعتبارها معاملة عقلائية على العبادات المالية كالخمس والزكاة (ن.ص).
وكانت أحكام الإقالة في بعض الأنظمة القانونية قبل الإسلام موضع اهتمام، و منها في القانون الروماني، حيث كانت إقالة العقود القائمة على التراضي قبل تحويل موضوع المعاملة ودفع ثمنها، أمراً ممكناً (ظ: مدونة... ، 244). وفي بداية العصر الإسلامي وبرغم أن شيوع الإقالة في المعاملات يتضح من بعض الروايات، إلا أنه لم يتم تناول أحكامها بشكل واسع في السنة النبوية.
ومنذ عصر الصحابة، بدأت الفروع الفقهية للإقالة بالاتساع، وفي أواخر القرن 2ه‍/8م احتلت مكاناً واسعاً في المتون الفقهية المدونة. وإن تعارض آراء بعض الصحابة مثل ابن عباس وابن عمر في مسألة «الإقالة في قسم من مال السلم»، مثير للانتباه مما كان في الفترات التالية أيضاً موضوعاً للنقاش في الأوساط الفقهية. وقد توبع هذا التنوع في الرؤى من قبل فقهاء بلدان إسلامية مثل المدينة والكوفة، وما يلفت النظر في هذا، تعارض أبي حنيفة وتلامذته مع مالك، الفقيه المدني ذي النزعة الحديثية. فقد كان أبو حنيفة وتلامذته بتمسكهم بالرأي المنقول عن ابن عباس ــ وخلافاً لنزعة غالبية فقهاء أهل الرأي في الكوفة من أمثـال إبراهيم النخعي ــ يقولون بجواز الإقالـة (ظ: محمد بن الحسن، الحجة... ، 2/590، 596؛ ابن أبي شيبة، 6/13؛ الصنعاني، 8/12 وما بعدها). وبإزاء ذلك، رأى مالك متمسكاً بحديث منقول عن النبي (ص) أن المشتري مخير بين تسلم كامل مال السلم، أو استرداد رأس المال بتمامه، ولم يقل بحقه في أخذ قسم من رأس المال (ظ: السرخسي، 12/130؛ ابن المرتضى، 4/ 409). ومن وجهة نظر محمد بن الحسن الشيباني، فإن هذه الإقالة عُدّت شكلاً من أشكال الصلح الجائز (ن.م، 2/597).
وبحسب رأي مالك، فإن القول بجواز الإقالة كان ذريعة للبيع والسلف مما كان النبي (ص) قد نهى عنه (ن.م، 2/595)؛ برغم أن عدم الجواز لديه يقتصر على السلم في شراء الطعام برأس المال «الدرهم»، لكن حين يكون رأس المال سلعة (مثل اللباس)، فقد قال بجواز الإقالة في جزء من السلم (ظ: ابن القاسم، 4/69). كما أن الشافعي ــ وفضلاً عن تمسكه ببعض آثار المتقدمين ــ استند في تحليل وجهة نظر الجواز إلى القياس والعقل والأولوية (ظ: 3/76، 132). ومن وجهة نظره، فإن المراد بالنهي النبوي عن البيع والسلـف هـو أن ينعقد العقد علـى مجموع البيع و السلـف (3/76).
كما كانت إقالة البيع بدفع ما بإزاء مال موضوع النقاش على عهد الصحابة، وكان ابن عباس ــ خلافـاً لابن عمر ــ يرى أنهـا باطلة (ظ: ابن أبي شيبة، 6/ 109، 111؛ الصنعاني، 8/19؛ البيهقي، 6/27). واستناداً إلى رواية عن رأي أبي حنيفة، فإنه كان يرى دفع ما بإزاء من جانب البائع، أو المشتري باطلاً في الإقالة (ظ: محمد ابن الحسن، ن.م، 2/500، الجامع... ، 365)؛ لكن مالكاً كان يرى أن دفعاً كهذا جائز من قبل البائع، لا المشتري (ظ: 2/610-611؛ ابن القاسم، 4/76؛ محمد بن الحسن، الحجة، 2/500-502). ومن وجهة نظر الشافعي، لم تكن الإقالة جائزة بدفع ما بإزاء دون تفاوت بين البائع والمشتري، برغم أنه في نظره كان بإمكان الطرفين عقد بيع جديد في بعض الحالات (ظ: 3/ 38، 77). كما نقل عن أحمد بن حنبل أيضاً نظر قائم على عدم الجواز (ظ: ابن رجب، 380).
وفي المدرسة الفقهية لأهل البيت (ع) أيضاً نُقل في بعض الروايات الواردة عن الإمام علي (ع) والإمام الصادق (ع) رأي يقوم على جواز أخذ قسم من رأس المال في السلم (ظ: مسند...، 279؛ أيضاً الحر العاملي، 18/304، 306، 309، 310). وفضلاً عن ذلك، فقد نُفيت صحة إقالة البيع بدفع ما بإزاء وذلك في رواية عن الإمام الصادق (ع) (ظ: م.ن، 18/71-72)، كما أشير في بعض الروايات المنقولة عن الأئمة (ع) إلى التفاوت بين الإقالة والخيار (م.ن، 18/ 28-29).
وقد أدت النظرة إلى ماهية الإقالة بوصفها «نقل ملك» أو«إعادة ملك» على مدى تاريخ الفقه الإسلامي إلى تقديم تحليلات مختلفة يمكن الإشارة من بينها بشكل رئيس إلى تحليل الإقالة ضمن «البيع» و«الفسخ» (ظ: الطوسي، 1/594؛ ابن عبد البر، 16/343؛ ابن قدامة، 4/244؛ ابن المرتضى، 4/375). وفي محصلة الآراء وتنقيح مواضع الاختلاف في القرون المتأخرة، رأى البعض ــ استناداً إلى الإجماع ــ أن الإقالة بحسب نوع العقد في حالات الأخذ بالشفعة، بيع؛ وفي حالات الصرف والسلم قبل «القبض»، فسخ (ن.ص)؛ على الرغم من أن الإجماع المذكور قد تمّ نقده بشدة من قبل البعض (ظ: الشوكاني، 3/140). وفضلاً عن ذلك، فإن الاختلاف في ماهية الإقالة من وجهة نظر بعض الفقهاء  
هو في استخدام لفظ الإقالة فقط، لكن في حالة إطلاق لفظ «التفاسخ»، فإن الفسخ يتحقق قطعاً (ظ: النووي، 3/153).
والجدير بالذكر أن الإقالة ذكرت في بعض الحالات بوصفها شكلاً من أشكال العقد (مثلاً ظ: ابن رجب، 109). ولايرى صاحب الجواهر، الفقيه الإمامي المتأخر ــ وبإشارته إلى عدم توفر تصريح من جانب الفقهاء يقوم على كون الإقالة عقداً ــ أنه عقد معاوضة، بـل ــ شأنه شأن الفسـخ ــ يعتبره شكلاً من أشكال الخيار بدليـل تفاوت بعض أحكام الإقالة مع العقود اللازمة، رغم أنه يختلف عن الفسخ بسبب التراضي (24/354-355، 357؛ قا: الطباطبائي، 191). وإن تحليل ماهية الإقالة في إطار بيان قاعدة فقهية أيضاً مثير للاهتمام (ظ: الدبوسي، 138-139؛ قا: الشهيد الأول، 1/290-291).
وقد انبرى فقهاء المذاهب الإسلامية في آثارهم لتبيان شروط صحة الإقالة والفروع الخاصة بها بشكل مفصل. فمن وجهة نظر البعض، كان اشتراط خلاف الثمن الأول موجباً لبطلان الإقالة؛ رغم أن البعض الآخر كان يرى الشرط في هذه الحالة باطلاً وأصل الإقالة صحيحاً (ظ: القدوري، 1/258-259؛ الطوسي، 1/595؛ ابن قدامة، 4/245؛ ابن المرتضى، 4/376)؛ ومن وجهة نظر بعض الفقهاء الحنابلة، فإن الإقالة في هذه الحالة قابلة للمقارنة مع «بيع التولية» (ابن قدامة، ن.ص). أما صحة الإقالة مع تلف كل المبيع، أو قسم منه وكذلك تلف الثمن، فهو الآخر موضع اختلاف (ظ: القدوري، 1/259؛ المحقق الحلي، 2/67؛ ابن المرتضى، 4/376؛ أيضاً ظ: قانون مدني، المادة 286). وفضلاً عن هذه الحالات، فإن فروعاً مثل الإقالة من قبل الورثة بعد وفاة طرفي البيع وملكية النماءات قبل الإقالة، و الإقالة المعاطاتية يمكن أن تعد من أهم موضوعات الخلاف في هذا المضمار (ظ: ابن المرتضى، ن.ص؛ النووي، 3/154-155؛ ابن رجب، 381؛ الشهيد الثاني، 3/438؛ البهوتي، 3/204؛ صاحب الجواهر، 24/355؛ أيضاً قانون مدني، المادتان 284، 287).
واستناداً إلى المادة 264 من قانون مدني الإيراني عُدّت الإقالة إحدى طرق زوال الالتزامات، وقد وردت أحكامها القانونية بشكل وافٍ في المواد 283- 288.

المصادر:   ابن أبي شيبة، عبدالله،  المصنف، بومباي، 1400ه‍/1980م؛ ابن رجب، عبد الرحمان، القواعد، بيروت، دار المعرفة؛ ابن عابدين، محمد أمين، رد المحتار، بيروت، دار الكتب العلمية؛ ابن عبد البر، يوسف، التمهيد، تق‍ : عمر جيدي وسعيد أحمد أعراب، تطوان، 1405ه‍/1985م؛ ابن القاسم، عبد الرحمان، المدونة الكبرى، القاهرة، 1323ه‍ ؛ ابن قدامة، عبد الله، المغني، بيروت، 1404ه‍/1984م؛ ابن المرتضى، أحمد، البحر الزخار، بيروت، 1394ه‍/1975م؛ ابن منظور، لسان؛ البهوتي، منصـور، كشاف القناع، بيروت، 1402ه‍/1982م؛ البيهقـي، أحمد، السنن الكبـرى، تق‍ : يوسف عبد الرحمان المرعشلي، حيدرآباد الدكن، 1344ه‍ ؛ الحر العاملي، محمد، وسائل الشيعة، قم، 1412ه‍ ؛ الدبوسي، عبيد الله، تأسيس النظر، بيروت، 1399ه‍/1979م؛ السرخسي، محمد، المبسوط، القاهرة، مطبعة الاستقامة؛ الشافعي، محمد، الأم، بيـروت، دار المعرفـة؛ الشريـف المرتضى، علـي، الناصريات، طهـران، 1417ه‍/1997م؛ الشهيد الأول، محمد، القواعد والفوائد، النجف، 1400ه‍/1980م؛ الشهيد الثاني، زين الدين، مسالك الأفهام، قم، 1414ه‍ ؛ الشوكاني، محمد، السيل الجرار، بيروت، 1405ه‍/1985م؛ صاحب الجواهر، محمد حسن، جواهر الكلام، طهران، 1394ه‍ ؛ الصنعاني، عبد الرزاق، المصنف، تق‍ : حبيب الرحمان الأعظمي، بيـروت، 1403ه‍/1983م؛ الطباطبائـي اليـزدي، محمـد كـاظـم، ســؤال وجـواب، تق‍ : مصطفى محقق داماد، طهران، 1376ش؛ الطوسي، محمد، الخلاف، طهران، 1377ه‍ ؛ قانون مدني؛ القدوري، أحمد، «مختصر»، مع اللباب للغنيمي، القاهرة، 1383ه‍/1963م؛ مالك بن أنس، الموطّأ، تق‍ : محمد فؤاد عبد الباقي، القاهرة، 1370ه‍/1951م؛ المحقق الحلي، جعفر، شرائع الإسلام، تق‍ : عبد الحسين محمد علي، النجف، 1389ه‍/1969م؛ محمد بن الحسن الشيباني، الجامع الصغير، بيروت، 1406ه‍/1986م؛ م.ن، الحجة على أهل المدينة، بيروت، 1403ه‍/1983م؛ مدونة جوستينيان في الفقه الروماني، تج‍ : عبد العزيز فهمي، القاهرة، 1946م؛ مسند زيد ابن علي (ع)، بيروت، منشورات دار مكتبة الحياة؛ النووي، يحيى، روضة الطالبين، بيروت، دار الكتب العلمية.                 

آخر تعليق
اسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق :
آخر تعليق
MemberComments
Priority
البريد الإلكتروني
Description
Send